الروائي البريطاني أليكس وتل:

دبي أصبحت واحة ثقافات العالم ومركزه

أثناء مشاركته في «مهرجان طيران الإمارات للآداب 2018» التقت «البيان»، الروائي البريطاني أليكس وتل، الحائز جائزة «ذي غارديان لرواية الطفل» 2016، في استراحة قصيرة، وفي الحوار معه، أراد أن يوضح أشياء عن كتابته والأجواء التي مهدت لظهوره كروائي «من الطراز الأول»، وانضمامه إلى مجموعة من الكتاب المتميزين الحاصلين على الجائزة، ومنهم: تيد هيوز، فيليب بولمان، مارك هادون، وجاكلين ولسن. كما أكد سعادته بالمشاركة في مهرجان طيران الإمارات للآداب هذا العام، مبيناً أنه يتوق إلى زيارة دبي مجدداً.

وقد أمضى وتل جزءا من طفولته في أحد مراكز الأحداث في بريطانيا، وفي سنة 1977 ظهرت موهبته في الموسيقى والغناء قبل أن يتجه إلى الكتابة.

ونشرت روايته الأولى «بركستون روك» سنة 1999، تلاها روايات: «ذي سفن سسترز» 2002، «آيلاند سونغس» 2005، «ليسي بت» 2015، «كرونغتون نايتس» 2016، «ستريت أوتا كرونغتون» 2017.

كيف ترى وتقيّم مهرجان طيران الإمارات للآداب؟

في الواقع إنه رائع، ولو أردت الحقيقة فأنا لم أشاهد مهرجاناً كهذا، في العادة عندما أشارك في أي مهرجان في بريطانيا فإنني أقوم بمهمتي أو الفعالية التي أشارك فيها ثم أغادر المكان، غير أنني في هذه المرة ومن خلال هذا المهرجان منحت المزيد من الوقت لكي أتمكن من حضور الفعاليات التي يقوم بها الكتاب الآخرون، وقد أتيح لي أن أشارك في حلقات نقاشية وفي حلقات قراءة أيضاً وقد وجدت هذا ممتعاً ورائعاً.

أقول عن تواجدي لمدة خمسة أيام في هذا المهرجان إنه جعلني أحصل على فرصتي وأقوم بأشياء أخرى كرؤية دبي، وبالتالي فهذه الجولة تجربة مذهلة بالنسبة لي، أن التقي الناس شيء مدهش ويبدو لي أن دبي ربما أصبحت مركز العالم وواحة ثقافاته، إذ فيها تجتمع العديد من الثقافات وتتفاعل، وهؤلاء الناس الذين يأتون من دول مختلفة لديهم تجربة ثرية.

تفاعل إيجابي

هل هذه هي المرة الأولى التي تشارك فيها بمهرجان طيران الإمارات للآداب؟

أجل، وأنا أتوق إلى زيارة دبي مرة ثانية بصحبة عائلتي لكي نستمتع كلنا بهذه الأجواء الفريدة، لا سيما ما يتعلق بلقاء الثقافات.

يبدو أن اهتمامك بالحوار بين الثقافات والتواصل الحضاري كبير أيضاً؟

نعم. أنا كذلك، لقد اعتدت على الذهاب إلى جنوب لندن لزيارة أهلي، إن والديّ يقيمان هناك وهما في الأساس من المهاجرين «الجامايكيين». وأريد أن أشير هنا إلى ملمح مهم يتمثل في ما رأيته بالخصوص في دبي ودولة الإمارات، فالجميل أنك ترى الناس هنا في حالة تفاعل إيجابي واحترام لبعضهم البعض، وهو ما يحملني على الشعور بالراحة والاستمتاع في هذه الأجواء.

لقد اطلعت على سيرتك الشخصية ووجدت فيها ما يمتع ويمكن أن يضيف إلى معلومات الآخرين، لا سيما عن طفولتك...

إن سيرتي الذاتية ترتبط بحياتي كطفل في مؤسسة لرعاية الأحداث، وهو بالطبع ليس بالمكان الجيد أو المناسب لأن يتواجد فيه الإنسان في هذه المرحلة، ولذا فعندما أكتب فإنني أسترجع في ذاكرتي هذه المرحلة، وهذا نوع من المساندة التي أقدمها للآخرين من أفراد المجتمع الذين يجدون أنفسهم في مثل هذا الموقف، والشيء السيئ أنه يتم التعامل معهم بوحشية ليعيشوا حياة صعبة ويواجهوا بالإقصاء من مجتمعات معينة ويحرموا من الحصول على فرصهم في الحياة.

إن هذا ما تجسده رواية «كرونغتون نايتس». وهي عمل يلقي الضوء على مدينة بريطانية متخيلة تشبه المدن الحضرية المعاصرة، هكذا الحياة فيها، وقد أردت أن أوضح في هذه الرواية الأخطاء التي ترتكب في حق الآخرين.

وأردت كذلك أن أتأمل حياة أولئك الذين يعيشون فيها دون أن يكون لهم قيمة في الحياة، هؤلاء الذين يعيشون في إطار عائلات مفككة محطمة، والحقيقة أنها نفس الخلفية الاجتماعية التي أتيت منها، إنني أؤمن بأن كل حكاية في حياتنا لها أهمية خاصة بغض النظر عن انتمائنا، أو غنانا أو فقرنا فإن كل إنسان لديه قصة تستحق أن تكون رواية.

لا تصنيف

إن هذا جميل أليكس، وقد كانت رواية رائعة بالفعل، ولكن أخبرنا، هل كانت موجهة للأطفال أم هي موجهة للكبار بينما موضوعها يناقش شأناً يتعلق بالطفل؟

بالنسبة لي، أي عمل موجه للجميع سواء كنت تسميه رواية أو قصة، وفي الواقع أنك عندما تعيش في أسرة مفككة فمن الجدير بك أن توجه الخطاب إلى كل أفرادها، وكونها قصة طفل لا يعني أنها غير صالحة للقراءة من قبل الكبار أو أنها لا تتعلق بهم. الحقيقة أنني لا أؤمن بأن روايتي موجهة للأطفال أو المراهقين أو الكبار، لأن كل شخص معني بها، أنا لا أصنف أعمالي كذلك، إن الناشرين وحدهم من يفعلون ذلك. وبالنسبة لي فإن أعمالي ينبغي أن يقرأها الجميع، لأن الكبار والصغار على حد سواء ينبغي لهم أن يتذكروا معاناتهم وهي ربما تكون كما وصفتها في رواياتي.

وهل حصلت على جائزة غير عادية عن هذا العمل؟

أجل حصلت على جائزة صحيفة الـ«غارديان» للكتب لسنة 2016 التي أفتخر بها، وهي جائزة كدت أن أبكي من أجلها لشدة الفرح عندما تسلمتها، لأنها جعلتني أتذكر بداياتي في الحياة، بداياتي الصعبة، وكيف كنت أعامل بوحشية عندما كنت صغيراً، وكيف أن الآخرين الذين كانوا يشرفون على رعايتي كانوا يعاملونني بمنتهى القسوة، فقد كانوا يتعاملون معي على أنني طفل ينتمي إلى شريحة دونية، وأنني لن أكون أي شيء في المستقبل، أو يكتب لي النجاح في حياتي على الإطلاق، وبالتالي فقد كنت أثناء استلامي الجائزة أتذكر كل هذه الأحداث وأقاوم بشدة رغبتي في البكاء.

خيارات خاطئة

روايتك «كرونغتون نايتس» الفائزة بالجائزة التي تقع أحداثها في «ساوث كرونغتون استيت» مهمة، حتى إنها وغيرها تدرس للتلاميذ في بريطانيا، وهناك واحدة من ثلاثية كتبتها وهي روايتك الأولى «بركستون روك»، هلا حدثتنا عنها؟

«بركستون روك» هي روايتي الأولى فعلاً، وهي مكتوبة بلغة قريبة من لهجة الشارع، اللهجة الجامايكية التي يستعملها الناس هناك يومياً، بطلها طفل يعيش مع أمه وجدته في عوز، ورغم أن الجدة إنسانة حكيمة، إلا أننا نعرف أنه عندما نعيش أحياناً في مجتمع كهذا يكون لدينا استعداد لأن نقوم باختيارات خاطئة في حياتنا، لماذا؟ لأنه ليس لدينا المال الذي يمكننا أن نعيش بواسطته حياتنا كما ينبغي لنا كبشر، وبالتالي فقد نتعرض للانحراف وننضم إلى عصابات مثلاً، فقط من أجل أن نوفر لأنفسنا كأطفال الملابس والأحذية التي نراها لدى الآخرين في المدرسة، غير أن الثقافة الغربية لا يمكن لها أن تصغي لهذا الشيء، هؤلاء أناس فقراء وليس لديهم القدرة على اقتناء الملابس الراقية أو الهواتف الأحدث، وبالتالي فإن وجهة النظر النمطية السائدة هي أنك إن لم يكن لديك هذه القدرة على الاقتناء فلن تكون لك حينها قيمة، وهو ما يعني أن هناك ضغطاً عاماً في بعض المجتمعات يمارس على الشباب لكي ينحرفوا، وهكذا فهم يدفعون بك إلى الإقدام على خيارات خاطئة.

أتصور أنه هنا يكون للذاكرة دور مهم لدى أليكس وتل، أليس كذلك؟

أجل، الذاكرة لدي تلعب دوراً مهماً في الكتابة، لك أن تتصوري أنني قد مررت بهذه الاختيارات وكنت أسأل نفسي ما إذا كان ما أفعله صحيحاً أم لا، لقد ظلت هذه الأشياء في ذهني وكنت أعي تماماً ما يعنيه أن تكون فقيراً، وكان لهذا الوعي أهميته.

أتذكر طفولتي عندما كنت في الثالثة عشرة والرابعة عشرة، حينها كنت متمردا على حياتي، ولم أكن أقبلها، كما كنت أفكر بطريقة تجعلني أحصل على ما أريد. لك أيضا أن تتصوري كل المراهقين حول العالم لديهم نفس المشاعر والنزعات. كما إن لديهم الرغبة نفسها في توفير ما يحلمون به سواء كانوا يعيشون في لندن أو نيويورك أو أية مدينة كبرى، وهذا ما أسميه الإغواء الذي يقودك إلى الاختيارات الخاطئة.

لغة مختلفة

تكتب رواية رقيقة شاعرية وجميلة رغم هذا العنف الذي تتميز به شخصياتك، وهي لغة يشيد بها النقاد، ماذا عن هذه اللغة؟

حسناً، عندما كنت صغيراً كنت أستمع كثيراً إلى موسيقى «الريغي» تعرفين، موسيقى «بوب مارلي»، وفيما بعد بدأت أستمع إلى موسيقى «الهيب هوب» كما كنت مغرماً بالأفلام، وبالتالي فإن لغتي مقتبسة من الموسيقى والرقص والأفلام التي كنت أشاهدها، لقد جمعت كل هذه الأشياء وصغتها بلغة قصصية أصبحت لغتي فيما بعد.

وبالمناسبة فإن اللغة الإنجليزية فيها شيء من المرونة استفدت منه وقمت بمناورة لغوية للوصول إلى غرضي. إن القارئ عندما يطالع كتاباتي يكتشف هذه التجربة، وفي الواقع فأنا أسعى إلى الخروج بلغة مختلفة جديدة تأتي من هذه التوليفة من الكلمات والعبارات والتعبيرات الدارجة التي أسمعها من الناس.

لو تكلمنا عن الإلهام...؟

إن الإلهام بالنسبة لي هو بوب مارلي ودنيس براون، أعشق هؤلاء الموسيقيين لأن أعمالهم تسليني وتمنحني القدرة على الاستمرار، تجعلني أشعر بالفخر.

كذلك هناك آخرون، ففي أواخر ستينيات القرن الفائت، عندما كنت قادماً جديداً إلى بريطانيا لم تكن هناك نماذج كثيرة ملهمة، حتى على شاشة التلفزيون، لكن كان هناك لاعب كرة القدم البرازيلي الشهير «بيليه» و«فيفيان رتشاردس» لاعب الكريكت و«سي إل آي جي» وهو كاتب «تريندادي» كان أول من قرأته وكنت أحلم بأن أكون بمستواه، كنت أستمتع بأدائهم وأقول لنفسي: أجل هناك من يلهمني، من يقول لي أليكس انهض وإذا كان اليوم سيئاً فغداً سيكون أفضل.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات