إبراهيم نصر الله عقب نيله «البوكر» لـ« البيان »: حب القراء جائزتي الكبرى

في فندق فيرمونت باب البحر، حيث تمت مراسيم توزيع الجائزة العالمية للرواية العربية «بوكر»، التقينا بالكاتب الأردني - الفلسطيني إبراهيم نصر الله، وهو يدلي بأول حوار لـ«البيان» في الصحافة العربية بعد فوز روايته «حرب الكلب الثانية» بجائزة «بوكر»، التي ستتيح لها الترجمة إلى لغات عالمية عديدة، حيث قال إن حب القراء هو جائزته الكبرى، وفي هذه الرواية يخرج صاحب الملهاة الفلسطينية من حدود فلسطين، إلى عالم أرحب، بمزيج من الغرائبية والفنتازيا والخيال العلمي، وبتقنيات مستقبلية، ليعود بنا إلى فلسطين من باب الطبيعة والبيئة المهددة، بدأنا حوارنا بالعنوان المثير لروايته:

ألا تعتقد أن عنوان روايتك الفائزة بجائزة «بوكر» لهذا العام فيه إثارة، خاصة أنها تتحدث عن حرب كلب ثانية، فهل هناك حرب كلب أولى؟

العنوان هو من أصعب الأمور في الرواية، لأنه واجهة الكتاب أو عتبته، فلا بد من أن يكون جميلاً وجذاباً، ومعبراً عن جوهر الرواية. جاء عنوان «حرب الكلب الثانية» ببساطة من سير الأحداث، يعني أن هناك حرب كلب أولى، وحرب كلب ثانية، كما تفضلت. لكن كان عندي خيارات كثيرة، منها حرب الكلب، لكنني أرتأيت أن يكون العنوان حرب الكلب الثانية لانسجامه مع أحداث الرواية. إنني أركز كثيراً على العنوان، وذات مرة أخّرت صدور روايتي لمدة عام حتى أجد عنوان «حارس المدينة الضائعة» لها.

هل تعتقد أن روايتك خرجت عن نطاق اهتمامك المعروف في مشروعك في الكتابة عن فلسطين؟

من يقول إن هذه الرواية ليست عن فلسطين. إذا تواصل هذا الدمار الأسود، لن نصل إلى حلمنا المنشود. الطبيعة والبيئة ليستا منفصلتين عن فلسطين، فنحن ابتلينا بعدو يشنّ حرب كلب علينا منذ أكثر من قرن، ولا نزال نقاوم حتى هذه اللحظة، إذ لم نر في حياتنا عدواً معادياً للأشجار والماء والهواء والزيتون والأطفال، لذا أعتبر هذه الرواية في صلب قضيتنا الفلسطينية، لأن هناك معارك لا ينتصر فيها أحد، فإذا دُمرت الطبيعة لن ينتصر أحد، حتى أبناؤهم لن يستمتعوا بهذا النصر، ولن يكونوا قادرين على الاحتفال به.

كيف كانت الاستجابة الأولى لكتابة هذه الرواية، ما الإلهام الذي جعلك تشيّد هذا الهرم السردي؟

الرواية مستوحاة من أحداث كثيرة، وخاصة ما حدث في العقد الأخير، وما تركته من أثر كبير في حياتنا، مثل تمزيق البلدان، وتشتيت الشعوب، وتخريب أعماق الإنسان، إنه العنف الدموي الذي يشمل كل شيء. تلك الأحداث الدامية في العالم العربي مهّدت لكتابة روايتي، وكانت بمنزلة المقدمات لها، وبلا شك، تنضج الرواية على مهل، وهي بحاجة إلى سنوات لكي تكتمل. كنت منشغلاً بكتابة رواية أخرى، وهي «دبابة تحت شجرة عيد الميلاد»، أحسست أن هذه الرواية بدأت تلحّ بشكل كبير، لذا باشرت كتابة بعض أحداثها.

سطوة الغطرسة

نشعر في رواية «حرب الكلب الثانية» أن أبطالك كونيون أو يفكرون في الكون، ولا يهتمون بالواقع الراهن؟

أعتقد أن ظاهرة العنف العالمية والعربية وسطوة الغطرسة التي تُمارس علينا لا يمكن أن تنجو، وهي تفسد العالم إلى هذا الحد، ذلك هو جزء من هذه الرواية. العنف الذي يمارسه الإنسان ضد الآخرين وضد نفسه، وضد جاره، وضد وطنه، وضد الطبيعة، لن ينجو منه شخص ولا دولة.

هل يمكن اعتبار روايتك مستقبلية، لأن أبطالها يتحدثون عما يمكن أن يحصل لهذا الكوكب، وقد سبق للسينما أن عالجت هذا الموضوع؟

أعتبر رواية «حرب الكلب الثانية» رواية المستقبل، ولا تدور حول الراهن العربي الآن. وأنا سعيد لأنها أول رواية تتحدث عن المستقبل وتحظى بجائزة، هذا يعني أن الكتّاب يتمتعون بمساحة كافية للتفكير من دون خوف.

مسألة كونية

أنت تعالج في روايتك مسألة كونية تتعلق بمسألة التوحش التي تغزو كوكبنا وأنت تقارن في روايتك «حرب الكلب الثانية» بين الحيواني والإنساني، وتؤكد أن الإنسان سرق كل شيء من الحيوان ويقوم في نهاية المطاف بإبادته؟ كيف يحصل ذلك والبشرية قطعت أشواطاً في التنوير والتقدم والإبداع؟

هل بلغنا التنوير في أقصى درجاته فعلاً أم أننا تحدثنا عن التنوير كثيراً، ولكننا لم نستطع أن نكون مستنيرين، هذه هي إحدى مشكلاتنا كما أعتقد.

بالنسبة إلى ذكر الحيوانات، ثمة حيوان ما يلعب في رواياتي وحتى في أشعاري، ولعلي أشير هنا إلى ديواني «الذئب والذئبة»، هما بطلا الديوان المذكور.

أعتقد أن البشر سرقوا موهبة الحيوانات، وبالتالي عملوا على إبادتها. هذه الحوارات تتكرر في الرواية، نحن لم نكتفِ بسرقة مواهب الحيوانات بل قمنا بتصفيتها، بينما هي شريكتنا على الأرض.

وكانت موجودة قبلنا، وأكثر من ذلك، فنحن سرقنا حتى موهبة الأشجار، وكثير من الاختراعات مأخوذ من بعض الأشجار والنباتات التي توصلت بطريقة ما إلى أن تنتج مضادات أو حماية.

ماذا يمكن أن يحدث لو كان هذا الكون خالياً من الحيوانات؟ كيف سيكون شكل هذا الكون؟ أما مسألة الحيواني والإنساني فقد استخدمناهما بشكل سلبي، الحيواني يعني سلبياً، والإنساني يعني إيجابياً، وهذا خطأ كبير اقترفناه ومارسناه من موقع التفوق على هذه الكائنات، لأننا نتملك القدرة على إبادتها والتحكم بمصائرها كما نشاء. التساوي موجود، إنني الآن أميل إلى الحيوانية الماكرة في الطبيعة أكثر من ميلي إلى الإنسانية المتوحشة.

يذهب الحيوان ليقتل فريسة واحدة في الوقت الذي يذهب فيه الإنسان للصيد، لكي يقتل مئة طير أو يقتل عشرات الآلاف من الأسماك، هذه هي الحيوانية الحقيقية.

عنصر الأنوثة واضح في مسار الرواية وما يطغى عليه من روح سوداوية، بينما في رواياتك السابقة كانت النساء سعيدات إلى حد ما؟

النساء دائماً عندي رائعات، لكن هنا أتحدث عن الإنسان، وفي روايتي الأولى «براري الحمى»، وردت عبارة لطيفة «تختفي الأنوثة والرجولة معاً». والهاجس الأكبر عندي هو الإنسان في الرواية، سواء كان امرأة أم رجلاً، الهدف هو هزّ أعماق المرأة والرجل معاً، وفي النهاية هّز أعماق الإنسان، لكي يصحو على ما يحدث.

أطياف الكارثة العربية

هل تعتقد أن هذه الرواية قطيعة مع رواياتك السابقة؟

بالعكس، أنا أعتبرها تواصلاً مع رواياتي السابقة، وهي جزء من مشروع «الشرفات»، وقد تكون رواية مثل «شرفة رجل الثلج» الجزء الأول من هذه الرواية، أو مقدمات الحرب لهذه الرواية.

هل قرأت الروايات الأخرى المشاركة في المنافسة على الجائزة؟

نعم، شعرت بأن هذه الروايات تجسّد أطياف الكارثة في العالم العربي، وهي تتميز بالتنوع.

أعمالك المستقبلية؟

هناك ثلاثية كنا قد أعلنا عن صدورها في غضون الشهر الحالي، لكنني آثرت أن أؤجل نشرها، لأنها تشكّل تضارباً بينها وبين رواية «حرب الكلب الثانية»، وهذه ثلاثيتي المقبلة «دبابة تحت شجرة عيد الميلاد» و«ظلال المفاتيح» و«نور العين»، روايات متصلة ومنفصلة تدور عن الحياة المدينية الفلسطينية، وجمالياتها، والموسيقى والغناء في المجتمع الفلسطيني قبل النكبة. وفيها تحية خاصة لدور إدوارد سعيد وجبرا إبراهيم جبرا وإميل حبيبي، الرموز التي نعتز بها، والتي رفدتنا بأجمل ما عندها.

وفيها بلدية مدينة ساحور التي قامت بأهم عصيان فلسطيني على الإطلاق، في الانتفاضة الفلسطينية الأولى، وهي ملتصقة ببيت لحم تماماً. والرواية الثانية تتحدث عن قسيس فلسطيني، راعي كنيسة في بيت لحم. والأخرى عن امرأة اسمها كريمة عبود، وهي أول مصورة فلسطينية عربية على الإطلاق.

نهضة روائية

هل تعتقد أن هناك ازدهاراً للرواية الفلسطينية في الوقت الحاضر؟

أعتقد ذلك، حققت الرواية الفلسطينية في السنوات العشر الأخيرة نهضة روائية مهمة، ليست ضمن مفهوم الوطن الضيق، برغم كل ظروف الحصار والحرب، أي أن هذا الشعب غير قابل للذوبان، ولا يمكن إفقاره لأنه حي.

ما رأيك في الجائزة العالمية للرواية العربية «بوكر» التي نالتها روايتك «حرب الكلب الثانية؟

فرحت بالجائزة فرحاً كبيراً وبردود الفعل الرائعة والمذهلة للقراء، إنهم جائزتي الكبرى.

نصر الله ينفي معرفته المسبقة بفوز روايته

نفى الروائي إبراهيم نصر الله معرفته المسبقة بفوزه بالجائزة العالمية للرواية العربية «البوكر» 2018، وقال: «لم تكن هناك أي تسريبات، والكلمة التي ألقيتها عقب الإعلان عن الفوز، كتبتها بناءً على طلب إدارة الجائزة من جميع المترشحين للقائمة القصيرة، بكتابة كلمة مدتها 3 دقائق يلقونها في حال فوزهم».

جاء هذا خلال مؤتمر صحفي عُقد عقب حفل الإعلان عنه فائزاً عن روايته «حرب الكلب الثانية»، وذلك مساء أول من أمس، في فندق «فيرمونت باب البحر» في أبوظبي.

حضر المؤتمر البرفيسور ياسر سليمان، رئيس مجلس أمناء الجائزة الذي أدار المؤتمر، والأديب والناقد الدكتور إبراهيم السعافين، رئيس لجنة التحكيم، وفلور مونتانارو، منسقة الجائزة.

وفي مستهل المؤتمر، قال إبراهيم نصر الله: «تتحدث الرواية عن أنه لا يوجد شيء إلا ويحدث في العالم، ومهما غيّرنا لن نغير تماماً، وإن قررنا أن نهرب من الواقع فإلى أين سنهرب». وأضاف: «تتناول الرواية المستقبل، وهو ما يدل على وجود مجال للمغامرة دون أن نكون خائفين».

وأوضح: «في كل رواياتي وحتى أعمالي الشعرية توجد الحيوانات». وأشار إلى أن الحيوانات شريكة للإنسان على هذا الكوكب».

وأكد نصر الله أن روايته الفائزة تتحدث عن فلسطين، وذكر: «إذا واصلنا الدوران سنصل إلى فلسطين التي نريدها، فالحديث عن الطبيعة والبيئة ليس معزولاً عن فلسطين».

وأشار د. إبراهيم السعافين إلى الجهد الكبير الذي بذله أعضاء لجنة التحكيم، بهدف التوافق للوصول إلى قوائم الجائزة.

أساليب متعددة استخدمت في الرواية

تحتوي رواية «حرب الكلب الثانية» على أساليب متعددة، كما يقول الكاتب الفائز بجائز «بوكر»: لم أختر الخيال العلمي، بل اخترت اتجاهات عديدة أخرى. وأقول دائماً إن في أعماق الإنسان مجموعة تناقضات لا تنتهي، ومجموعة أفكار شكلته، وهي لا تنتهي أيضاً.

أحياناً تكون متضاربة وأحياناً أخرى تكون متوافقة، لأنها تعبّر عن الواقع الذي نعيش فيه، والرواية تعبر عن ذلك، لذا لا يمكن أن تعبر بأسلوب تقليدي عن واقع غير تقليدي على الإطلاق.

لا تنبع الرواية من فراغ، بل من تجربة طويلة. كل عمل يعيش فينا بطريقة أو بأخرى. وجميع التقنيات التي استخدمتها في الماضي مثل الغرائبية والفانتازيا والأشكال السينمائية موجودة فعلاً في هذه الرواية، لكنها مدفوعة إلى الأمام. وتكمن الصعوبة في تأثيث المستقبل بالاختراعات، إذ لا يمكن إقناع القارئ دون ذلك.

الحرب أكبر تجربة للإنسان لضبط غرائزه

يتحدث الكاتب إبراهيم نصر الله عن العنف والتطرف، قائلاً: ليس هناك كلمة واحدة عن «داعش»، ولا عن «النصرة»، وغيرها من التنظيمات المتطرفة التي عبثت بحياتنا، لكنني أعتقد أنها موجودة تحت كل سطر من سطور الرواية، وتقول لنا: ما الذي يحدث لنا إذا تواصل العالم على هذه الحال؟ والموضوع لا يخص الجهات المتشددة، بل يمتد إلى الجميع، أو استعداد الجميع.

الحرب أكبر تجربة للإنسان في ضبط غرائزه وعدوانيته ووحشيته. إنه لم يستفد من ذلك التراكم العظيم الذي أنجبه الأدب، والمسرح، والملاحم، والفلسفة والفكر والرسالات السماوية المقدسة. هذه مسألة تؤرقني إلى حد كبير. والسؤال في الرواية يأتي على هذا الشكل: من الذي يريده الإنسان؟ هل يجب إلغاء الماضي؟ فالإنسان لم يستفد من خبراته على الإطلاق.

لا يمكن كتابة رواية بدون أحداث يومية

عن الرواية الفكرية، قال إبراهيم نصر الله: لا يمكن كتابة رواية بدون أحداث يومية وبدون علاقات إنسانية، لكن السؤال هو: أي مدى يمكن أن نتعمق في الأحداث؟ أنا لا أكتب رواية كلاسيكية كما تعلم، بل أطمح إلى كتابة رواية حديثة، كما وصف النقاد روايتي الأولى «براري الحمى» بأنها تنحو نحو ما بعد الحداثة. وقد جربت كتابة جميع أصناف الرواية بأساليب التجريب، الفناتازية والغرائبية والرواية التاريخية، والمقلوبة، أي نقل الأحداث من الماضي إلى المستقبل.

ثم عندما تطرح موضوعاً قوياً، أنت تضطر إلى التفكير في قضايا على مستوى فكري عالٍ جداً. أنا أفكر في مصير الإنسان ومصيره من الداخل، وجورج أورول كان مشغولاً بقوة السلطة، وفسادها وهيمنها، بينما روايتي معنية بفساد البشر، وعندما يفسد الناس تفسد السلطة تلقائياً، وحينما يصلح الناس تصلح السلطة. هذه هي المعادلة.

تعليقات

تعليقات