شغف بالبورتريه فاستخدمه في العديد من أعماله

محمد المزروعي: الوجه هو المدخل الأول لفهم المجتمع

وجوه مُجابهة

محمد المزروعي، فنان تشكيلي وشاعر إماراتي، اشتغل مطولاً على فن رسم الوجه، (البورتريه) مستخدماً إياه، وسيلة رئيسة للتعبير عما يجول في نفسه من إرهاصات وهموم وأحلام، كما اشتغل على اللوحة والفن المركّب، ونوّع في الصياغات والأساليب، وقد رَشَحَ الكثير من أدبه إلى فنه، "فتعالق" نصه البصري بنصه السردي.

بين التعبيريّة والفن الساج

ينتمي الفنان المزروعي في تجربته الفنية التشكيليّة، لفكرة اللوحة، كما اشتغل على فكرة «النحت التركيبي»، حيث يقوم بإحضار أشياء مختلفة من الشوارع والأسواق ويستنهض منها عملاً فراغياً، وهذه بالنسبة له «كما يقول» تجربة مفتوحة. أما بالنسبة لاشتغاله على اللوحة، فهو يتحرك فيها ما بين التعبيريّة الألمانيّة ومفهوم الفن الساذج «الناييف» الذي يتقاطع مع رسوم الأطفال والبدائيين والشعبيين، وأحياناً يجنح في لوحته نحو الوحشيّة التي نشأت في فرنسا، ونحو الصوريّة، وهي مدرسة شعريّة نشأت على يد الشاعر الأميركي (عزراباوند) وجماعته، وان ثمة قاسماً مشتركاً يجمع بين هذه الفنون كافة هو حرية التعبير من دون أي قيود.

مفردة الوجه

شغف الفنان محمد المزروعي منذ البدايات الأولى لتجربته الفنيّة، بفن مفردة الوجه «البورتريه» فعالجه في العديد من أعماله، بصياغات وأساليب مختلفة، لم يغادر خلالها الواقعيّة التشخيصيّة، حيث ظل يُشير إليها بهذا الشكل أو ذاك، ما وفر العديد من مفاتيح التواصل بينه وبين المتلقي.

بحسب المزروعي لا يوجد أي سبب محدد وراء توجهه بشكل أساسي نحو الوجه، الذي حدد أفكاراً معينة حوله في البداية، لكنه متأكد الآن من أن الوجه أول الأشكال التي أثرت في بدايات تشكّله البصري، وأول الموجودات الجنينيّة التي وافقت حاجته النفسيّة، فكان من خلال هذه المفردة الإنسانيّة يقيم علاقات مع كل شيء. أي أنها كانت المدخل الأول لفهم المجتمع، وشكّلت لديه أيضاً، بداية علاقته بالمعرفة التشكيليّة، تأريخاً وتذوقاً وتحليلاً لماهيّة الوجود البصري واقعياً وذهنياً.

عفوية

يعالج الفنان المزروعي الوجه بشيء من الاختزال والاختصار لتضاريسه، لاسيّما العينين والأنف والفم، مستخدماً في ذلك أقصى ما يمكن من العفويّة والبساطة، بحيث تتقاطع مع الرسوم البدائيّة والشعبيّة، من جهة، ومع بعض خصائص التعبيريّة الألمانيّة التي تاهت بجغرافيّة الجسد الإنساني، ولم تخرج منها، وهما الاتجاهان الفنيان اللذان أُغرم وتأثر بهما خلال مسيرته الفنيّة، إضافة إلى تماهيه مع الحساسيّة الشعريّة التي حاول إيصالها إلى خطوطه الراجفة، وتمتمات ألوانه المتروكة بتلقائيّة عجيبة فوق موجودات اللوحة وكائناتها التي تشكّل المرأة جسداً ووجهاً، أبرزها وأهمها.

وجه شارد

 

تماهٍ

يتناول الفنان المزروعي الوجه مفرداً أو مثنى أو جمعاً، ضمن حالات شكليّة وتعبيريّة متباينة، ترتبط بشكل وثيق، بالحالة النفسيّة التي تتملكه لحظة قيامه باجتراح فعل الرسم. ليس هذا فحسب، وإنما يقوم بترك الكثير من ملامحه الشخصيّة "العينان بشكل خاص" في ملامح الوجه المرسوم، وهو أمر طبيعي إذا ما علمنا قيام حالة من التماهي الكبير بين "الراسم"و"المرسوم" في العمل الفني الذي يعالج موضوع الوجه، وهذه حقيقة أكدها غالبية الفنانين التشكيليين والنقاد والباحثين الذين درسوا فن الوجه.

مواجهة وديعة أول ما يواجه المتلقي المتأمل بوجوه الفنان المزروعي، براءتها وطيبتها، وعفويتها وشرودها ودهشتها، فهي مذهولة وفي حالة مواجهة وديعة مع المتلقي، أو شاردة عنه، تنظر إلى البعيد، وفي الحالتين تفيض بنيتها بالتلقائيّة والطيبة والصدق. هذه الحالات التعبيريّة الإنسانيّة النبيلة والطفليّة، يقدمها الفنان محمد المزروعي، عبر اختزالات لونيّة وشكليّة، تتواكب والمضمون، وتعكسه بوضوح وصدق كبيرين، ما يؤكد الحميميّة الكبيرة والدافئة التي يتعامل فيها الفنان مع موضوع أعماله، وأدوات التعبير عنه في آنٍ معاً.

إرهاصات وهواجس

 

فتضاريس الوجه لديه، بقعة لونيّة تتجمع على بعضها، أو تنداح عن مركزها قليلاً، وهي موضوعة في مكانها بكثير من التلقائيّة والاختزال، خاصة إذا شعر الفنان أنها أدت المهمة البصريّة والتعبيريّة الموكلة إليها، وهذا ما يفسر عدم إصرار الفنان المزروعي على إتمام الهيكليّة الواقعيّة للملمح وتأطيرها، تاركاً هذه المهمة لبصر المتلقي وبصيرته.

تتواكب في لوحة الفنان محمد المزروعي القيم التشكيليّة والتعبيريّة للخط «الرسم» واللون، بحيث لا يطغى أحدهما على الآخر، الأمر الذي أدى إلى قيام حالة من التوافق والانسجام بينهما. وما كرّس هذه الحالة وأكدها، قيام الفنان بسحب الخط «الرسم» من صلب العجينة اللونيّة، ببراعة لافتة، تؤكد تمتعه بخاصية «الرسام» و«الملوّن» في آنٍ معاً، حيث يحرص على بناء معمار اللوحة الشكلي والدلالي منهما معاً، وهو معمار متين البنيّة التكوينيّة رغم الشفافيّة الطاغيّة التي تسربل هذه البنية، وتطول الألوان والخطوط بنفس الدرجة، مع ملاحظة قيام الرسم لديه بدور الملاط الداعم والمثبت للتكوين، أو بدور الهيكل العظمي في الجسم، الحامل والحامي، للأعضاء والعضلات والجلد.

يقوم الفنان بتحديد ماهية العنصر «عين، أنف، فم، يد، رجل، شعر» بإشارات واهية وغير مكتملة، الأمر الذي يدفع المتلقي لمشاركة الفنان في إنجاز العمل بصرياً وحسياً، وبالتالي الوصول إلى مضمونه ورموزه، وفق الحالة الشعوريّة التي عاشها الفنان أثناء إنجازه لعمله، والتي يعيشها المتلقي لحظة مواجهته للعمل الذي تعمد المزروعي ألا يمارس فيه دور الملقن بالنسبة للمشاهد له، وإنما مارس دور الدال والمؤشر من بعيد، إلى مفاتيح الدخول إليه، تاركاً له مهمة اكتشاف ما أودعه فيه من معانٍ.

اختزال العناصر

 

فن مفاهيمي

إلى جانب الرسم والتصوير، أنجز الفنان محمد المزروعي بعض التجارب الفنيّة المجسمة، ضمن ما يُعرف اليوم بالفن المفاهيمي الذي يجيز للفنان الجمع بين مواد وخامات وعناصر عديدة، في العمل الواحد (ومنها ما يُعرف بتدوير النفايات في استنهاض أعمال فنيّة)، لكن هذه الأعمال الفراغيّة، مقارنة بإنجازاته على صعيد اللوحة، تبدو متواضعة كقيمة تشكيليّة وتعبيريّة، وهي أقرب إلى (الصرعة) أو (الموضة) منها إلى الفن الحقيقي، ما يجعلنا نجزم أنها طارئة على تجربته الفنيّة وهجينة، وأن ما دفعه إليها عدوى التقليد والمجاراة، سيّما وأن عدداً لا بأس به من الأسماء الكبيرة في الحركة التشكيليّة الإماراتيّة المعاصرة، تشتغل اليوم بحماسة، على مثل هذه الاتجاهات التي لا ديمومة لها ولا هُويّة ولا رسالة محددة، تريد نقلها إلى المتلقي، ذلك لأنها لا تتعدى التهويمات الممعنة في الغموض والذاتيّة والإيهام، وقد يكون منجزها نفسه لا يدرك معانيها، ولا الهدف من منها، ما يجعلها مجرد تمرير للوقت، أو نوعاً من اللعب الذي تقتصر متعته على ممارسه فقط!

تنويع

يلجا المزروعي إلى التنويع بالأساليب والتقانات اللونيّة في معالجة لوحاته، وفقاً لموضوعاتها وأفكارها، حيث يتنقل بين الألوان الزيتيّة والألوان المائيّة.

تعليقات

تعليقات