أحمد المديني لـ«البيان»: تجارب الآخرين تفيدني ولا تقيّدني

اقتحم عالم الأدب من أوسع أبوابه، ونفذ في عوالمه بأسلوبه الذي تجاوز السرد الأدبي التقليدي إلى الغوص في أعماق المعاني، والبحث عن الدلالات، معتبراً أن الإمساك بزمام اللغة هو جواز العبور إلى أدب روائي رصين مؤثر.. حتى إن الشاعر والناقد الأردني نضال القاسم قال عنه في كتابه الأخير «أسئلة الكتابة والهوية»: «لا يرتبط الدكتور أحمد المديني ارتباطاً وثيقاً بتطور الأدب المغربي المعاصر فحسب، بل يمتد ليجد موقعه وأثره في الحياة الثقافية الفرنسية، والارتباط بها إلى حد بعيد أدبياً وأكاديمياً وإنسانياً».

كل ذلك وأكثر جعل الدكتور أحمد المديني جديراً بأن يكون نجم «مهرجان أصيلة الثقافي» في المغرب، بنيله جائزة «محمد زفزاف للرواية العربية».. وفي أروقة تلك المناسبة وجدنا فسحة من الوقت للحوار معه، حول فوزه بالجائزة في دورتها السابعة، والاعتبارات الأدبية والفنية التي تقف وراء ترشيح أعماله لهذه الجائزة، وعن روايته الأخيرة «في بلاد نون».

تقييم

تمثل روايتك مثلما هي كتابتك تنوّعاً حقيقياً، لكن بالنسبة لأعمالك الروائية هل تعتقد أنه السبب الوحيد لترشيحها للفوز بالجائزة، أم أن هنالك مبررات أخرى تراها أنت وتود أن تشرحها للقارئ؟

حسناً، فقط أردت أن أوضح للقارئ في البداية أن الجائزة لا تُمنح لرواية واحدة، وإنما لمجموع أعمال الكاتب، واللجنة ترشح مجموعة من الروائيين. ثانياً، أردت أن أقول إنه يصعب عليّ ككاتب أن أقوم بتقييم نفسي، هذا لا يجوز سلفاً، ولكن استناداً إلى ما قرأته من التقييم العام للجنة فهي ترتئي أن هنالك مساراً منتظماً ورؤية ومعالجة ناضجة لفن الرواية، واهتماماً بعوالم متنوعة ومتعددة يقع الإنسان في صلبها، والهمّ الاجتماعي والهمّ الإنساني بصفة عامة، بطريقة صياغة متفوقة تنتظم في مسار الرواية العربية وتذهب بها إلى أفق مفتوح وإنساني.

وبداية إن كان لا بد لي من أن أتمم شيئاً من هذه الحصيلة فأنا أحب أن أعود بكم إلى منتصف سبعينيات القرن العشرين حينما نشرت رواية «زمن بين الولادة والحلم» وتلتها رواية «وردة للوقت المغربي» 1980، كلتا الروايتين عدّت منذ ذلك الوقت نصين مختلفين قياساً بالنصوص التقليدية، أي إنهما اهتزت فيهما المقاييس التقليدية من زمن ومكان وشخصيات وبدأ فيها قلق ما من ناحية العلاقات الاجتماعية والإنسانية ومساءلة للإنسان.

والواقع أن الرواية الغربية في عشرينيات القرن الماضي عند «بروست» وعند «كافكا» وعند كتاب فرنسيين منذ الأربعينيات أمثال «ألبير كامو» كلها كسرت النظرة السكونية التقليدية إلى الحياة وإلى العلاقات الاجتماعية؛ لأن الحياة كانت كلها في حالة اهتزاز؛ فالنصّ يتبع كل ما يعبر عن هذا الاهتزاز.. عن عدم التوافق حين تظهر علاقة اجتماعية وأزمات غير مسبوقة، وكذلك الكتابة تهتز وتصبح الرؤية مختلفة؛ فالزمن ليس هو الزمن الطبيعي المتسلسل، كما أن هناك تدخل اللاوعي، وهنالك الحوار الداخلي وتعدد الآراء وتعدد الأصوات وتعدد الرؤى، فلم تعد الوحدة والانسجام والسكونية هي الرؤية التي يتشكل منها العالم، بل على النقيض، وهكذا إذاً فنحن جيل السبعينيات خرجنا بهذه النصوص التي أسميها مغايرة قياساً بالنصوص التي سبقتنا في الستينيات وفي الأربعينيات، ليس فقط في المغرب، بل وفي غيره من بلدان العالم، وهكذا تواصلت عندي الروايات.

توازن

ثمة ألوان إبداعية عديدة يقتحمها القلم.. فكيف يوازن أحمد المديني بين تلك الإبداعات ليُخرج عملاً يشار إليه بالبنان تألقاً وتميزاً؟

في كتابتي كنت دائماً في حالة انتقال شبه متوازن ومتوازٍ بين الرواية والقصة القصيرة، وهو ليس اختياراً فنياً فقط بل هو باعتبار أن الرواية مجالها فسيح ومتشعب ومتعدد وكثير، والقصة القصيرة هي الومضة أو اللقطة اللماحة التي يمكنها بمفردها أن تجعلك تصطدم بها في مفترق الطرق، هذه توازت عندي. هناك أيضاً القصيدة الشعرية التي بالنسبة لي جاءت كبحث، كنوع من البحث في الكتابة عن الكتابة عما لا أجد أن النثر ينقله، الإحساس الذي وجدت أن الكلاسيكي لا ينقله فجاءت القصيدة.

وفي مطلع السبعينيات نشرت مجموعتي القصصية الأولى واسمها «في الدماغ»، وهي تندرج تحت مسمى التجريبية، وكان النقاد قد اعتبروها «فتحاً مبيناً» لأنني صدرتها بشيء اسمه «المانيفستو» أو البيان، بيان ذلك الزمن، ثم بعدها قلت لنفسي: انظر إلى هذه الصفاقة كيف لشاب في مطلع العشرين أن يفعل هذا.

فكر

روايتك معاصرة بكل ما تعنيه الكلمة، وهي لا تمثل الرواية المغربية أو العربية فحسب، وإنما الإنسانية، وهناك إضافة فكرية يشعر بها القارئ هذه تضيف إلى قدرة رواية أحمد المديني على التجاوز فليس بالشكل وحده نكتب، توافقني؟

الرواية كما تعلمون فن أو جنس أدبي يعيد تشكيل الواقع بناءً على تصوّر ومخيلة الكاتب لكي يزعم أو يكمل نقصاً أو يعيد هيكلة الحياة أو وقائع ما أو شخصيات ما، لكن أين يتدخل الفكر؟ في الواقع، الرواية ليست فكرية بالمعنى الذي هو في الفلسفة، هي فكرية بمعنى استنادها إلى ما يسمى رؤية العالم، إنها مجموعة أفكار ومعتقدات وتصورات تكون موجودة في فترة زمنية محددة لدى طبقة اجتماعية منشغلة بها، وهي تمثل هيئتها، والمؤلف يحاول أن يكتبها انطلاقاً من رؤية هذا العالم لتجاوزها، وليس لتصويرها بشكل حرفي.

ثم إن الفكر في الرواية ليس فكراً نظرياً تقريرياً؛ لأنها لو كانت كذلك فستكون رواية فاشلة إذا نطقت بشكل جهوري وعلني بالأفكار التي فيها، مثال على ذلك أن روايات «كونديرا» هي روايات فكرية من النوع الذي يسمى رواية الأطروحة، وهي مبنية على فكرة نظرية معينة يتم إثباتها بطرح نظري للفكرة ونقيضها، فالرواية هنا تقدم تصويراً للمجتمع وتأتي بوقائع وبأحداث وشخصيات تثبت أنها رواية أطروحة، إلا أن كل رواية لا بد وأن تكون كالمياه الجوفية التي تسري في الداخل ولا يراها أحد، كالدم الذي يسري في الشرايين لا نراه ولكن نشعر به، الرواية لا تكتب بطريقة خطابية، الخطابية تفسد الرواية، وللأسف فإن الكثير من الروايات العربية تكتب بناءً على أفكار وبناءً على ملاحقة واقع هو في سرعة شديدة وتحاول أن تلاحقه وتبني عليه فهماً ما، وأغلب ما ينجم عن ذلك الآن هو شيء آخر، لكن الرواية الناضجة تستوفي شروطها الفنية وتشتمل على اجتهاد فني لكاتبها، ونظرة عميقة للمجتمع بصمت وصوت خافت بوصف ما في حوار بين الشخصيات، ووصف للمكان، بشكل إيحائي.

أسلوب

بالنسبة للأسلوب السردي، نلمح أحمد المديني المتمرّد، والأمر ينتهي بأسلوبه الشخصي، هل أنا محقة أقول هذا كقارئة ليس إلا؟

هذا ما أتمناه، أن يتوافر لديّ أسلوب شخصي في السرد، فالسرد هو كيف نروي قصة ما، وفعل الرواية هو السرد، وهناك طرق كلاسيكية وهناك قلب للوحدات الكلاسيكية، وحين يصبح للكاتب طريقة في السرد يصبح روائياً بالفعل، هذا ما أتمناه، غير أنه بالنسبة لي لا أستطيع أن أزعم، لكنني بدأت منتفضاً، لديّ رغبة كي أتمرد على الأشكال التقليدية، فهل كنت بالفعل مستوعباً لهذه الأشكال؟ في تلك المرحلة كنت جامحاً مجرباً هاوياً ورافضاً، ثم تدريجياً بدأت أستقر وأنا أشق طريقي في الكتابة وفي الثقافة، وهي شيء مهم في حياة الكاتب كي يُنضج به لغته، كنت أقرأ تجارب الآخرين ثم أسوق تجربتي الشخصية وأسلوبي الذي يمكنه طرق العالم الذي لا يطرقه إلا هو.

تكوين

سؤال يبتعد قليلاً عن أحمد المديني.. كيف ترى الرواية المغربية؟

الرواية المغربية على الرغم من أنها الآن في تكاثر إلا أنها فتية، وعملياً هي أكملت أكثر من نصف قرن بقليل، ولذلك فأنا أعتبر أن الرواية المغربية في طور التكوين، ولدت ونشأت ولكنها لا تزال في هذا الطور، وقد مرّت في وقت وجيز بمراحل زمنية متعددة مرت بها بلدان أخرى، كما فعلت ذلك بشكل بطيء.

ثانياً هي رواية تتعايش فيها التجارب بين القديمة والمخضرمة والحديثة، وهي كالرواية العربية عموماً؛ تواصل البحث عن أفضل الصيغ والأساليب كي تعبر وترسم حياة مجتمعاتها، وبما أن مجتمعاتنا العربية ما انفكت تتكون وتهتز وتضطرب وتنزل وتصعد وفي حالة مد وجزر، فكذلك روايتنا، هي بهذه الصورة يحكمها ذلك النسق.

مَن وماذا يعجبك في الرواية المغربية؟

أنا درَست ودرّست الرواية المغربية كلها تقريباً، وعموماً لا أميل إلى الحديث عن الأسماء، هنالك زملاء قدامى بدأنا معاً وهناك كتّاب أكتب عنهم ما يقنعني في تجاربهم، كما أحتفي بكل النصوص التي يحسن أصحابها الكتابة، وهذا شرط؛ فهناك مشكلة كبيرة في الرواية العربية، بينما الكاتب ينبغي أن يتقن حرفته كالنجار والعطار، وقد أصبحت الكتابة مهنة من لا مهنة له، والسؤال هو: كيف يمكن للكاتب بأي لغة ألا يعرف اللغة ولا يعرف القواعد ولا يعرف تراثه ولا يعرف القرآن؟ لقد كانت هناك شروط للكتابة.

الآن هذه القواعد أصبحت مفقودة، وقبل أن نقول: إن للكاتب أسلوباً، ينبغي أن يحسن اللغة التي يكتب بها، بقواعدها، ثم يجدد فيها بعد ذلك، لماذا نحن العرب وحدنا من يفعل هذا؟ بينما لا يوجد في اللغات الأخرى، لا الإنجليزية ولا الفرنسية ولا الروسية ولا غيرها، شيء مثله؟ لماذا نقبل العبث بلغتنا، إن لغتنا العربية جزء من تاريخنا ومن حضارتنا، تتطور كلما تطورنا، ولكن ما ينبغي أن تخرَّب بالجهل، فالجهل ليس مزيّة الآن.. وللأسف فإن الكثيرين يقولون: إن هذا لا يعنينا، وأنا أقول: كيف لا تعنيك القواعد؟ كيف لا تعنيك البلاغة؟ إنها تعنيك لأن الأدب هو مستوى ثانٍ من الكتابة، وهو ليس المستوى العادي، إنه المستوى المجازي.

وبالطبع لديّ صداقات مع عدد كبير من الكتّاب ولكن تعنيني نصوص محددة أعتبر مستواها جيداً، وحين نتحدث عن الكتابة نتحدث عن نصوص محددة يكتبها المؤلفون هي بمثابة علامات تختبئ تحتها الاختراقات.. الأدب مغامرة كبيرة ومِحنة، وصاحبه لا يكون سعيداً تماماً لأنه يريد دائماً أن يفرض ذاته وأسلوبه بطريقة ما مختلفة، خرقاء أحياناً وهستيرية في أحيان أخرى، كبار الشعراء والروائيين وغيرهم كلهم كانوا وما زالوا كذلك، فلا مكان لمتوسطين في الأدب ولا لضعاف الموهبة، يخطئ من يقول ذلك، الواقع في الأدب: إما أن أكون أو لا أكون.

روايتك «في بلاد نون» هي آخر أعمالك، هلا عرَّفت القارئ بها؟

في بلاد نون أحاول أن أقول باختصار: إن هذا العمل يحكي قصة رجل مغربي في الثمانينيات، في الدار البيضاء، وهذا المكان هو دائماً فضائي الروائي، ومن خلالها يعود هذا الشخص إلى زمن قبله ليحاول لملمة مجموعة من الأحداث والذكريات.

وهذه الرواية ملتبسة بما أنها تتحدث عن صور اجتماعية تستدعي أحداثاً وقعت في الماضي فيصبح هناك غموض بالنسبة لبعض الأحداث، هنا يبدأ بالبحث عنها ويصل إلى الجنوب في رحلة البحث عن خلفيات الأحداث، لكن الرواية تنتقل بعد ذلك إلى مدار آخر، مدار خرافي حيث بلدة في الجبل وقافلة تنقل أشياء من مدينة أخرى إلى هذه البلدة، وهي بلدة صنعتها أنا وليس لها وجود في الواقع سمّيتها «نون»، وفيها سيدة اسمها نون تقيم في الجبل وسكان البلدة لا يعرفون أصل هذا الاسم، هنا تجتمع هذه الروافد الصغيرة لتشكّل هذا العالم وتدخل حكايات متعددة، ويتوجّب على القارئ أن يركب كل هذا، رغم أنه في النهاية هناك مجرى واحد هو الراوي صانع الحكايات في ساحة جامع في «مراكش» تسمى «ساحة الحكاية» يروي الحكاية للناس الذين كانوا يجتمعون هناك.

وقد كتبت هذه الرواية انطلاقاً من تصوّري بأن مراكش أكبر من الحكاية، وحين يظهر فيها راوٍ يتحداهم بهذه الحكاية فهو ما لا يستطيعه الآخرون. وعلى مستوى البناء؛ هذه الرواية ليست هي الحكاية، شكل الرواية شكل خاص والحكاية شكلها خاص، ورهاني أنا هنا هو كيف يمكنني أن أزاوج الشكل القديم للحكاية بالجنس الحديث للرواية وأصنع داخل الجنس الأدبي هذا النوع المختلف.

يشيد الكثير من النقاد بروايتك «زمن بين الولادة والحلم» ويقال إنها أيضاً كانت شكلاً جديداً وإنها هي التي قدمتك إلى المشهد الروائي المحلي المغربي والخارجي، ماذا تقول عنها؟

نعم هي التي قدمتني، ويقال إنها كانت مبهرة وتكاد تكون خيالية مئة بالمئة، وعندي رواية «حكاية وهم»، هذه الرواية قدمتني أيضاً، ولكن الرواية التي ثبتتني في البيئة الأدبية وأصبحت علامة على هي «الجنازة» 1986 وكتبتها بعد رحيل والدي، لكنني اختلفت الآن، فقد بدأت أستقر بطريقة أخرى ورواياتي الأخيرة تختلف عن رواياتي الأولى. وفي بداياتي كنت أُوصف بأنني شخص يفجّر اللغة، طوفان من اللغة، بهذا التدريج أخذت أسيطر على عبارتي ومفرداتي وشخصياتي، وهذا مسار الكثير من الكتاب كي يصبح لديهم أسلوب كما ذكرت، وداخله يحاولون أن يختلفوا.

إضاءة

د. أحمد المديني روائي وقاصّ وشاعر وناقد وباحث مغربي، وُلد في مدينة برشيد في المغرب، أتم دراسته الثانوية بمدينة فاس، والجامعية في فاس والرباط «جامعة محمد بن عبدالله» و«جامعة محمد الخامس»، حصل على دكتوراه السلك الثالث سنة 1978 و«دكتوراه الدولة» من جامعة «السوربون» بباريس 1990.

عمل أستاذاً في «الجامعة المغربية» وفي جامعات فرنسية. صدرت له 14 مجموعة قصصية و14 رواية و4 دواوين شعرية وعدد من الدراسات النقدية والأكاديمية وكتابات في أدب الرحلات ونصوص عدة مفتوحة (يسميها خواطر).

اضطرابات نفسية ومواقف تأملية

يؤكد د. أحمد المديني أن قصصه تتناول موضوعات من الواقع، والبيئة المحيطة به؛ وعن ذلك يقول: ولدت وترعرعت في بلدة اسمها «برشيد» جنوب «الدار البيضاء» العاصمة الاقتصادية للمغرب، وهي تقع في أرض خصبة ترابها حناء، كما أنها عاصمة أكبر إقليم زراعي، وهي أيضاً مكان بني فيه أكبر مستشفى للأمراض العقلية والنفسية في أفريقيا كلها.. هذا المعلم كنا ونحن صبيان عندما نذهب إلى بركة الماء القريبة من المستشفى نمر به بحذر شديد، ولكن كان هناك ارتباك في ذهني وسؤال مبكر لم أفهمه إلا في وقت متأخر جداً: هذا العالم أو هؤلاء الناس، هل هم محجوزون في هذا المكان لأن فيهم «اضطرابات نفسية» أو لوثة، كما نقول، يستحقون من أجلها العقاب، أم نحن الذين ألمَّ بنا هذا الاضطراب، وربما كان لأولئك الناس نظرة أخرى عنا، كأن يروا أننا غير طبيعيين؟

مراعاة الأذواق.. مهمة صعبة المنال

يوضح الدكتور أحمد المديني أنه لا يوجد كاتب يكتب لجميع الناس أو لجميع الأذواق، لأن طباع الناس وآراءهم تختلف من مكان لآخر ومن ثقافة لأخرى، بل مهمة الكاتب أن يتناول في أعماله موضوعات تختص بمجموعة من الناس ومن الأذواق والأحاسيس؛ فالكتابة تتجاوز نفسها والتجارب تتجدد، ولذلك يتميز الكاتب بأنه يرتبط بما هو موجود وتصبح له خصوصية ولغة وتخييل لإعادة اختلاق الواقع والارتباط بمن يقرأه ويتحسس كتابته، وهذا أمر طبيعي.

وفي واقع الأمر فإن الرأي العام الأدبي والذوق الفني الأدبي والرأي الأدبي المتخصص وليس «أي كلام» هو الجدير بأن يقيم تجاربنا ككتاب.

وفي هذا الصدد، يذكر المديني، على سبيل المثال، أنه عندما استقر به المطاف مع أسرتي في الدار البيضاء مع الاستقلال سنة 1956، كانت وقتئذ مدينة الرواية بامتياز ومدينة الطبقات الاجتماعية التي ظهرت فيها بالتدريج الطبقة الوسطى، وأبطال الروايات.. «ولو نظرنا إلى نجيب محفوظ نجد كل رواياته عن ولادة هذه الطبقة وأفرادها ومطامحهم ومشكلاتهم الاجتماعية والاقتصادية وغيرها، وكيف يخوضون الحياة على جميع المستويات؛ فالدار البيضاء كونت فيَّ شيئاً من الرغبة في الكتابة، وكلما انطلقت إلى مكان آخر كونت فيَّ شيئاً إلى أن وصلت إلى مدينة «فاس» حيث كانت دراستي الحقيقية».

طباعة Email
تعليقات

تعليقات