مثّلت الإمارات في «بينالي» البندقية

نجوم الغانم: شغوفة بتقديم القصص النسائية الاستثنائية

لم تضع نفسها في أي قالب فني، ولكن وجدت نفسها تكتب وترسم وتحمل الكاميرا لتتشكل شخصيتها، وتجمع بين عدّة فنون، كالشعر والفنون التشكيلية والإخراج السينمائي، إضافةً إلى العمل في المجال الصحافي، لتتخصص في التركيز على الأعمال الفنية والفنانين، وتكتب عنهم وتوثّق جزءاً من الحركة التشكيلية الإماراتية، وقد ساعد وجودها بين عائلة فنية، على تعزيز مَلَكة الفن، لتجد نفسها مهتمة بالشعر، وبما يطرح من أعمال تشكيلية على الساحة الفنية، وبدراسة السينما أكاديمياً.

«البيان» التقت نجوم الغانم، في حوار للحديث عن مزجها الجميل بين عدّة فنون، وتجربتها الفنية التي وثقت فيها التاريخ والتراث الإماراتي، وقد اختيرت مؤخراً لتمثيل جناح دولة الإمارات في «بينالي» البندقية، وحصلت كذلك على ميدالية فخر الإمارات، من خلال جائزة محمد بن راشد للتميز، لدورها المتميز في إبراز الثقافة الإماراتية عن طريق أعمالها الفنية والسينمائية.

مخرجة ومنتجة

حدثينا عن بداياتك ومسيرتك الفنية، وما نوع الفن الذي بدأت به نجوم الغانم؟

بداياتي كانت مع الشعر والصحافة والفنون التشكيلية، ولكن ظلّ التشكيل خياراً شخصياً جداً، وكعالم أذهب إليه، حين لا يكون بمقدوري فعل أي شيء آخر، ثم جاء التخصص السينمائي كخيار أكاديمي ومهني، عندما ذهبت للجامعة، وعملت في ما بعد مخرجة ومنتجة أفلام سينمائية.

لقد جربت الكثير من الوظائف، والكثير من الأشكال الفنية، ولهذا، فإن الأشكال حاضرة في عملي حتى يومنا هذا. استفدت من كل شيء تعلمته، وأشكر الظروف أنني كنتُ دائماً محاطة بأجمل الفنانين والمثقفين والشعراء، حتى ضمن عائلتي.

كيف أثر وجودك بين عائلة فنية، وبالتالي كيف انعكس على أعمالك الفنية؟

أعتقد أن وجود أشخاص ينتمون إلى عالم الفنون ضمن العائلة الواحدة، يساعد كثيراً على التعلم بشكل مبكر، وأيضاً على قطع الأشواط والوصول إلى النضج واستيعاب الخلفيات الثقافية. في حالتي، شعرتُ أنني دائماً في تحدٍ لإرضاء الأهل أولاً، وإقناعهم بإمكاناتي، وفي هذا الكثير من الضغط النفسي. ولكن عليّ أن أعترف أن هذا ما جعلني أحرص على القراءة والتجريب وتعليم الذات بشكل مستمر.

قالب فني

كيف استطعت أن تضعي نفسك في أكثر من قالب فني، وما الذي يجمع بين هذه القوالب الفنية؟

الأشكال الفنية تختلف في لغاتها، ولكنها تنتمي كلها إلى الثقافة. أنا لم أضع نجوم في أي قالب، لكن وجدتُ نفسي أكتب وأعمل وأرسم وأحمل الكاميرا. وربما الحاجة لتوظيف بعض تلك الأشكال في عمل فني أو سينمائي، ما جعلني أجرب استخدامها أو التعامل معها في سياقات مختلفة.

حدثيني عن تجربتك الفنية، ومرحلة وصولك إلى «النضوج في التجربة»؟

أعتقد أن الفضول المعرفي، بالإضافة إلى التجريب المتواصل، سواء مع اللغة أو المواد أو الصور السينمائية، يُسهم كله في تطوير المهارات وصقلها، حتى يتمكن المرء من الوصول إلى أسلوبه أو تكنيكه الذاتي. هذه المحاولات، كما كان يقول الصديق الراحل الفنان حسن شريف، تُشبه العمل الكيميائي، حيث عليك أن تتقن خلط المواد وتحترف إعادة تشكيلها. عليكَ أن تجرب دائماً، وفي نفس الوقت أن تبحث وتقرأ وتبحث وتجرب، إلى أن تصل إلى مكان ما. قد يكون هذا المكان هو المساحة التي يشعر فيها الإنسان بأنه وصل إلى مرحلة النضج.

أما في ما يخص السؤال المتعلق بموضوع الناتج الثقافي، فأظن أن دور الفنان هو الاجتهاد والاستمرار في العمل، وكذلك التعامل بجدية مع المشروع الشخصي. وإذا استطاع أن يحقق منجزاً ثقافياً، يكون قد نجح في ترك إضافة هامة للإنسانية. العمل في رأيي يكون أكثر تأثيراً وثراءً، حين يكون مبنياً على البحث المتعمق من جهة، وعلى موضوع يرتبط بالأسئلة التي تنتمي إلى المعارف الكبرى، كالفلسفة والأدب والعلوم والميثولوجيا وعلم الجمال وغيرها.

فخر الإمارات

حصلت مؤخراً على ميدالية فخر الإمارات، من خلال جائزة محمد بن راشد للتميز، ماذا تمثل لك هذه الجائزة؟

إنه شرف كبير، أن أحصل على هذا التكريم. لقد شعرت بأن بلادي منحتني وساماً كبيراً، وأن العطاء لا حدود له. وهناك مسؤولية ملقاة على عاتقنا، وهي الاستمرار في الإنتاج ومواصلة الرحلة.

ما أهمية الشعر بالنسبة لنجوم الغانم؟

كان هو الأساس لرؤية العالم من منظور آخر، وظل هو اللغة القادرة على صياغة ما تعجز عنه الأشكال الأخرى.

تراث سينمائي

ما التراث السينمائي، وكيف نصنعه؟

هذا سؤال معقد، نحتاج لمجلدات لكي نجيب عنه. ولكن أستطيع القول إن الذين ساهموا في صنع هذا التراث، كانوا رواداً ومبدعين وخلاّقين، ولهذا حُفرت أسماؤهم في تاريخ السينما، وخاصة المخرجين المؤلفين. يصنع التراث إضافة استثنائية للإنسان المبدع في أي مجال من المجالات، وبعدها يُعتبر تراثاً إنسانياً. التراث السينمائي هو تراث إنساني راقٍ، شأنه شأن الموسيقى والأشكال الثقافية الجادة.

اختزال

من خلال أفلامك السينمائية، تختزلين سيرة ذاتية كاملة في زمن محدود، كيف تستطيعين ذلك؟

هناك ما يُسمى بالزمن الروائي، الذي يختزل الأزمنة الواقعية، أو يقدر على تكثيفها. هذا الأمر يتعلق بالمعالجة الفنية والسردية لكل فيلم، وهو كما أشرت سابقاً، عبارة عن أسلوب أو تكنيك.

«بينالي» البندقية

كيف تنظرين إلى المستقبل الثقافي في الإمارات، في ظل التوجهات الفكرية والثقافية والفرص وسط هذه الفنون المتنوعة؟

ما يُقدم للفن وللفنانين وللثقافة بشكل عام في دولة الإمارات اليوم، هو أكبر مما يمكن وصفه «بالفرص». الأنشطة والمتاحف والمعارض والبيناليات والندوات والمطبوعات والمسابقات، واستضافة الفنانين والكتاب العالميين، كلها تعمل على رفد الحياة الثقافية والفنية بمحتوى خاص واستثنائي. ولهذا أظن أن من يستطيع الاستفادة من كل هذه الأنشطة، سيتمكن من تقديم نتاج مختلف من ناحية، وسيتمكن من تنمية معارفه وتطوير أدواته في وقت قياسي، وبشكل عميق من ناحية أخرى.

نقد محايد

ما الذي ينقص الساحة الفنية لتكون أفضل؟

ينقصها النقد المؤسَّس والجاد والمحايد، لأن المجاملة في الفنون والثقافة، من شأنها أن تترك تأثيراً عكسياً.

أخيراً، حدثينا عن اختيارك للمشاركة في بينالي البندقية، وماذا تعدين لبينالي البندقية القادم؟

إنني متحمّسة للغاية، ويشرفني أن أمثل دولة الإمارات العربية المتحدة في بينالي البندقية، وخاصة بالتعاون مع القيّمين الفنيين سام بردويل وتيل فلرات، وفريق الجناح الوطني بكامله.

كامرأة، يمتلكني شغف تسليط الضوء على القصص النسائية الاستثنائية، التي تستحق السرد، داخل مجتمعنا والعالم العربي ككل.

لقد ساهمت الأشكال والمواضيع الإبداعية التي أقوم بمعالجتها في ممارساتي الفنية، في رسم ملامح تجربتي الشخصية، وخاصةً في سياق مجتمع ماضٍ بخطوات متسارعة نحو التغيير. ولطالما كانت قضيتي التي أواصل التركيز عليها، وهي إيجاد حلول لتقريب وجهات النظر بين التقاليد والتوجهات العصرية، وهو ما انعكس عليّ، وبقوّة، كفنانة، ويتضح ذلك جلياً في أعمالي المكتوبة والسينمائية، التي ستعرض على المسرح العالمي هذه السنة في البندقية.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات