التشكيلي شفيق الزكاري: الفن من أجل الحياة والمجتمع

كانت بداية الفنان والناقد الفني شفيق الزكاري مع الخط العربي، إذ حاول أن يتعلم قوانينه وقواعده الكلاسيكية لتمكينه من الاهتمام بالصورة.

وفي الوقت الذي لم يكن ليرى فيه نصوصاً مقنعة موازية للحركة التشكيلية في بلاده، تفي بحاجة الزخم الفني التراكمي، كان يفكر في التعبير عن تلك التجربة من خلال الكتابة، وأن يضع تصوراً معيناً للفن التشكيلي، وهكذا بدأت رحلته في الكتابة ناقداً فنياً.

في الحركة الفنية، هل كانت لديك مرجعية معينة؟

من المعروف أن مرجعياتنا الفنية العربية في المغرب فقيرة نوعاً ما، كانت بنسبة كبيرة جداً أجنبية. وعلى الرغم من ذلك كانت لي مرجعية عربية هي «مدرسة البعد الواحد» في العراق. كان ذلك في السبعينيات، تلك الفترة التي حملت أسماء فنانين عراقيين كبار أمثال ضياء العزاوي والناصري وشاكر حسن السعيد، وغيرهم ممن كانوا يمثلون تلك الفترة.

كان فنانو هذه المدرسة يشتغلون على الحرف، ليس كقيمة تواصلية فقط وإنما كانوا يفرغون الحرف من معناه لكي يقدموه كشكل جمالي يطرح أسئلة لها علاقة بالفن التشكيلي وليس بالخط العربي. كانوا فنانين يستخدمون الحرف العربي أداة للتواصل في علاقته بتلك العناصر المكونة للعمل التشكيلي.

وبعدها تأثرت بفنان فرنسي هو ماليفيتش فيليكوفيك، فنان مهاجر من بولونيا وكان في صغره شاهد عيان على فترة الحرب والتدمير والبؤس التي عاشها الناس هناك، فكانت كل أعماله تصب في قضايا لها علاقة بالكائن البشري ومعاناته.

ومع أن أعماله احتوت الكثير من البؤس إلا أنها كانت مفعمة بالجمالية، وهذه الجمالية جعلتني أحب ذلك التوجه الذي يدفعك إلى الشعور بآلام الآخرين والانشراح في الوقت ذاته. لقد تتبعت هذا الفنان وتأثرت به وكان مرجعيتي قبل أن أدخل في عملية الاشتغال الكلي على الفن، عن طريق الصورة بعد الاشتغال على الخط العربي.

لقد اشتغلت على الحرب، وكان للوحة «الغارنيكا» تأثير كبير فيّ، ولم تكن اللوحة في ذاتها ما أذهلني، بل المراحل التي مرت بها لتصل لمرحلتها الأخيرة، من الرسم بالقلم وبالفحم إلى آخره وهكذا إلى أن يصل إلى تشكيل الغارنيكا التي نراها بسيطة جداً في الحقيقة، وليس بها سوى صور فرس يعاني وأجساد مرمية، ولكن أقول لكم إنها رسمت بطريقة معقدة في حد ذاتها، إذا رأيت المراحل التي قطعها بيكاسو.

ومن هنا فقد اشتغلت على الحرب بما أن المرحلة كانت تتطلب ذلك، خاصة وأننا نعيش في زمن اتسع فيه نطاقها منذ التسعينيات، وأصبح من الضروري أن نعمل من أجل شجبها، من أجل السلام.

هذا يعني أنك تؤمن بأن للفن رسالة.. ما رسالته في يومنا هذا؟

في الواقع أؤمن بأنه ينبغي للإنسان والفنان على وجه الخصوص، أن يكون له موقف من كل ما يضر بالإنسان والطبيعة، لأنه جزء لا يتجزأ منها.

أنت لا تريد أن تغير الكون من حولك ولكنك تريد فقط أن تبرز الفكرة، أو وجهة النظر تجاه ما يحدث أمامك، وهذه هي وظيفة الفنان ووظيفة المبدع بشكل عام، إنه يبحث عن شيء فيه ما يهمه، على سبيل المثال عندما يقرأ الإنسان قصة أو شعراً أو يشاهد فيلماً سينمائياً أو يرى لوحة ما، فهو يبحث عن نفسه، عن حياته فيها، والفن في النهاية من أجل الحياة، من أجل المجتمع أنت تقدمه للناس بهذا الشكل، وأعتقد أن الفنان إذا لم يسهم في خدمة مجتمعه ولو بقيم نبيلة بسيطة جداً، إنسانياً، لن يصبح ذا دور، وسيفقد وظيفته الأساسية التي جاء من أجلها، سيكون عمله شيئاً لا يمت بصلة للإنسان، وبالتالي يجب عليه أن يعبر عن ذلك ولو بطريقة بسيطة فقط، كفنان لا أكثر.

إلى جانب الرسم لك اهتمام بفنون الطباعة، قل لنا شيئاً عن هذا التخصص؟

أجل، أشتغل على الطباعة سواء كانت حفراً أو ما يسمى «سلك سكرين» أو الطباعة بالحرير. في البداية كانت هناك ورشة أقمناها في سنة 1988 في مدينة المحمدية وكنا نعيد استنساخ الأعمال الفنية بطريقة «السيريغرافيا»، كانت ورشتنا وجهة لجميع الفنانين التشكيليين المغاربة.

بعد ذلك انتقلنا إلى تكوين مجموعة أطلقنا عليها اسم مجموعة «غرافيك» وكانت تقتصر على الفنانين التشكيليين الذين توجد في أعمالهم مواصفات غرافيكية وضمت الفنانين: بوشعيب الهبولي، لطيفة التيجاني، كنتور، عبدالكريم الأزهر، وفي ذلك الحين أقمنا ثلاثة معارض، وتوقفنا لأن الإمكانات المادية لم تساعدنا، إذ لم يكن هناك دعم من أي مؤسسة ثقافية، وكان جل الاعتماد على العلاقات الخاصة، بينما ترين اليوم أن هناك دعماً من وزارة الثقافة وهو ما يساعد الشباب كثيراً.

المرحلة التالية من العمل في هذا التخصص كانت عندما أصبحنا نعمل بشكل فردي، ولكن بالنسبة لأي منا كانت المبادئ هي ذاتها، يمكنك أن تطرح قضايا عدة من خلال هذا العمل، إنسانية، أو تلك التي لها علاقة بالجسد كرمز للوجود الإنساني، وبالنسبة لي كنت أقوم برسم الجسد الإنساني بشكل مبالغ فيه متجاوزاً الأكاديمية التي تعلمتها في الجامعة، لأخترع جسداً فيه نوع من المعاناة مثلاً، لقد كنت أشتغل على الجسد بطريقة تشريحية.

فكنت أسعى لطرح إشكالية ربما كانت تعود إلى القرن الثالث عشر أو الرابع عشر عندما كان هناك «الواسطي» الذي كان يشتغل على المنمنمات، وكان دائماً يكرر: «أنا لا أحاكي الله في خلقه، وإنما أريد أن أحرف تلك الأجساد حتى يكون هناك هامش من الخطأ». إن نظرتي إلى الجسد هي في الحقيقة نظرة تواصلية مع الآخر من خلال فكرة معينة.

بهذا نرى أن أعمالك لها بعد فكري، لكن هل تلقى إقبالاً؟

في الواقع هي لا تلقى إقبالاً لدى من يريد أن يقتني صور الأثاث مثلاً، أولئك الذين لا يرون ولا ينظرون إلى أعماق هذه الأعمال وغيرها بطريقة فكرية، هذه مشكلة الفن عموماً في عالمنا العربي، ومن جانب آخر هناك تكاثر للأروقة، ولو قرأتم كتاب «التشكيل المغربي بين الثقافة والتسويق»، ستجدون أنه يطرح أسئلة حول خفايا ما يدور في السوق الفنية، لأنها تضر بمصالح المقتنين، كما يطرح سؤالاً مثل: كيف نصنع فناناً بين عشية وضحاها، دون أن تكون له معرفة أو مرجعية تشير إلى معرفته لما يحدث في بلاده وما يحدث في الخارج، سيكون عندها الفن مظهراً زائفاً وهذه مشكلة عصرية.

لا تسألوا عني وعن الكثير من الفنانين الذين لا تلقى أعمالهم الرواج مادياً، في الحقيقة يجب أولاً أن نصلح وضعية الفن التشكيلي ونمنحه بعداً آخر، بعداً فكرياً وإنسانياً وجمالياً حتى يمكن أن نراكم رصيداً تراثياً وثقافياً يمكن أن نملأ به متاحفنا، نملأها بما له علاقة بالتراث الزاخر بأشكاله وألوانه وحتى بمناطقه وخصوصياتها التي تتمازج وتخلق إبداعاً راقياً له قيمة فنية وبعد مستقبلي يقبل عليه الناس.

كيف ترى الحركة التشكيلية المغربية بصراحة؟

بداية، أنا قبل كل شيء معجب بالمدرسة القديمة، مرحلة الثلاثينيات من القرن الفائت التي تكونت في فترة الاستعمار، وهي مدرسة فطرية غير أنها أعطت الكثير للفن، ولكن الجميل في الحركة التشكيلية المغربية هي أنها مستمرة، وهي تنتمي إلى مدرستين، مدرسة «الدار البيضاء» ومدرسة «تطوان».

بالنسبة لمدرسة الدار البيضاء في الستينيات، كانت تهتم بما له علاقة بالحداثة، تسأل أسئلة تحاول أن تغير الوجه النمطي للفن، ومن أشهر فنانيها جلال الغرباوي، ومحمد الشرقاوي وغيرهما، كما أنها مدرسة تبحث عن جذورها وعن تراثها وهويتها بالاشتغال على الرموز المغربية، ثم أتت تطوان، مدرسة البحث عن أفق جديد لمحاولة رصد اتجاهات أخرى لها علاقة بالموروث، هذه التوجهات ظهرت في السبعينيات، وأنت تلاحظ أن هذه المرحلة هي مرحلة تأثير على المستوى العالمي أيضاً.

الآن ومع التطور التكنولوجي وما بعد العولمة أصبحنا في المرحلة الرابعة التي ينبغي أن نحرص فيها على مسألة التواصل في الفن، أن نستثمر الفن بشكل إيجابي ينفذ إلى أغوار الفن التشكيلي، وهنا يكون النقد مهماً.

الساحة الفنية المغربية كانت بلا أنشطة

في سنة 1986 بعد عودتي الأولى إلى المغرب بعد إقامة طويلة في كل من فرنسا وإسبانيا، لم تكن اهتماماتي منصبة على التشكيل فقط، بل توجهت إلى دراسة تاريخ الفن نفسه ومعه بعض العلوم كالفلسفة والسيميائيات، وفي الأثناء كنت أرى الساحة الفنية فارغة من الأنشطة اللازمة لرفد الساحة الفنية، صحيح أنه كان هناك رواد للفن التشكيلي أمثال: محمد المليحي ومحمد القاسمي ومحمد الشبعاوي، وهم من كبار الفنانين التشكيليين المغاربة.

ولكن كان هناك أيضاً ما يشبه الجدار القائم بين الشباب وبين الأجيال السابقة، ولرأب الصدع تحمسنا وحاولنا أنا والفنان نورالدين الفاتحي إقامة معرض مشترك، وكنا نوقع لوحة واحدة باسمينا، كنا نشتغل على سند واحد بشكل انسيابي نحاول فيه أن نتخلص من ذواتنا وكبريائنا الفني، حتى نستطيع أن نتجانس وأن ننجز عملاً توافقياً يمكن أن ترى فيه يداً واحدة. كنا نحاول أن نوجد توازنات على مستوى مرئي ومستوى فني لكي نصل إلى الفكرة المتوخاة من العمل.

الشباب ضامن تطور هذا الفن ومسيرته

في الحركة التشكيلية يمكن أن نراهن على الشباب واليافعين، لأن الفنان يجب أن يضع نصب عينيه مسار الشباب، مسار المستقبل، لأنهم هم الذين يمكن أن يضمنوا تطور هذا الفن ومسيرته، صراحة أقولها إن على الفنانين أن يفتحوا ورشهم للأطفال والشباب ويقوموا بتلقين هؤلاء حتى في أماكن وجودهم.

وهذا ما نسعى إلى القيام به اليوم، هناك دورات تكوينية خاصة بالأطفال وهناك «جمعية المرصد» التي تعمل في دور رعاية الأحداث، وقد عملت معها من منطلق أن هؤلاء الصغار محرومون وينبغي أن نشعرهم بقيمتهم وبأهمية الجمال داخل المجتمع، لأن الفن يربي الأخلاق لكي يعيد الإنسان النظر في تعامله مع الأشياء التي تحيط به، ولأن من يفهم الجمال ويمتلك ناصيته لا يمكن أن يفعل إلا الخير.

وفي النهاية فإن الطفل ينبغي أن تتعامل معه بطريقة جمالية لكي تحبب إليه أي شيء. إنني أطلب من كل المبدعين بما فيهم الأدباء والفنانون والسينمائيون والمسرحيون أن يمدوا أيديهم إلى هذه الشريحة المهمة من المجتمع.

سيرة ذاتية

شفيق الزكاري فنان وناقد تشكيلي مغربي، من مواليد مدينة القصر الكبير، أتم تعليمه الثانوي بمدارس المحمدية بالقرب من الدار البيضاء. بدأ تعليمه الجامعي بكلية الآداب جامعة عين الشق، ثم انتقل إلى فرنسا والتحق بالمدرسة العليا للفنون الجميلة، بديجون.

عمل مدرساً للفنون في المدرسة العليا للفنون الغرافيكية، بالمغرب. غادر المغرب إلى إسبانيا، وعمل في بداياته في مجال التصميم كما أقام عدداً من المعارض، إلى حين عودته نهائياً إلى بلاده في سنة 2013.

تعليقات

تعليقات