تبث بين السطور قلقها وتساؤلاتها لإثارة فضول القرّاء

نادية النجار: الإنسان مداد قلم الكاتب الحقيقي

في مناطق روائية خفية تُنقب بالعين اللاقطة وبالكلمة الجميلة، باحثة في خرائط وقضايا تحوز إعجاب القارئ واهتمامه، وتحلق في أفق «الخروفة» الإماراتية لتدعمها بإعادة كتابتها، وفي مواطن البراءة في نصوص تُعنى بالطفولة، وجدنا الكاتبة الإماراتية المبدعة نادية النجار، التي تعمل في صمت، ليصبح حوار «البيان» معها أشبه بسيرة لكاتبة مثقفة تكابد لتصاحب الدهشة. وتؤكد النجار أن الكاتب الحقيقي يكتب للإنسان أولاً وأخيراً، وأن قلقها الذي تبثه بين السطور يثير لدى القارئ فضولاً يدفعه للبحث عن أجوبة.

ثلاثية الدال

في روايتك «ثلاثية الدال» الحائزة جائزة أفضل كتاب إماراتي، ماذا عن المدى بين الخيال والواقع في نص هذه الرواية التي تدور أحداثها في تلك السفينة الغارقة قبالة دبي عام 1961م، والتي أشعلت الكثير من الأسئلة حول سر غرقها؟

كما نعلم، حادثة احتراق وغرق سفينة «دارا» التي حدثت في 8 أبريل عام 1961، قبل رحلتها إلى الهند حقيقية وواقعية، وحطامها القابع في مياه الخليج العربي يُذكّر أهالي المنطقة بالمأساة وبالعدد الكبير من الضحايا والمفقودين. حاولت أن أكون منصفة في وصف المكان والزمان، وتحريت الدقة في التفاصيل الصغيرة، كحالة الجو وتوقيت الرحلة والانفجار، جنسيات الركاب، شكل القمر وغيرها، كالواقع تماماً.

أما شخصيات الرواية فهي خيالية مئة بالمئة، وإن حاولت صنع شخصيات قابلة للتصديق بشكل قد يشك القارئ معه بأنها حقيقية. وأيضاً إن وُجد أي شبه بين تصرفات الشخصيات في الحادثة وبين الواقع، فذلك دليل على تشابه ردة فعل البشر حيال الكوارث.

بين نصوص الطفل، ونصوص الرواية، في رحاب أي منهما تجدين نفسك أكثر؟

أجد نفسي فيهما بشكل متساوٍ، ولكن النتيجة في نصوص الأطفال أجمل. فأن تجد نصكَ مصوراً بألوان ورسومات زاهية، يحمله أو يقرأه طفل، لهو شعور جميل لا يوصف.

خراريف إماراتية

الشعوب المتقدمة أعادت كتابة أساطيرها، أو دعينا نقول: إعادة بنائها، ليقوموا بترميم سياق النص، وهو أمر حساس وجميل ولكنه خطر أيضاً، فكيف كانت مشاركتك في كتابة أو إعادة كتابة «خراريف» إماراتية مع مجموعة من الكاتبات الإماراتيات في معهد غوته الألماني، تحت إشراف الكاتبة والرسامة الألمانية أوته كرواس؟

عملنا على جمع خراريف إماراتية وإعادة كتابتها. تعلمت الكثير من تلك الورشة، واكتشفتُ ثراء وتنوع تراثنا الأدبي في الإمارات السبع. أثمرت الورشة عن كتاب مهم ورائع أطلقنا عليه اسم «خريريفة مجيريفة»، سيصدر قريباً.

هناك أخبار عن تعاونك في برنامج «افتح يا سمسم»، حدثينا عن هذا الأمر.

شاركت في كتابة مجموعة من القصص لقراءتها في الحلقات، وهي موجهة لفئات عمرية مختلفة ستعرض في الموسم الجديد. كان العمل معهم مختلفاً من حيث بعض الالتزامات التي كان عليّ اتباعها، ولكنني تعلمتُ منهم الكثير واكتسبتُ خبرة عملية في أدب الأطفال. متحمسة كثيراً لأرى قصصي مصورة على الشاشة، وأتوجه بالشكر لهم على اختياري ضمن كُتّابهم.

مشاركات نادية النجار متنوعة بين الرواية وقصص الأطفال، وكتب اليافعين، وإعادة كتابة القصص التراثية.. ماذا منحك كل هذا التنوع، وممَ حماكِ، أو ماذا أضاف لكِ؟

منحني التجربة، وحماني من التكرار وأضاف لي قراءً من فئات مختلفة.

للكتابة مآزقها ومكائدها، فكيف تستطيعين كروائية النجاة بنفسك من تلك النصوص الصعبة؟

أن أكتب ما أحب وما أؤمن به، وأعطي الكتابة ما تستحق من وقت وجهد.

يهدف النقد إلى إضاءة العمل الإبداعي، هل تعتقدين أن مشهد النقد الإماراتي متذبذب ولا نشاط للناقد الإماراتي فيه كما يشاع؟

أظننا بحاجة إلى تطوير هذا الجانب. أما عن نفسي فلا أعوّل كثيراً على النقد، وأفضل الاستماع للقراء العاديين، سواء بشكل مباشر أو من خلال وسائل التواصل أو مواقع تقييم الكتب.

الكتابة تخون المواعيد المنظمة، فالخيال زمنه مفتوح، والكاتب لدينا موظف والتزاماته كثيرة، فكيف تستطيع نادية تطويع وقتها؟

عندما أبدأ بعمل ما، أضع خط سير له، وحين أبدأ ألتزم بساعات كتابة كل يوم، لا تقل عن أربع إلى خمس ساعات، وأكثر في نهاية الأسبوع. الالتزام والتخطيط ضروري جداً في حياة الكاتب.

النصوص مستمرة في غرف الخبرة التي لا يحيا شعورها وطموحها سوى الكاتب، فكيف هو شعورك في تلك الوحدة، وما الذي تحاولين شرحه في سطورك، وما الذي تطمحين إليه وأنت تحولين الأفكار والأبحاث إلى الخيال؟

أحاول أن أبث قلقي وتساؤلاتي بين تلك السطور، ليجدها القارئ، فتثير فيه الفضول للبحث والتفكير، ويحاول الإجابة عن تلك التساؤلات.. ذلك هو طموح الكاتب في نظري.

الكاتب لا يريد سوى منزل يأويه وطعام يكفيه ودخل يُؤمِّن مستقبله كي يؤدي مهامه ومشروعه الكتابي، وكل ذلك بات متوافراً للكاتب الإماراتي، من الأمان العالي في الوطن إلى بقية الأمور.. برأيك، لِمَ يُخفق معظم كُتّابنا، ولِماذا يسيطر الكسل عليهم، لاسيما بعد اكتشاف المواهب المتعددة؟

أظن أن الاستعجال في النشر إحدى أكبر مشكلات الكُتاب الجدد، بالمقابل لدينا مواهب جديدة واعدة، تملك أقلاماً متمكنة وأفكاراً عميقة، وتخطو نحو الطريق الصحيح.

على الكاتب أن يحب أولاً، أي يتوافر لديه الحب الصافي وقبول الآخرين بكل أطيافهم كي ينطلق في فضاء التعبير الشاسع، فيقرأ الماضي ويفهم المستقبل.. كيف تفسر نادية ذلك الأمر؟

أظن ذلك الهدف الأسمى من الكتابة، فالأدب يجمع البشر بكل أطيافهم وألوانهم دون تحيز.. الكاتب الحقيقي يكتب للإنسان أولاً وأخيراً.

تعليقات

تعليقات