مؤلف «تباً للرواية» يستدعي بلغته وأسلوبه أجواء عصر النهضة

عمرو دهب: متى يرفع كاتب المقالة رأسه بين الأدباء؟

«تباً للرواية» عنوان كتاب ليس لافتاً فقط، وإنما صادم، خاصة أننا نعيش عصر الرواية بامتياز، فهي سيدة المشهد الأدبي، الأكثر مقروئية واحتفاء وتصفيقاً، وليس ذلك على المستوى العربي فحسب، وإنما في كل مكان كما نحسب، إذاً فكيف يتأتى لكاتب جريء أن يقرع طبلاً يعلن به الحرب على هذا النحو الغاضب، ضد سلطانة الكتابة في زمان الناس هذا، تلك التي يخطب ودها القاصي والداني، بحق وبدون وجه حق أحياناً، بل حتى الشعراء الفحول وكتاب القصة قاطبة انصرفوا إليها، ربما لكي يسلموا من معاكسة التيار القوي الذي صنعته لنفسها، أو صنع بفعل فاعل، وفق ما زعم مؤلف الكتاب عمرو منير دهب.

يقول:«تباً للرواية» زفرة تطال أياً من أجناس الأدب إذا همّ عشاقه بتنصيبه ملكاً مقدساً، وسعوا إلى قمع المعارضة الأدبية من سائر أجناس الكتابة الأخرى بما يشبه التفويض السماوي المطلق!.

إذاً فنحن بصدد عملية زجر لا محدودة ضد الشعر حينما كان «ديوان العرب» وهي تباً للقصة القصيرة أيضا حينما كانت يوما ديوانا للطبقة الوسطى، كما كانت تنعت خلال الستينات والسبعينات، فالكاتب عمرو دهب ضد الأسد الأدبي الذي يسمن على حساب الأجناس الأدبية الأخرى حينما تتحول الى خراف أو ربما حملان بريئة، لا راعي لها ولا كلأ، فكل شيء من نصيب الأسد، ملك الغابة، والكاتب بإصداره الماثل يقف ضد هذا الواقع، ولكن إلى أي حد يمكن أن تكون صرخته مسموعة ومؤثرة، وإلى أي حد كانت صرخة حق بريئة، تنتصر لتعايش وتنوع الأجناس بعدل؟ بل هل حالفه الحق فعلاً حينما حمّل الإعلاميين مسؤولية هذه الظروف المنحازة من خلال ترتيبهم بمزاجية لأجندة أولويات الرأي العام.

طلب الصعب

نعتقد أن دهب يطلب الصعب إن لم يكن المستحيل حينما يحاول المساواة في كفالة الفرص أمام صنوف الأدب، لماذا؟

لأنه يريد أن يسقط قانون صراع البقاء المفضي إلى الهيمنة، وهذا ليس إسقاطاً قسرياً لسنن الطبيعة، فالأقوى لابد أن يسود ويستعلي، سواء علا بالعضلات أو بالأفكار والعلم أو بجمع الثروة أو بأي من المواهب التي لا يتساوى فيها الجميع بالضرورة، إذ لابد من ملك دائماً، يستقوي بالظروف المواتية دون سواه، ولكن يمكن أن نقتنع بأن الأيام دول، وسلطان اليوم قد يكون نسله من العامة في أجيال المستقبل البعيد، حينما يسود من ليس في إرثه سلطان وهكذا. ثم إن ثمة بوناً بين العدل بين الأجناس والمساواة بينها، فالمساواة ليست دائما تعبيراً عن العدل.

عمرو دهب في كتابه الجديد المثير للجدل «تبا للرواية - عن حظوة فنون الكتابة» يسعى لأن ينتصر للمقالة، وهو لا محالة كاتب مقالة من الطبقة الأولى، كرس لها ذخيرة من المعارف وفنون التعبير واللغة العالية الرصينة ما إن مفاتحة لتنوء بالعصبة.

بل قد نجازف مطمئنين إلى أنه في كتابه هذا «تبا للرواية» يسرد حكايات ووقائع وأدلة يسوقها حججاً وبراهين لتأكيد صحة زعمه، بطريقة تضعنا أمام تساؤل مفاده: هل هذا الكتاب بما ينطوي عليه من لذة نص وإمتاع ومؤانسة وسرد وحكايات شائقة حول أحداث وشخوص مثيرين.. يعتبر بدوره شكلاً جديداً للرواية؟!.

الكتابة بقوة

نعم إلى هذا الحد يشعرك هذا الكتاب بالمتعة ولكأنك أمام أحد أدباء العصر الذهبي للمقالة «العقاد، والمازني وطه حسين والزيات»، وهو حين يشير في سياق الاستدلال على صحة زعمه، إلى أن الأديب العالمي الكبير الطيب صالح، قدم للأدب العربي في اطار فن المقالة، خاصة مقالاته الراتبة لسنوات في مجلة المجلة، نتاجات غنية بالفن والجمال وقوة المحتوى بما يفوق عطاءه عبر الرواية، فإنه يلفتنا إلى شيئين: أولهما أن الطيب صالح ظلم بالفعل حينما كان يعطي من خلال المقالة عطاءات دسمة وقوية، بينما يتساءل الناس عن توقفه المبكر عن العطاء الإبداعي، وكأنما المقالة ليست فنا ذا شأن يعتد به.

وثانيا ننتبه إلى أن عمرو منير دهب نفسه، بمواهبه وقدراته المتمثلة في الصورة التي كتب بها الكتاب يعد كاتباً من طبقة لا تقل كثيراً عن الطيب صالح، رصانة وجمالاً، بما يجعله من الورثة الشرعيين لمكانة وإسهام الكاتب الراحل، على صعيد المقالة التي بذل لها صالح كامل النصف الأخير من عمره الأدبي.

استدراك

إلا أن أخشى ما نخشاه، هو أن يقع المؤلف في فخ الترويج المبالغ فيه لصالح المقالة، بما يتجه لتكريسها سيدة على الأجناس الأدبية الأخرى باعتبار أنها لم تنل حظها من السيادة وعلو العتبات بين الأشكال الأخرى.

وفي الحقيقة فإن العقود الوسطى من القرن العشرين، قد شهدت سطوة وجبروتا لفن المقال الأدبي «المختلف عن العمود الصحفي طبعاً»، وذلك من خلال أدباء عصر النهضة مثل الأفغاني ومحمد عبده والزيات وطه حسن والمازني ورفاعة الطهطاوي وغيرهم، حيث كان لهذا الفن حضور لا يقل أبداً عن حضور القصيدة، بل كان حضوراً اقوى من القصة والرواية كما نحسب. ولكن عمرو دهب يبحث عن استعلاء جديد وساحق للمقالة بما يقصي غيرها نحو الظل، كما يبدو، وهذا ممكن، ولكن حينما تتغير نظرتنا لشروط المقالة، بما يستوعب التغريدات الرصينة ونصوص الواتس آب ووسائل التواصل الاجتماعي الأخرى.

بين القصيدة والمقال

عن رؤى هذا الكتاب وفلسفته كان لـ«البيان» مع الكاتب عمرو منير دهب، صاحب التجربة الأدبية الطويلة في مجال فن المقال الأدبي هذه الإفادات النوعية التي طالت مسألة هيمنة الرواية وتدافع الأجناس الأدبية حيث يقول:

بدأت شاعراً يرى كل ما عدا القصيدة العمودية الكلاسيكية جديراً بأن ينحسر إلى هوامش الإبداع الكتابي، ونقلاً عن بعض النقاد طفقت أقول إنني استقلت من الشعر، حتى صححني بعضهم بأن الأولى أن أقول تُبت من الشعر.

ومهما تكن، استقالة أم توبة، فلقد انتقلت إلى كتابة المقالة بتأثير أخي محمد (مستغلاً سلطته كأخ أكبر وسلطانه ككاتب فريد) في مزيج من الحياء والإكراه. قال لي محمد إن زمان الشعر التقليدي ربما يكون قد ولّى وإن عليك الكتابة في شيء يجذب الناس. لم أقتنع تماماً بما قال لي حينها (قبل حوالي ربع قرن من الزمان) ولكنني كنت مضطراً لكتابة مقالين أو ثلاثة نزولاً على رغبته، ثم ما لبثت أن وقعت في أسر فاتني المقالة.

المقالة حررتك من قيود القصيدة إذاً؟

الأحرى أنني انطلقت منتشياً في رحاب المقالة الفسيح مستشعراً لذة الخلاص من قيود الأوزان والقوافي، وغير متحرِّر تماماً من سطوة الحنين إليها في الوقت ذاته.إن سحر المقالة يكمن في أن باستطاعة كاتبها أن يضمّنها ما يشاء من فنون السرد وموسيقى الشعر، وفي الوقت نفسه يستطيع أن يكتب مقالة رصينة وجاذبة دون تكلّف موسيقى الألفاظ أو الحاجة إلى شخصيات وأماكن وأحداث وعُقد من أي قبيل.

ولكنك في كتابك المثير «تباً للرواية» تبدو ناقماً ومطالباً بضرورة العناية قليلاً بفن المقالة؟

كل ما تحتاجه المقالة بعض الانتباه الإعلامي، بعض الجوائز السنيّة، وكثيراً من الثقة في إمكاناتها (من قِبل الكتّاب أنفسهم ابتداءً) لتتفجّر بسحر ليس في وسع ناقد السيطرة عليه.

هامة «المقالي»

هل تظن أن المقالة تواجه بذلك عقبات تعترض سبيلها نحو الهيمنة.. ليتك تعددها؟

إن مشكلة المقالة عالميةً وليست عربيةً فحسب، أنها تستحق أفضل كثيراً مما تناله بالفعل من الانتباه والتقدير.

يجب أن يمشي كاتب المقالة مرفوع الهامة في سوح الأدب كتفاً بكتف إلى جوار الشاعر والروائي، مزهوّاً بلقب منحوت خصيصاً من أجله على شاكلة «مقالي».

وإذا كانت المقالة لا تستنكف أن تستوعب قطعة أدبية من مائة كلمة خالية من الزخارف الأدبية، يكتبها «المقالي» كما يتكلّم، فذلك فضلها على سائر الأجناس الأدبية وليس عيباً يشينها.

كيف تصف لنا من جانبك فحوى كتابك «تباً».. بأمانة؟

يعرض الكتاب لسيطرة الرواية على المشهد الأدبي العربي حالياً من خلال ما أرى أنه ظاهرة غير حميدة على المستوى الأدبي، و أنا لست ضد الرواية مجملاً وإنما ضد أن ينفرد بحظوة الانتشار واحدٌ من الأجناس الأدبية على حساب غيره بفعل فاعل من المؤثِّرين في الرأي العام الأدبي إيهاماً بأن ذلك الانفراد قدَرٌ لا مناص منه على شاكلة الحتميّات التاريخية في السياسة والاقتصاد.

ولكننا لمسنا روح الرواية ومتعتها في ثنايا كتابك المقالي تباً للرواية ؟

أعترف بأنني لا أسلم من أعراض الانجذاب إلى غواية الرواية، عقب الوقوع في براثن عمل روائي بديع، لكنني لا ألبث أن أنجو من الاستمرار في تلك الغواية عقب الفراغ من قراءة العمل مهما يكن بديعاً. وما أقصده بالنجاة من فتنة الرواية هو الخلاص من الاستسلام لِوَهْم أن الرواية جديرة دون غيرها من الأجناس الأدبية بالسيطرة على وجدان متلقي هذا الزمان.

ولكن النقاد المرموقين حسموا أمر السيادة للرواية بالإجماع تقريباً؟!.

ليس من الحكمة أن يؤسس ناقد لتسيُّد أيٍّ من فنون الكتابة على غيره، ولكن إذا لم يكن ثمة مناص من ذلك الصنيع فالمقالة ليست سيدة الأجناس الأدبية لهذا الزمان فحسب وإنما هي مؤهلة لأن تحمل اللقب لأجل غير مسمّى من الأزمنة.

علامَ تؤسس تنبؤك هذا في ظل الرأي القائل بأن المقال أيسر وأقل تعقيدا من النسج الروائي المتأني طويل النفس؟

درجة صعوبة الكتابة ليست المعيار الأنسب لتقييم الأعمال الأدبية، ولكن من قال إن المقالة أيسر كتابةً من الرواية؟

مقارناتك بين فن القصيدة وفن الرواية بدت في الكتاب ممتعة جداً ولا تخلو من مفارقات وانتباهات ذكية؟

إذا كان الشعر العربي قد اتُّهم بالكذب والمبالغة على مدى تاريخه العريق، فليس أكذب من الرواية، ولا أشد مبالغة منها بين سائر فنون الكتابة على إطلاقها. الرواية ليست ديوان العرب في هذا الزمان، وإنما هي موضة هذا الزمان ليس إلا.

ولكنك تطرح المقالة بديلاً لا خياراً حينما تنتصر لها إلى هذا الحد البعيد؟

عدا الشعر وفنون السرد يكاد كل أدب مكتوب لا يخرج عن إطار المقالة، وببعض التوسّع فإن المقالة قابلة لاحتواء الشعر وفنون السرد برمّتها.

كلمة أخيرة؟

اختار لكم من مقدمة الكتاب: بعيداً عمّا أحب وصفه بالموضوعي مما سبق وما ورد تفصيله في ثنايا الكتاب من الأسباب، يطيب لي أن أجاهر باللذة التي تعتريني جرّاء المبادرة إلى مناوشة كل ما هو روائي انطلاقاً من نزعة شخصية محضة في المكايدة، فما بيني وبين الرواية من علاقة شخصية لا يحتمل وصفَه بالاستلطاف بأية حال.

الكتاب

كتاب «تباً للرواية - عن حظوة فنون الكتابة» للأديب عمرو منير دهب، كتاب يقع في حوالي مئتي صفحة من القطع الوسط، صدر في يوليو 2017م عن الدار العربية للعلوم ناشرون، في بيروت، هذا الكتاب الذي ينطوي على 45 مقالاً أدبياً تنحو منحى الرصد والتأمل والتحليل حيال ظاهرة حظوة الأجناس الأدبية وسيادتها على بعضها.

المؤلف

عمرو منير دهب، أديب سوداني مواليد الخرطوم عام 1968م، خريج هندسة كهربائية، مقيم في الإمارات منذ عام 1999م، بدأ شاعراً ولكنه اصدر 16 كتاباً كلها في فن المقال طالت شؤون الكتابة والنقد الاجتماعي والنقد الفني.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات