التشكيلي والكاتب السوري إسماعيل الرفاعي لـ «البيان»: شاغلي الأهمّ تقديم صيغة بصرية متفرّدة

بين الميادين، مسقط رأسه في شرق سوريا، والشارقة مكان إقامته منذ سنوات طويلة، ظل الفنان التشكيلي والكاتب إسماعيل الرفاعي، في حنين لا ينضب إلى مرابع الطفولة الأولى، ولم تنقطع صلته الوجدانية للحظة مع المراحل التي تلت هناك أو هنا في حالاتها كافة، وهذا ما تجلى في تجربته الإبداعية الغنية في التشكيل، وفي الكتابة شعراً ورواية ونصوصاً سردية مفتوحة.

ينحاز الرفاعي في مشروعه الإبداعي إلى عالم الإنسان الداخلي، بوصفه المكان الأوّلي لانبثاق الأشكال المتجددة، وهذا ما يتجلى في معرضه «إبداءات صامتة»، الذي يحتضنه غاليري «ورد» بحي دبي للتصميم، حتى 15 يناير المقبل، ويتضمن 22 عملاً فنياً، تعكس تجربته الفنية واشتغالاته البصرية على الثيمات والموضوعات الإنسانية والجمالية.

ولعلّ هذه الأعمال التي يتضمنها المعرض، تحاول عبر تقاربها وتكاملها، سبر واكتناه الذات الإنسانية في تعبيراتها وتجلياتها المختلفة. فمن الوجوه التي تنظر داخل نفسها، إلى حالات الاحتواء والحب، التي تبدو على وشك الافتراق. ومن العيون المترقبة والثنائيات الصامتة، إلى الجداريات التي تحيلنا إلى الشعائر الطقوسية، تتشكل ثيمة هذا المعرض ودلالاته.

في مستهل الحوار مع الفنان إسماعيل الرفاعي، سألناه من الذي يطغى على الآخر في ذاته، التشكيلي أم الكاتب، وكيف يرى إلى هويته الإبداعية، فبادرنا قائلاً:

- لا أعتقد أنه بإمكاني تحديد هويّتي، أو أعرّف وجودي في هذه الرحلة التي نعيشها على الأرض، انطلاقاً مما أقوم به أو ما أمارسه، سواء كان فناً أو كتابة. إنها بعض التعبيرات عمّا تفيض الروح ليس إلا.

وأعتقد أنّ أي تحديد أو تعيين لهذا الوجود، هو بطريقة ما، هو ابتسار للذات التي ينبغي أن تتنامى وتكتشف نفسها يوماً إثر يوم، عبر الإنصات إلى خفقة القلب، وتجاوز الصورة التي نعرفها عن أنفسنا، وابتكار ذواتنا كل يوم، وبالصورة الأمثل التي ينبغي أن نكون عليها.



دلالات التسمية

* «إبداءات صامتة» عنوان اخترته لمعرضك الحالي، ماذا تريد أن تقول عبر هذه المفارقة اللغوية، وهل للصمت لديك معنى آخر؟

- ربما يكون العنوان «إبداءات صامتة» أو «مكاشفات صامتة»، هو إشارة لما ينطوي عليه المعرض من المقاربات البصرية، التي حاولت عبرها أن أتلمّس بعض ما يمور بعالمي الداخلي من تداعيات وأحاسيس وهواجس، أتنفسها وأعيشها بالأصقاع الدفينة في نفسي، ولعلّ أغلب الأعمال المعروضة لها علاقة بالصمت بطريقة أو أخرى، كما أن لغة الحوارات الصامتة هي التي تجمع بين شخوص لوحاتي، وهي بالتأكيد لغة الروح التي تفترق عن الإبلاغ والتبليغ، وتنزاح إلى الاتحاد في جوهر التجربة ذاتها.

* للحزن في لوحاتك مساحة كبيرة، إلى ماذا ترد ذلك، وإلى أي مدى تحضر ذاتك في المشاهد المتلاحقة ضمن العمل الفني؟

- يمكن أن نستشعر ما يشبه الحزن في هذه اللوحات، لكن باعتقادي أنه نوع من الحزن الذي يجعلنا نتأمل ذواتنا عبر تناول الأشكال والمشاعر الأكثر حميمية التي نفتقدها في حياتنا.

وهذا الحزن أو حالات الحنين والفقد التي نراها هنا وهناك. لا بدّ أن تكون بالضرورة بعضاً مما تنضح به التجربة الشخصية، أو المكابدة التي يعيشها الفنان، وهو يحاول أن يوغل في عالمه الداخلي، بوصفه كائناً يتفاعل عميقاً مع التجربة الإنسانية برمّتها.

المرأة والأبيض والأسود

* صراع الأبيض والأسود لا تنتهي تجلياته في لوحاتك، هل لذلك دلالات أخرى غير معلنة؟

- لا أعتقد أن ثمة صراع في تجاور أو تقارب هذين اللونين، بل يمكن أن يشكلا معاً حالة من التناغم والتكامل في نسيج اللوحة. خصوصاً أنني لم أختر مطلقاً وجودهما في أغلب نتاجي في المرحلة الأخيرة، فقد حدث أن انحسرت الألوان تدريجياً من لوحاتي بعد عام 2011، وأنا أشهد كيف تحوّلت بلدي سوريا إلى ساحة للموت اليومي، ومقتلة مستمرة، حتى يومنا هذا.

من هنا، ربما نستطيع قراءة الدلالات الأولى لاجتياح الأبيض والأسود كامل لوحاتي. وربما لأن في هذا التقشف اللوني وتدرجات الرمادي، القدرة على ملامسة جوهر الحالة التي نعيشها في هذا العصر الدامي، من دون أي انشغالات أخرى لها علاقة باللون، أو بالجماليات التي تثيرها الألوان الأخرى.

لكنني، ومن زاوية أخرى، لا أجد بالضرورة أن تعبر الألوان الرمادية عن مأساة ما، أو فجيعة ما. بقدر ما تكون أقرب إلى الحالة البكر، التي يريد الفنان أن يتناولها في أعماله. سواء كانت تلك الأعمال عن الحب أو الفرح أو الفقد، أو غير ذلك.

* الملاحظ في أعمالك، حضور مكثف للمرأة، في حالات مختلفة، فهل في الأمر سر ما؟

- أعتقد أن الأمر غايةً في البساطة والوضوح، فالمرأة هي أصل الكون وصورته الأولى، وربما تتناسل عبرها الأشكال. من هنا، نجد أن أغلب الفنانين، وأنا أحدهم، قد اتخذ من رسم المرأة سبيلاً لمقاربة هذه الحياة، بكل مكوناتها وتعبيراتها.

ولا شك أن جسد المرأة لما ينطوي عليه من قيمة جمالية شكل حافزاً لمقاربته بصياغات جمالية وبصرية، تستطيع أن تعبّر عن مكنونات الفنان وعن مزاجه الإبداعي، وبالتأكيد، عن حالته العاطفية وإبداءاتها المختلفة.



فرادة بصرية

* تحاول من خلال كل معرض، أن تتناول مواضيع لها بُعد وعُمق ما، هل تشكل هذه المعارض امتداداً لبعضها البعض، أم أن لكلّ منها سياقاته الجمالية أو التعبيرية، أو حكايته الخاصة؟

- ربما يكون المعرض هو دعوة من الفنان للإعلان عن اكتمال تجربة ما، أو اقتراح نصّ بصريّ يريد اختباره خارج مشغله الفني. غير أنني، وعلى المستوى الشخصي، لم أسرف كثيراً في المعارض الفردية، إن لم تكن تنطوي على الإضافة في كلا الجانبين.

ودائماً كان شاغلي الأهم، هو تقديم صيغة بصرية متفردة، تحاكي الحالات الأكثر رهافة وإلحاحاً على المستوى الشخصي، من معرض «أمي»، الذي كان بمثابة رثاء لغيابها المفجع، وأنا في غياهب الغربة، إلى معرض «تلاوات في محاريبها»، الذي جاء كإعادة اعتبار للحياة، واستعادة لخفقة القلب إزاء دمعة الرحيل، ومعرض «تلاوات في محاريبها»، الذي جاء نتاجاً لاشتغالي الفني على تقديم صيغة بصرية جديدة لانشغالات الروح في مسالك العشق.

من ثم معرض «أساطير يومية»، الذي كان استجابة أو شهادة باللونين الأبيض والأسود على تداعي البشر والحجر، وعلى نهر الدم الجاري على امتداد البلاد... وإلى آخره من المعارض التي تتوسل صيغة جمالية فارقة في خضم هذا الغثاء اليومي.

رسم وكتابة

* أرى أنّك تتلمس عبر لوحاتك ونصوصك البصرية، إمكانات متعددة وجديدة للتعبير عن عالمك الداخلي، وعمّا تعيش في غضونه في الوقت نفسه، ماذا عن كتاباتك ونصوصك السردية؟

- أعتقد أنّ حال الرسم هو ذاته حال الكتابة، فأنا لم أتحيّز لأحدهما مطلقاً، ولم أفضّل أحدهما على الآخر، ولم أختر لمرة واحدة بشكل مسبق ما ينبغي أن أتناوله في هذا أو ذاك. وربما أستطيع القول إنهما متكاملان تماماً. قد يحدث أحياناً أن أعوّض بالكتابة ما عجزت عنه في الرسم، أو أعوّض بالرسم ما عجزت عنه بالكتابة. لكن حقيقة الأمر، أن لكل منهما سبيله ونكهته الخاصة.

ومؤخراً، استطعت أن أمزج بينهما في مشروع واحد أسفر عن ثلاث مخطوطات، هي: «الطفل عند منعطف النهر»، و«دفتر الرسام»، و«الدائرة المغلقة»، وهذا المشروع عبارة عن مزج بين البصري والسردي في تلك المخطوطات، حيث عمدتُ إلى تدوين كتبي بخط يدي، مستخدماً الأحبار الطبيعية وريشة المعدن.

واستطعت إنجاز رسومات تتماهى وروح النصوص في هذه الدفاتر، وذلك في محاولة لإشباع تلك الحالات الفارقة التي أعيشها، أو تلك التي أحلم أن أعيشها، سواء في حياتي اليومية أو الإبداعية. ولا أخفي على أحد أنني وجدت متعة فائقة في هذا المشروع، الذي أشبع كلا النازعين الإبداعيين الذين كانا يتناوبان في داخلي منذ زمن طويل.

* ما الذي تُضمره في جعبتك من مشاريع مقبلة؟

- بصراحة، على مستوى اللوحات، يتقاسمني أكثر من توقٍ ورغبة في استكمال أو سبر بعض الموضوعات التي عملت عليها من قبل. فعلى سبيل المثال، لدي رغبة كبيرة في استكمال مشروع اللوحات التي أنجزتها حول السيد المسيح، وتعبيراته الرمزية التي ترسّخت في الخيال البشري، والتي حاولت أن أقاربها بطريقة مختلفة عبر أكثر من 20 عملاً، عملت في غضونها على مزج اليومي بالمطلق، والأرضي بالكوني. أو بعبارة أخرى، توسلت عبر صورة المخلّص الروحاني، إبراز مكابداته الدنيوية.

ومشروع آخر له علاقة بإفراد حيّز أكبر للوحات «البورتريه»، ليس بوصفها صورة كائنات تنطوي على ملامح أو تقاسيم محددة، إنّما بوصفها صورة أرواح في أرقّ تجلياتها، وأقسى مكابداتها.



مشهد إماراتي غنيّ

* ختاماً، هل لك أن تخبرنا عن رؤيتك لطبيعة وخصوصية الواقع الثقافي الراهن، الذي تحفل به دولة الإمارات؟

- أولاً، أنا مدين على المستوى الشخصي لدولة الإمارات، ولإمارة الشارقة بوجه خاص، على بلورة مشروعي الفني. فهنا وجدت الدعم الكبير والوقت الكافي للاشتغال على تطوير وتنمية مشروعي.

فمنذ وصولي للإمارات عام 2002 وحتى الآن، كنت محظوظاً بالحصول على مرسم مجاني من قبل حكومة الشارقة، الأمر الذي لا يحدث في بلد عربي آخر، ومن جهة أخرى، كنت محظوظاً أيضاً بالعمل في إحدى أهم المؤسسات الفنية والثقافية في الشرق الأوسط، ألا وهي مؤسسة الشارقة للفنون، والتي كان لها الدور الأبرز في المنطقة، على دعم ورعاية وتقديم أهم التجارب الفنية والإبداعية على المستوى المحلي والإقليمي والدولي.

وثانياً، فإن الواقع الثّقافي التي تزخر به دولة الإمارات، يمثّل برأيي حالة فارقة وقادرة على استقطاب أهم الطاقات الإبداعية والفنية، على الصعيدين العربي والعالمي.

فناهيك عن مشروع الشارقة الثقافي، الذي أصبح ركناً أساسياً في صياغة الخطاب الثقافي الراهن، بكل برامجها ومؤسساتها ومبادراتها الريادية، فهناك أيضاً تجد منظومة من المرافق والمؤسسات الثقافية والغاليريهات في دبي، والتي وضعت نصب عينيها، أهمية الاستثمار في الجانب الثقافي، ومواكبة النمو الاقتصادي والتنموي على مستوى الدولة.

والأمر عينه أيضاً في العاصمة أبوظبي، التي تشهد مشاريعها الثقافية على توجهاتها ومساعيها في تفعيل الحراك الثقافي، سواء كان ذلك في متحف اللوفر أبوظبي، أو إعادة إحياء المجمع الثقافي، أو مشاريع جزيرة السعديات الثقافية، أو في «آرت أبوظبي»، أو غيرها من المبادرات الفنية الجادة.

نبذة

إسماعيل الرفاعي، فنان تشكيلي وكاتب سوري، مقيم في الشارقة بدولة الإمارات، أقام العديد من المعارض الفردية والجماعية على المستوى المحلي والدولي، كما عرضت أعماله في العديد من التظاهرات الدولية والبيناليهات والمزادات العالمية، وتمثل جزءاً من مقتنيات العديد من المؤسسات الفنية والمتاحف والمجموعات الشخصية.

نال الرفاعي العديد من الجوائز الفنية والأدبية، ومنها: جائزة دبي الثقافية (2015). الجائزة الأولى في المعرض السنوي لجمعية الإمارات للفنون التشكيلية (2013). جائزة الشارقة للإبداع العربي عن رواية «أدراج الطين» (2006)، وجائزة نقيب الفنون الجميلة - سوريا (2002).
 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات