الشاعر والتشكيلي الأردني محمد العامري لـ«البيان »:

تمازج النَّصين البصري والشعري أزليّ

ما بين سحر الكلمة وتجليات اللون، تراوحت تجربة الشاعر والفنان التشكيلي الأردني محمد العامري، الذي جمع بحرفية بين الرسم والشعر، من منطلق قناعته بصعوبة الفصل بينهما، كما عمل على عدد من المشاريع التي تجمع بين الشعر والرسم منها «جاز صحراوي» مع الشاعر أمجد ناصر، و«أثر الفراشة» مع الشاعر محمود درويش.

وما بين هذا الزخم الإبداعي خصص العامري مساحة للكتابة النقدية، وللحضور الأدبي من خلال حضوره في المؤتمر العام للاتحاد العام للأدباء والكُتاب العرب، الذي عُقد أخيراً في أبوظبي، حيث اطلع على ما تشهده الإمارة من حراك ثقافي وفني، شكل إضافة لمشاهداته الأخرى التي بنت ذاكرته عن الإمارات التي تولي اهتماماً كبيراً بالعملية الإبداعية، ما جعلها ملاذاً للمبدعين والمشتغلين بالشأن الثقافي والفني، عن هذا قال العامري في حديثه لـ«البيان»: «أتاح متحف الشارقة ومتحف اللوفر أبوظبي للزائر أن يشاهد أعمالاً عالمية، وهذا يسهم في بناء ثقافة بصرية مهمة لدى الأجيال القادمة».

كما تحدث العامري عن تجربته التشكيلية، ومشاريعه المستقبلية، من خلال الحوار التالي:

حوار وتسامح

كنت واحداً من أعضاء الوفد الأردني المشارك في المؤتمر الـ27 للاتحاد العام للأدباء والكُتاب العرب، الذي عقد أخيراً في أبوظبي، فما أهمية هذا المؤتمر؟

يشكل اتحاد الكُتاب العرب مؤسسة ناجزة تسهم في تنشيط دور الهيئات الثقافية العربية في المجتمع المدني وإشاعة ثقافة الحوار والتسامح بين فئات المجتمع الواحد، وكانت مشاركتي لكوني مسؤولاً للعلاقات الخارجية في رابطة الكُتاب الأردنيين، وأتاحت لي المشاركة تحسّس المشكلات التي تعاني منها الهيئات الثقافية العربية من نقص بالوارد ما أعاق مهامها الثقافية والاجتماعية والجمالية وصولاً للتوعوية، ووجدت أن الإمارات تتحمل عبئاً كبيراً من خلال استضافتها لاتحاد الكُتاب العرب في ظرف تاريخي دقيق من حياة الأمة، وأعتقد أن مهمات المثقف بهذه المرحلة مضاعفة أمام التنافس العالمي، وحملات محو الهُوية بكل ما فيها من ذاكرة قريبة وبعيدة، وأذكر الكلمة المهمة التي ألقاها معالي الشيخ نهيان بن مبارك آل نهيان، وزير التسامح، التي تدور حول أهمية الحوار والتسامح، وهذا الأمر يقودنا لطبيعة استيعاب الآخر عبر التثاقف والاستفادة من التنوع الكوني في العالم لنفيد منه بما يتوافق مع متطلبات تقاليدنا.

بين الشعر واللون

متى تشعر بأن اللوحة لا تكفي وتتجه لكتابة الشعر، وما الذي تقوله الكلمات ولا تقوله الألوان؟

التمازج العضوي بين النص البصري والشعري هو من قديم الأزل، ولم يكن هناك فصل بائن بينهما، فالكلمات التي تشكّل القصيدة عبر منظومة الجملة الشعرية وشكلها على الورقة هي أيقونة من المصفوفات الحروفية المركبة بعلاماتها وترقيمها، وهناك تجارب كثيرة لم ترَ ضرورة للتعامل معهما بوصفهما منفصلين، لكننا نتورّط في الكثير من الأحيان بوصف الأشياء عبر مرجعيات سابقة، علماً بأن شكل القصيدة العمودية ما قبل الإسلام يقوم على التماثل الدقيق بطبيعة الإيقاع والتقطيع، وهي أقرب للتماثل في الفنون الإسلامية التطبيقية والزخارف التكرارية.

ورغم قِدم عبارة سيمونيدس (465 ق.م) «الشعر رسم ناطق، والرسم شعر صامت»، فهي دلالة واضحة المعالم على العلاقة العضوية والجوهرية بين النص البصري والشعري، وأسهمت التقنيات الجديدة في الرسم والطباعة لتمازج الطرفين، عبر معززات الصورة المرسومة والصورة الشعرية المتوالدة بالتأويل والخيال.

فالفن التشكيلي جهة تتوازى مع الفعل النصي بمجمل التأثيرات الصوتية والظلال والنور، فهناك علاقة تناصية بين منبعين من بئر واحدة، ويحملان صفات الماء وإيقاعه.

ويجب التعامل مع النص الشعري كأيقونة نصية تتناغم مع جسد الفعل المرسوم وسيرورته، حيث تصبح الأيقونة الشعرية نتيجة بصرية للرسم عبر صورة الجملة المتواجدة في النص الشعري.

ففي مقولة الجاحظ الشهيرة من كتابه «الحيوان»: «فإنما الشعر صناعةٌ، وجنسٌ من التصوير».

أما بيكاسو فكان يعد نفسه رساماً وشاعراً بقوله: «بعد كل شيء، والفنون كلها واحدة، يمكن أن نكتب لوحة بالكلمات كما يمكن أن نرسم المشاعر في قصيدة».

وأرى أن الشعر والرسم يدخلان في مناحٍ متنوعة وعديدة، فهناك ما يُسمى شعرية السرد وشعرية السينما وشعرية التصوير.. إلخ.

وأنا لا أهتم كثيراً بتلك العلاقة كوني أدرك أنها محسومة بخضم التنزيل الإبداعي، فهي لحظات خاطفة تقودني لفعل الرسم أو الكتابة، وأرى تداخلاً ذهنياً فيما بين المناخين، لكنني أدركت أن القصيدة تحتاج لليل وعتمة، والرسم يحتاج للضوء.

اتجهت بين عدة مدارس ووصلت إلى التجريد، فمتى يحق للفنان أن يتجه إلى التجريد؟

الفن بالنسبة لي حالة يومية أعيشها بصورة صادقة، سواءً أكانت بالقصيدة أو باللوحة، والهمُّ الجمالي هو ما يعينني على تفتيت الألم والذهاب لمناطق الحياة المضيئة، أما بالنسبة للتجريد فهو مرحلة متقدمة من تجربتي الفنية التي حازت اعترافاً عالمياً في المتاحف والمزادات الفنية الدولية، فهو خلاصة دراستي لجماليات المكان في الأغوار الشمالية، فالتجريد موجود في الطبيعة ومن صلبها لكنه يحتاج لعين نظيفة، فعندما ذهبت على سبيل المثال إلى محمية «المرموم» في دبي رأيت كل الأشكال الجمالية المجردة للرمل وطبيعة الموسيقى الصوفية التي يبثها في الروح، فالمسألة لا علاقة لها بالشكل الفني، إنما بالأداء العالي سواء كان تجريداً أو واقعاً.

«أثر الفراشة»

رسمت من وحي ديوان «أثر الفراشة» للشاعر الراحل محمود درويش، وعرضت إنتاجك حول هذا الديوان قبل سنوات في دبي، فكيف استطعت تحويل الشعر إلى ألوان والفكرة إلى واقع؟

كنت في تلك اللحظة مشغولاً برسمٍ من فضاءات كتاب «أثر الفراشة» للشاعر محمود درويش، فعلى مدار أكثر من 5 أشهر وأنا أحاور هذا الكتاب الذي شغلني بجماليات اللغة والتصوير الشفيف لدى الصديق درويش، فهاتفته في لحظة انغماري بعمل فني ساد فيه اللون الأبيض، وتجلياته الشفافة وتبادلنا حديثاً ناعماً وحنوناً فيه من الحزن العميق والحشرجة المخنوقة، وأخبرته لكسر ذلك المزاج عن مشروعي برسم «أثر الفراشة» وقال: «عظيم يا محمد، متى ستعرض تلك الأعمال؟»، قلت: «في عام 2009 في شهر فبراير»، فرد قائلاً: «بعيد!».

وانتهت المكالمة بعد ذلك بقليل أخبرت أخي الفنان جهاد بأن محمود درويش راحل، واندهش أخي من سوداويتي في هذا الحدس.

وواصلت بحزن إكمال العمل كما لو أنني لن أرى درويش مرة أخرى، فكان الأبيض الشفاف ينتشر على سطح الورقة كما لو أنه شاشة طاهرة أقرب للرحيل بل أقرب لموت ما، ولكنه ذلك اللون فرحاً كأن رحيل الأبيض لا يحتمل سوى الخفة والرشاقة.

الأثر الذي انتشر على جسد الورقة لم يغادرني، تلك النقطة التي تكاثرت في لحظات كانت تشبه رشقة ماء على تراب ناشف، نقاط متتالية تتبادل مواقعها في اللوحة وتأخذ ألواناً تشبه بقعاً على أجنحة فراشة برية.

لمعانٌ تشكّل من طيرانها المرتبك في حقل مهجور، فالفراشة تذهب وتؤوب للحظات ثم تغادر وتؤوب كما لذة في حين انتهائها نريدها مرات ومرات.

هكذا كان «أثر الفراشة»، فالأصفر نصّ في أثر الفراشة، كان ليمونياً يذهب بي إلى ذهب نادرٍ بجوار الأخضر الجنزاري وخجل الأحمر الوردي الذي بدأ في نقطة مضيئة في غابة الأصفر الليموني، ذلك الأصفر في الكتابة الذي يقودك إلى دلالات أبعد من فكرة اللغة، يضعك في حلم من الصور الطيفية، صور لا يمكن القبض عليها لكنك تستطيع أن تراها واضحة تماماً كما فوتوغراف من هواء وماء ينسرب من بين أصابع الذاكرة ليواجهك في جهة القلب.

تماماً كما قال درويش عن عباد شمسه: «فما بين الليموني وعباد الشمس مسافة من الحرية والعبودية»، مسافة بين اليد الممسكة بالريشة وبين بياض الورقة، البياض المصفر، الواضح في غموضه والمتمكّن منك في قماط الطفولة وبياض الكفن، كأن المسافة بين القماط والكفن تشبه المسافة بين انحناءة عباد الشمس حين يغادرها الضوء وبين نهوضه في تسلل الضوء إليه، يعني أننا في قصر العمر الذي تطول به آنية الإقامة، بين ليل ونهار.

في هذه التجربة تمسّكت بشكل غير اعتيادي بالماء، ودفقه على الورقة وسطح القماشة، حيث رحت أراقب انتشارات الماء ومعادلاتها الغريبة بين كثافة اللون ورشاقة الماء، ذكرني ذلك بزمن كنا نصب الحليب في كأس الشاي، تلك الإيقاعات عادت ثانية.

إنها حقيقة ما تتمثل في لحظة العشق، ثم تغادر فمن شدة الوحشة تغيّم عليك الأشياء، وكنت أشعر بارتباك الراحل إلى عوالم لا أدركها، هي مسافة بين التذكر والنسيان، بين الشهقة والبكاء، بين ضياع الشكل وحضوره، بين الفوز والإحباط بين الظل والضوء، مسافة لا يمكن القبض عليها بعبقرية السؤال الكبير.

أزمان مركبة

يرافق إنتاجك الفني الأفكار المختلفة منها، الأعمال التي تتحدى بها الإرهاب، إلى أي مدى يمكن للفن أن يبعث برسائله إلى العالم؟

لم تخلُ الحالة الإنسانية من عنف عبر التاريخ، أو إرهاب فكري وجسدي، إنه التهديد المباشر لوجود الإنسان وكينونته، فمعظم الذين يطالبون بالاختلاف على شتى أنواعه يتعرضون لإرهاب مركب ومتنوع.

نعيش اليوم في أزمان مركبة اختلطت فيها العصور، فهناك سلوكيات تنتمي لعصور غابرة بجانب رفاهية التكنولوجيا، كما لو أننا أمام أرجوحة تاريخية تذهب بنا إلى الوراء ثم تلقي بنا لآخر ما توصل إليه العلم، سريالية الإنسان المعاصر الذي يمكث في صندوقه الإلكتروني، ليشتبك مع عوالم صادمة شكّلت وعيه الإنساني الجديد.

وفي هذا الجو أخذ التاريخ سياقاته ليكشف عن مكنونات عالم الإبداع الذي ينبذ الحرب والإرهاب بشتى أنواعه، رغم وجود بعض الفنانين الذين تحمسوا لها، على اعتبار أن الحروب تطهر الأمكنة من النفاق، والذي حدث العكس تماماً، حيث يؤثث المنتصر دولة للنفاق والسلطة المطلقة، فقد أعلن أندريه بريتون الذي يشكّل «الرأس المفكر» للسريالية عن نبذه للحروب واحتقاره للحماس السخيف لها.

إضاءة

Ⅶ شغل محمد العامري منصب رئيس رابطة الفنانين التشكيليين الأردنيين عام 2002، وعضو الهيئة الإدارية في رابطة الكُتاب الأردنيين، وهو الآن رئيس لمؤسسة «عرزال» الثقافية، وقد عمل مديراً لتحرير أكثر من مجلة ثقافية منها «الفنون» و«التشكيلي العربي».

Ⅶ أهلته تجربته الفنية للحصول على مجموعة من الجوائز، منها جائزة «بينالي الكويت» لدورتين، وجائزة أفضل عمل فني من كلية الفنون والآداب جامعة «فيلادلفيا»، والجائزة الأولى في المعرض السنوي لمهرجان جرش وجائزة «لوركا» من معهد «ثيرفانتس».

Ⅶ أصدر عدداً من المجموعات الشعرية منها «معراج القلق»، و«خسارات الكائن»، التي حازت جائزة أفضل ديوان شعر عربي.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات