الروائي العماني محمد الشحري لـ«البيان»:

«موشكا» أدب إنساني وميثولوجي من أرض اللبان

صورة

يقودنا هذا الحوار إلى طواف شيق يهبّ هواؤه الأسطوري من بلاد الشحر في جنوب جزيرة العرب، وتحديداً ظفار في جنوب سلطنة عمان، حيث أشجار اللبان والأراضي العتيقة التي تأبى النسيان بوصفها مستودعاً للروائح منذ آلاف السنين، ولحكايات مذهلة وخصبة وصلبة كأرضها، تنتقل في مشاهداتها من خلال اللهجة الشفهية للشحرية والمكثفة في أساطيرها، لينقلها الروائي محمد الشحري في روايته «موشكا» المحبوكة بخيط من حروف سحرية بلغة الذاكرة الاسترجاعية من قلب الزمن متكئاً على ذاكرة الطفولة.

وقد كان لنا معه هذا الحوار:

روايتك الأولى «موشكا» فيها من الأساطير ما يذهل القارئ ويجعله متسائلاً: من أي بقعة بالأرض أتى المؤلف محمد الشحري ليحرر هذا النص الروائي المتخيل ويضيف حساً جديداً عن مكان يبدو كالحلم، حدثنا عن هذا العمل؟

«موشكا» هي عملي الروائي الأول، وكلمة موشكا إغريقية وردت في كتاب «الطواف حول البحر الإريتيري لمؤلف مجهول» وتشير الكلمة إلى ميناء سمهرم أو خور روري - المكان الذي يُصّدر منه اللبان في ظفار-، وهو مكان محاط بالأساطير ونُسجتْ حوله قصص وحكايات محبوكة بخيوط السحر، ففي هذا العمل حاولت تتبُع الأسلاف الذين يودِعون في الأسطورة ما يعجزون عن فهمه أو استيعابه، فاللجوء إلى الأسطورة - مستودع الذهول العقلي للإنسان القديم - عادة قديمة وظفتها البشرية لصالحها عندما عجز الناس عن التحليل والتفسير للظواهر المحيطة بهم.

اتكأت على الذاكرة الطفولية في تتبع طرق السرد القديمة، وكذلك في إعادة خلق المخلوقات الغامضة غير المرئية والمارقة والمتخيلة، هكذا نشأتُ في عالم زاخر بالحكاية، فالحكاية هي التسلية الوحيدة التي يشاركنا بها الكبار، في حياة الرُعاة الرُحّل، الذين يجدون في الاستقرار ضعفاً وهواناً وسأماً. وكانت الأمهات والأخوات الكبار هن من يقصصن علينا الحكايات أيضاً.

وقد بقيت عوالم تلك القصص متشبثة بجدران الذاكرة، عبر اللغة المحكية، وبالتالي حفظت الذاكرة الشفوية كماً هائلاً من التراث الشفوي، خاصة وأن اللغة التي تسربت من عوالمها هذه القصص والأساطير هي لغة شفوية غير مكتوبة، وهي «الشحرية» لهجتي الأم.. ولغة الحُلم كذلك. أوجدت «موشكا» وأخرجتها من شرنقة الأسطورة كامرأة، وحكاية تتناسل معها الآلام والعِبر.. والجمال، والحس الأنثوي الباحث عن الخلاص والتطهر والتجديد، وبالتالي حررت رواية «موشكا» من حبس الذاكرة أو رهن النسيان...

الأسطورة والحداثة

الآن وبعد أن أصبحت منشئاً لمبحث أدبي شهير موطنه ومنبعه الشحر في الجنوب ضمن سلطنة عمان، من خلال روايتك، أخبرنا، كيف مزجت تجربتك هذه وأنت بين تراثك العريق وخيالك الحداثي؟

وجدت أن الخرافات والأساطير لم تكن وظيفتها السرد والمتعة فحسب، بل هدفها تشكيل الوعي، الوعي بالعالم ومكوناته. أما الحداثة التي عرفتها لاحقاً من خلال مطالعتي ومشاركتي في عالم ساهمت الحداثة في تطوره ونقله نقلة كبرى في الوعي البشري، فلم تكن بغريبة عليّ، كما أن بعض أوجه الحداثة عرفتها في مجتمعي الرعوي كاحترام المرأة وتقديرها، كونها طرفاً لا يُستغنى عنه في عالم الرعاة..وكذلك الاهتمام بالبيئة والحفاظ على مفرداتها.

اللجوء للأدب

تفكيك الرموز الصورية في الشحر ضمن الرواية بعد مراقبتك لها كمبدع مع مؤثرات غامضة وسرية، لا بد أنها دخلت عوالمك وذائقتك.... احكِ لنا عن رحلتك الانتقالية هذه قبل وأثناء الكتابة للرواية؟

أثناء تخيُل عوالم «موشكا»، كنت بصدد تجميع مادة بحثية لأطروحة الدكتوراه في جامعة تونس حول الحياة الدينية والثقافية في ظفار قبل الإسلام، ولكن سطا الخيال على المادة، حينما فُتحت أمامي عوالم أخرى لم أكن أعيرها اهتماماً أدبياً على الأقل، إذ وجدت نفسي رهيناً للأساطير والطقوس الدينية ومظاهر من مظاهر الحياة الدينية التي سبقت الإسلام في ظفار، وبما أن الأدب هو الوحيد القادر على استيعاب الواقع والخيال معاً، ونسج القصص وخلق العوالم، فقد حصلت على اللجوء الأدبي عبر «موشكا».

مجهول تاريخ الولادة

ما حكاية ولادتك وطفولتك البدائية؟

ولدتُّ في العراء تحت سماء صافية تتلألأ فيها النجوم، وعلى أرض خضيرة، في أوج طقس تقليدي مارسه الإنسانص القديم وهو الرعي، هكذا أبصرت النور مجهول تاريخ الولادة. تقول لي أمي إنني مولود في الربيع، وربيعنا يبدأ في نهاية شهر سبتمبر وينتهي بنهاية شهر ديسمبر، حسب التقويم المعروف في جنوب الجزيرة العربية.

ولذلك أعفيت أهلي من الاحتفال بعيد ميلادي، لكنني أعرف المكان الذي أعلنت فيه احتجاجي الأول عبر الصرخة المدوية، إذ دلتني أمي إلى شجرة القرط، وقالت لي هنا ولدتك. ويقال في ميثولوجيتنا بأن من يُسحب في مكان ولادته، فإنه يصبح شيخاً أو مجنوناً، فرفضت فكرة التجريب، تجنباً لفكرة الإثبات. عشت سنوات طفولتي الأولى متنقلاً بين عدة مناطق جغرافية.. ومن تلك الأمكنة اكتسبت بعض الصفات.

اللغة الشحرية وأخواتها

«الشحرية» تبقى لغة عربية سامية وهي لغتك الأم أو اللغة الجبالية كما هو معروف لديكم، هل تتقن كل لهجاتها الغنية؟ وما مدى استخدامك الحي لها في نصوصك الإبداعية؟

بداية أفترض بأن للعرب لغات سابقة غير اللغة العربية المعروفة حالياً وهي لغة قريش، والتي انتشرت بفضل الإسلام، بينما توجد لغات عربية حية في جنوب الجزيرة العربية مثل الشحرية والمهرية والسُقطرية، وهي لغات شفوية غير مكتوبة، ولكنها تمتلك قواعد وصرفاً ودلالة كاللغات المكتوبة، وهي ليست لغات تواصل فحسب بل تحمل آداباً وأساطير وميثولوجيا، والتدوين كما هو معروف يأتي بعد المرحلة الشفاهية، بمعنى أن الإنسان نَطَقَ ثم كَتَب.

وأنا أتحدث الشحرية كلغة أم وأفهم جميع لهجاتها في الغرب والوسط والشرق باستثناء لهجة كوريا موريا أو جزيرة الحلانيات، فهم ينطقون الألفاظ بسرعة. كذلك أفهم اللغة المهرية.

وبالمناسبة أنا أدرس حالياً اللغات السامية في جامعة هايدلبيرغ بألمانيا، ووجدت بعض المفردات المتشابهة بين اللغة الآرامية والعبرية واللغات السامية الجنوبية العربية (الشحرية والمهرية والسقطرية). ومؤخراً قمت بتسجيل العديد من الأشعار المنطوقة باللغة الشحرية، ووجدت فيها حساً رفيعاً.

المرأة في منطقة الشحر ما الذي يميزها؟ وماذا تقول عنها؟

المرأة في بلاد الشحر حسب التسمية القديمة، أو ظفار حسب المفهوم الحالي، مُبجلة ومُقدرة، وهي بمثابة مكتبة صوتية تمنح الأطفال المتعة والبهجة، وإدخالهم في عوالم الحكاية. إضافة إلى ذلك، فقد ساهمت في الحياة الثقافية عبر إتقان شعر الدبرارت والنانا.

طقوس

تتحدث مع أطفالك بالشحرية وهم يتحدثون مع أقرانهم في المدرسة بالعربية، ومع والدتهم وجدتهم الكندية باللغة الإنجليزية، هذا التنوع الذي تعيشه لغوياً وثقافياً في أجواء أسرية، فهل هم السبب في قطفك لنثرياتك؟ وكيف هي طقوسك الإبداعية في البيت؟

الحديث مع أطفالي بلهجتي الأم الشحرية هي محاولة للحفاظ على اللغة الشحرية- المهددة بالانقراض - كلغة تواصل بيني وبينهم، أدرك أنهم لن يتمكنوا من إتقانها كما أتقنتها نظراً للظروف الموضوعية، ولكن على الأقل تكون لغة تواصل بينهم وبين محيطهم العائلي والاجتماعي. أما طقوس الكتابة فلا وجود لها لدي، فقط حينما تكتمل أحداث الرواية في ذهني..أقوم بتأثيث النص.

سيرة ذاتية

Ⅶ محمد بن مستهيل بن سعيد الشحري.

Ⅶ مواليد ظفار 1979م.

Ⅶ بكالوريوس دراسات بيئية، وماجستير في العلوم الثقافية، وطالب دكتوراه في ألمانيا.

Ⅶ عضو الجمعية العمانية للفنون التشكيلية (تصوير ضوئي).

Ⅶ نال جوائز تقديرية عديدة في القصة القصيرة والتصوير الضوئي.

Ⅶ صدر له: مجموعة قصصية «بذور البوار»، رواية «موشكا» دار سؤال بيروت 2014.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات