القاصة الإماراتية حصة المهيري لـ«البيان»:

المكتبة المحلية تحتاج إلى أعمال تُحاكي خيال الطفل

نلتقي اليوم القاصة الإماراتية حصة المهيري، الفائزة بجائزة الشيخ زايد للكتاب - فرع أدب الطفل والناشئة عن مؤلفتها الإبداعية بعنوان «الدينوراف»، التي على الرغم من بساطة حكايتها من خلال فكرة الديناصور الذي يبحث عن شبيهٍ له، تبقى رسالة القصة عميقة، فهي تمضي بالفروق المتعددة بين الحيوانات والصراع وإمكانية العيش المشترك في المجتمع الواحد.

وفي حوارها مع «البيان»، أكدت حصة المهيري أن المكتبة الإماراتية لا تزال بحاجة إلى أعمال تُحاكي خيال الطفل، وقالت إنها تسعى دائماً في مؤلفاتها إلى اختيار عناوين قادرة على حمل الرسالة التي تسعى إلى إيصالها إلى القارئ.

كيف أثرت مهنتك كمعلمة للأطفال الصغار في قلمك وخيالك؟

كوني معلمة رياض أطفال أثّر بشكل كبير في أفكاري ومشاعري عند كتابة القصة، باعتبار أن الأطفال هم مصدر إلهامي الأول، ولطالما نظرتُ إلى عالم الأطفال كمجتمع مُصغّر لما يحدث في عالم الكبار، فإن حدث خلاف بينهم أو نبذٌ لأحدهم حتماً يعني ذلك أن هذا ما يحدث في مجتمعنا ولكن بشكل أعمق، لذلك وددت أن أزرع قيماً مهمة لدى الأطفال، وهو مبدأ التسامح والتعاون والقدرة على التعايش مع الجميع على الرغم من اختلاف أشكالنا أو ألواننا أو ثقافاتنا، هذا بالتحديد ما تهدف إليه قصة «الدينوراف».

وهو نبذ فكرة الاختلاف والصراع، والدعوة إلى التسامح، كما تعزز قيمة الفرد، وأن من حق كل شخص الانتماء إلى مجموعة، جاءت هذه الفكرة تزامناً مع استحداث وزارة التسامح، لكونها الأولى من نوعها في العالم، وذلك بناءً على ما تدعو إليه قيادتنا الرشيدة، وفي الحقيقة، هذا المبدأ لم يُخلق عبثاً، بل هو السير على نهج باني الدولة الوالد المؤسس المغفور له بإذن الله، الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، الذي رسّخ قيم ديننا الحنيف وعاداتنا العربية التي تدعو إلى التسامح والتآلف واحترام الآخرين بجميع الثقافات والأديان، وهذا ما جعل الإمارات اليوم رمزاً للتسامح.

قيمة عاطفية

فازت قصة «الدينوراف» بجائزة قديرة في فرع أدب الطفل والناشئة من لجنة جائزة الشيخ زايد للكتاب، فما القيمة لهذه الجائزة في قلبك وتأثيرها في كتاباتك المقبلة؟

فوزي بالجائزة كان شعوراً لا يوصف، كنت فخورة بفوزي بجائزة تحظى باسم المغفور له بإذن الله الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، والشرف الأكبر أنها جاءت في «عام زايد»، وقد أيقنتُ منذ بدايته أن هذا العام سيجلب لي الكثير من الخير بإذنه تعالى، لذا أعتبر هذا الإنجاز من أعظم الإنجازات التي حققتها، لكون المنافسة كبيرة، ووجود عدد هائل من المرشحين، وكوني أول إماراتية تفوز بالجائزة ترك على عاتقي مسؤولية كبيرة بأن أستمر دائماً في تحقيق الأفضل في أدب الطفل، ولا أقدّم ما هو أقل جودة من قصة «الدينوراف»، لذلك ففوزي بالجائزة لا يعني أنني أمتلك ما يكفي من الخبرة والعلم، بل لا بد أن أحرص أكثر على كسب الخبرات من مختلف الكتّاب والثقافات.

عنوان أجنبي

ككاتبة عربية، لماذا استخدمت عنواناً لا يمت بصلة إلى لغتنا؟

في الحقيقة، عند بحثي للعنوان أردت أن يكون مميزاً لا يُنسى، وفي الوقت ذاته يحمل الرسالة التي أحاول إيصالها في القصة، كما أنني أردتُ عنواناً لا يصل لأطفال العالم العربي فقط، بل أردتُ أن تكون القصة موجهة من العالم العربي للعالم أجمع، لذلك كُل عنوان كنت أفكر فيه، كنت أحاول ترجمته للإنجليزية، وأقارن إن كان سيكون مناسباً أم لا، في نهاية المطاف قررتُ اختيار اسم مركّب، وهو إحدى طُرق عنونة القصص في أدب الطفل.

لذلك وقع الاختيار على عنوان «الدينوراف»، وهو اسم مركّب ومشتق من كلمتي «ديناصور» و«زرافة»، والميزة في العنوان، أنه عندما سيترجم إلى اللغة الإنجليزية «The Dinoraffe» سيحمل الرنين ذاته، والوقع الجميل على الأطفال، وهنا يصل إلى الطفل شعور المحبة والمودة، عندما سمّت الزرافة الديناصور باسم يشملهما معاً، ما يعزز مفهوم الانتماء، لذلك كوني كاتبة إماراتية حتماً أفخر بلغتي العربية، ولكن لأن الرسالة في القصة عميقة لم أود أن توقفها اللغة من الوصول إلى جميع الأطفال في العالم.

برأيك، أين موقع القلم الإماراتي عربياً في أدب الطفل أيامنا هذه؟

هناك حراك معرفي واضح تقوده اللجنة الوطنية للقراءة في الدولة، لجعل القراءة عادةً يومية ونمط حياة الجيل القادم، ولذلك يلزم رفد المكتبة الإماراتية بالمزيد من القصص والأعمال المتجددة التي تُحاكي خيال الطفل وتُلهم شغفه للقراءة، وهناك تحديات كبيرة في هذا الشأن، سواء من ناحية جودة القصص أو الإنتاج الفني لها، ولكن المُبشّر في هذا الموضوع، هو وجود مبادرات التشجيع الوطنية لدعم الكاتب الإماراتي، وعلى رأسها جائزة الشيخ زايد للكتاب التقديرية.

وكذلك الورش التخصصية والفنية مثل برنامج دبي الدولي للكتابة التابع لمؤسسة محمد بن راشد آل مكتوم للمعرفة، ومهرجان طيران الإمارات للآداب، الذي يستقطب سنوياً العديد من الكتّاب العالميين بمختلف ثقافاتهم، وكذلك «بيت الكتّاب» القائم على إعداد وتجهيز الكثير من الورش في الكتابة الإبداعية بشتى أنواعها، كما أن لدور النشر الإماراتية دوراً كبيراً في دعم الكتّاب وإصدار كتب ذات هدف سامٍ وجودة عالية، كل ما سبق يسهم بشكل واضح في استدامة صناعة كتاب الطفل على المستوى الوطني.

صناعة المستقبل

على الرغم من عمركِ الصغير قدمتِ ونظّمتِ الكثير من الورش والجلسات النقاشية عن كل ما يمسّ الأطفال وأنشطتهم الإبداعية والتعليمية، فهل كل ذلك بدافع طموح أم اكتساب خبرة، أم لأسباب أخرى لا نعرفها؟

الأمر الذي قد يستغربه الكثير أن ما حدث معي لم يكن مخططاً له، طالما أردتُ أن أكون كاتبة أو رسامة، لكن لم أكن أعلم أنني سأتخصص في طفولة مبكرة ومن ثم الكتابة في أدب الطفل، كل ما حدث هو ما أدعوه بالقدَر الجميل، أستمتع كثيراً بالعمل مع الأطفال وقراءة القصص لهم، ردود أفعالهم العفوية وغير المتوقعة تجعل روحك متجددة دائماً، مما جعلني شغوفة بكل ما يتعلق بهم.

ولأني مهتمة بكل ما ينصب في مصلحتهم، وتحديداً الطفل الإماراتي، أحاول دائماً نقل خبراتي وتجاربي، مما قد يسهم في نشر المعرفة والإبداع بقدر الإمكان إلى الجميع من كبار وصغار، والجدير بالذكر أن الأطفال في طفولتهم المبكرة تكون لديهم القابلية للإبداع والخيال بشكل أكبر بكثير من الكبار، لذلك من المهم أن نعرف الطريقة الأمثل للتعامل معهم ودعمهم، أطفال اليوم هم صناّع المستقبل المبدع لهذا الوطن.

جُذوة مشتعلة

حدثينا عن بداياتك في عالم الإبداع؟

كانت البداية قبل دخول سلك التدريس، وتحديداً خلال فترة التخرّج في كليات التقنية العليا، حيث كان أحد المشاريع المطلوبة منا هو إصدار قصة للأطفال كمتطلبات التخرج في مجال الطفولة المبكرة، ولأنني أحب القراءة والرسم منذ الصغر، كان هذا المشروع من المشاريع المفضّلة لدي، ونتجت عنه قصتي الأولى «آثار أقدام من هذه؟»، وقمت بتأليفها ورسمها، وتم إصدارها باللغتين العربية والإنجليزية، وأذكر أنني كلما قرأتها للأطفال واستمتعت بها معهم، زادني ذلك شغفاً بقراءة قصص أكثر، وجعلني أحلم بكتابة المزيد.

وحين بدأتُ العمل كمعلمة تزايد هذا الشعور، ودفعني إلى تشجيع الأطفال على كتابة قصص من تأليفهم، أؤمن تماماً أن داخل كل فردٍ منا صغيراً كان أو كبيراً مساحة للإبداع، إنما المهم كيف نستغلها ونبقيها جذوة مشتعلة لا تنطفئ.

هل تفكرين في كتابة جنس أدبي آخر مثل زميلاتك الكاتبات؟

لم يخطر بذهني التوجه لنوع كتابة آخر غير أدب الطفل، ولكن أخيراً بتُّ أقرأ كثيراً في أدب اليافعين بلغات أخرى، وبدأت ألاحظ النقص في هذا النوع من الأدب في العالم العربي والإماراتي بالذات، لذلك قد أكتبُ مستقبلاً لهذه الفئة، ولكن لا أريد الاستعجال في ذلك، بل أودّ خوض التجربة بكل تأنٍّ، وبعد أن أكتسب المزيد من الخبرة، فالأهم ليس عدد ما نكتب، بل جودته والرسالة التي نريد أن تصل إلى القارئ.

أسماء عربية وعالمية لامعة

قالت الكاتبة حصة المهيري عن أبرز الأسماء التي لفتت انتباهها خلال اطلاعها على قصص الأطفال في الساحة الأدبية العالمية: «الساحة الأدبية العالمية تعجّ بالأعمال الجميلة والمميزة في أدب الأطفال مثل قصص إيرك كارل صاحب الكتب الشهيرة (اليرقة الجائعة جداً)، و(الدُبّ البني).

وكذلك قصص فالاريتوماس (الساحرة ويني)، ورسامها المشهور كوركي باول، ولا أنسى مايكل روزن صاحب كتاب (نحن ذاهبون لكي نصيد دباً) التي أحببتها كثيراً، فلطالما رغبت في تمثيلها مع الأطفال، كما لا تخلو الساحة الأدبية العربية أيضاً من المبدعين من أمثال الكاتبة فاطمة شرف الدين، والكاتبة ميثاء الخياط، اللتين تملكان جوائز أدبية عديدة، وقصصاً لا تُحصى في أدب الأطفال واليافعين».

بحر عميق يفيض بالإيجابية

في ردّها على سؤال «البيان» عن طبيعة رسالتها في أدب الطفل، قالت القاصة الإماراتية حصة المهيري: «أدب الطفل بحر عميق جداً، بإمكان الجميع توجيه رسائل كثيرة للأطفال، لكن كوني معلمة لسنين مكنني من التعامل مع الأطفال عن قرب والتمعن في مشكلاتهم ومخاوفهم ومشاعرهم المتفاوتة بين الفرح والحزن، الصمت والغضب، الدهشة والتعجب!

ولطالما صببت اهتمامي على أطفال أصحاب الهمم، محاولةً أن أحلّ مشكلة ما قد يحدث في مجتمع الصغار، لأن بقاءها دون حل قد يوثر سلباً في الأطفال حتى بعد نضجهم، لذلك دائماً أسعى أن تكون رسائل إيجابية وسعيدة، فحواها السلام والتسامح وحق كل فرد في الانتماء بصورة لطيفة وملائمة للأطفال».

سيرة

الكاتبة حصة المهيري، حاصلة على شهادة البكالوريوس تربية في الطفولة المبكرة، كما أنها تحمل شهادة ماجستير تربية في الإدارة والسياسة التعليمية، وهي معلمة مدربة في مركز تطوير رياض الأطفال. وخلال السنوات الماضية، تطوّعت حصة في أعمال عديدة، ولديها مشاركات تدريبية مختلفة، تخص الأنشطة الخاصة بالطفولة وعلوم الأطفال.

 

تعليقات

تعليقات