يعكف على أسطورة الـوَعْـل في مخيلة مجتمع الجزيرة العربية

الدغيشي: المثيولوجيا تُجرد فاعليتنا والتاريخ يعيدها

صورة

الأكاديمي العماني د. حمود الدغيشي، الناقد والباحث في علم الأساطير أدباً وشعراً، صاحب دراسة الأدب القديم في ميثولوجيا الشعر الجاهلي، وأبحاث عديدة أخرى في الآثار، وصاحب الدراسات الواسعة في مجال حضارات الشعوب، وهو كاتب البحث العلمي المحكّم في قصة إبراهيم ولوط في القرآن الكريم، والأستاذ الزائر في جامعة جيفرسون الأميركية للناطقين بغير اللغة العربية عام 2014م يتحدث اليوم لـ«البيان» باستفاضة نادرة عن أبحاثه الأكاديمية المنجزة في علم الميثولوجيا.

معروف عنك دكتور أنك تقدر العمل البحثي وتنقش في زواياه المجهولة، ولك سيرة أكاديمية رصينة في ذلك، فما هي آخر أبحاثك التاريخية المنجزة؟

- لا رَيْبَ أنَّ العملَ البحثي مُقَدَّرٌ عند الباحثين، ولستُ بِدْعاً في هذا، وقد آمنتُ بالعمل البحثي أيّما إيمان، لا سيما أنّ البحث في الميثولوجيا، والأديان القديمة ومعتقداتها عند الشعوب القديمة، وربط كلّ ذلك بحياة العرب في العصر الجاهلي، يتطلّب قراءات عميقة وطويلة في شتّى العلوم والمعارف؛ الأدب، والآثار والتاريخ الذي يرجع إليه كثيرٌ من الأدلة العِلمية في إثبات وجهة النظر التي أعتقدها.

أمّا بالنسبة للبحث الأخير المُنجَز فقد كان عن المطر، والاعتقاد بقدسيّته عند الشعوب القديمة عامة، وعند العرب خاصة، فقد كانت الحاجة عند عرب الجاهلية إلى عبادة الأصنام لأجل المطر: «نستسقي بها المطرَ ونَستنصِرُ بها على العدوّ». وفي سبأ القديمة كانوا يقدِّمون لكوكب الزهرة «عثتر» كثيراً من القرابين من أجل الاستسقاء.

وقد مارَسَ الطقوسَ العقديّة والممارسات السِّحرية لاستجلاب المطر والاحتفاء بنزوله شعوبُ الأمم القديمة؛ فالطقس هو المقابل الفعلي للأسطورة، لأن الإيمان بأيِّ معتقدٍ أو دينٍ يحتاج من أجل بقائه طقوساً تقوِّيه وتثبّته، وتضمن له البقاء ما بقِيَ المؤمنون.

اختلاط الحكايات

يقول الغرب إن الميثولوجيا دخلت علينا من الإغريق، لنكتشف نحن العرب أن لدينا قصصاً من التراث، بينت بعد دراسة أصول مدننا القديمة من خلال ارتباطها بالميثولوجيا، فأين الأسطورة أمام التاريخ؟ وأين الحقيقة أمام الأكذوبة؟

أبدأ كلامي بما قاله باتريك دولابان: «إنّ الشعوب التي ليس لها أساطير، تموت من البرد». فلا تكاد أمّة يخلو تراثها من أساطير، ولم يعد لكلام بعض الباحثين الغربيين أيّة قيمة علمية، لا سيما بعد الاكتشافات الأركيولوجية العربية، فضلاً عن أنّه لا يمكن نسبة الأسطورة إلى شعب بعينه أو عقلية ما، فالأسطورة تراث إنساني عالمي، وإن اختلفت الأفكار والممارسات إلا أن الجوهر واحد والمنبع كذلك.

الإغريق لم يفرِّقوا بين الحكاية المقدَّسة (الأسطورة) وبقية الحكايات التي يمكن أن نطلق عليها «الدنيوية»؛ لهذا تختلط الحكايات في تراثهم وآدابهم؛ لعل من هنا كان أنْ حدث التداخل بين الأسطورة وبقيّة الأجناس الأدبية.

ذو شجون

الهوية ظاهرة جغرافية، وفي الخليج العربي حمل المواطنون الإرث الإنساني لهم من الماضي إلى الحاضر، لتصبح الهوية طريقاً للفخر... برأيك هل نسعى في مصادرنا المكتوبة إلى تمييز التاريخ عن الأسطورة، من خلال رسم حدود بين الروايات البطولية والأحداث التاريخية منذ القرون السالفة؟

هذا الأمر ذو شجون؛ فالأسطورة والتاريخ يختلفان في نقطة جوهرية، وهي أنّ الأولى تُجَرِّد الإنسان من فاعليّته في الوجود، بينما تمنح الثانية الإنسان تلك الفاعلية في حدود القوانين الكونية، ومع هذا فإنّ العلاقة بينهما علاقة رَحِمٍ وتجذُّرٍ، لكنّ الأولى تحتلّ مكانة عظيمة في نفوس المؤمنين بها.

أما قضيّة رسم الحدود بين الروايات البطولية والتاريخية، فالأمر لا يخلو من إضافة الخيال في كلٍّ منهما، فنحن أمام رواية بطولية من صنع الخيال تماماً، وهي إلى الخرافة أقرب، كما هي الحال في تراثنا العربي في سيرة سيف بن ذي يزن، وعنترة... وروايات تعرض أحداثاً تاريخية لكنها تضيف إليها الخيال بشكل كبير، يكاد يضيع معها التأريخ، كما في السيرة الهلالية، لهذا نجد تداخلاً كبيراً بين التاريخ والخيال والأسطورة؛ إذ إنه لم تُعِرْ مصادرنا القديمة أيّ اهتمام بالأسطورة، بل اتّهموها بالأباطيل؛ جرياً على كلام المفسِّرين.

نبش بطيء

استلهم بعض الأدباء والشعراء في الخليج قصص الميثولوجيا في أعمالهم الأدبية والغنائيات، فهل برأيك تأخر المختصون في دراساتهم البحثية لقصص التراث ليفسروها اجتماعياً وفكرياً وتاريخياً قبل انتشارها غنائياً وشعبياً؟

الرواية الشفهية، والأناشيد، والغناء... ظواهر تعبيرية إنسانية سبقت الكتابةَ والتدوين إلى الوجود، فمن الطبيعي أن يظهر الفولكلور الشعبي الشفهي قبل التدوين، لكن هذا لا ينفي حقيقة أنّ انغلاق المجتمع الخليجي على نفسه؛ لأسباب دينية، واجتماعية، واقتصادية، وسياسية...

جعل النّبش في التراث الخليجي بطيئاً جدّاً؛ لهذا تأخرت الدراسات المتخصصة في نبش التراث، ودراسته بطريقة علمية جادّة، ومع هذا، فإنَّ الدراسات التي تُقدِّم تفسيراً أنثروبولوجيّاً أو تاريخيّاً لا تُواجِهُ تحدِّياً بقدر ما تُواجهه الدراسات الميثولوجية؛ حيث تنبش تلك الدراسات إيمان الشعوب (الشعوب الحالية امتداد لها)، ومعتقداتها، وطقوسها العَقديّة.

الأساطير في عُمان كثيرة، وأغلبها اختلطت بالخيالات، لتصبح مبعثرة وهي تُنقل عبر الشفاه، فهل لديكم مشروع لتجميعها وتوثيقها؟

الأساطير في عُمان مثلها مثل بقية الأساطير عند الأمم الأخرى، منذ العهد الإغريقي، اختلطت بالخرافة، وهي تحتاج إلى أن تقطع شوطاً طويلاً حتى تصلَ إلى الوعي الجماهيري، وهي تفعل ذلك من خلال البرامج الوطنية التي تقوم بها المؤسسات الحكومية، وقد كانت الموسوعة العمانية، الصادرة عن وزارة التراث والثقافة خصّصت أبواباً للأساطير والفنون الشعبية العُمانية، كما أصدرت في ستة مجلدات مشروع جمع التاريخ المروي في محافظة جنوب الباطنة، مجلّدين منها في المعتقد الشعبي، ومجلّدين منها في الفنون الشعبية، ومجلّدين منها في الأدب الشعبي، وما زالت هذه المشاريع الوطنية مستمرة.

فضلاً عن أعمال الكُتّاب العُمانيين الذين قاموا ميدانيّاً بتدوين التراث الشعبي بأنواعه.

الفكر يواجه الإنسان

لا شك أن ما تم تجميعه من حكايات شعبية كثير، فهل يلهمك ذلك في تفسيرها وتحليلها بحثياً؟

بطبيعة الحال، فإن ما قد جُمِعَ جعلني أربط بين الأساطير العربية القديمة في العصر الجاهلي والأساطير في المجتمع العُماني، وكذلك بالمقارنة مع أساطير الحضارات الأولى.

فعُمان من المناطق الغنيّة بالفولكلور، والخَصِبة بالأسطورة، فلا شكّ أنّ هذا الإرث الغنيّ والمتنوّع الذي تزخر به يُحفِّز الباحث تُجاه أفق البحث، محاولاً استكناه المدلولات والإشارات التي ترفد بالضّوْء النقاطَ المُعَتَّمة في حياة الإنسان العُمانيّ وتاريخ وجوده، فالأسطورة هي ذاك الفِكْر الذي واجَـهَ به الإنسان - يوماً ما - الوجودَ من حوله، وحاول من خلالها أنْ يفسِّرَ العالم وظواهره، فاكتفى بأنْ منحَتْهُ شعوراً بالنجاح، والاحتفال بلذّة الانتصار.

أساطير العرب

بالنسبة لكتابك «الخيل في الشعر الجاهلي، دراسة في ضوء الميثولوجيا» الذي صدر في 2007م، هل هناك فكرة لإعادة طرح صياغته في ظلّ المعطيات العلمية الجديدة التي اكتسبتها في الأعوام العشرة الأخيرة؟

لا ريب في أنّ البحث والقراءة المستمرة تُكْسِب الباحثَ آفاقاً جديدة تُوسِّع مداركه، ولا أُخفيكِ، أنّ قراءتي في علم الآثار في الفترة السابقة بشكل مكثَّف جعلتني أطمئنّ إلى الآراء الميثولوجية التي أناقشها في أبحاثي، وأرجو أن أجد الوقت اللازم لإعادة صياغة كتاب الخيل في ضوء المعطيات الأركيولوجية التي تحصَّلتُ عليها من المصادر والأبحاث العلمية.

أخيراً، هل يمكن أن نعرف البحث الميثولوجي الذي تعمل عليه حاليّاً؟

أقوم الآن بالاشتغال على أسطورة حيوان الـوَعْـل من خلال معتقدات شعوب الجزيرة العربية التي تتحدث عنها النقوش الصخرية والرسومات، وأشعار عرب الجاهلية، فقد كانت لهذا الحيوان قدسيّة بارزة، لا سيما عند شعوب جنوب شبه الجزيرة، وقد اشتغلتُ قبل ذلك على أساطير عرب الجاهلية (الجنّ، والملوك والسادة، وطقوس الموت عند المرأة، والناقة، والنسر، والأسد) وهنا أوجّه الشكر للباحثين في علم الآثار الذين قدّموا يَـدَ المساعدة في توفير المصادر العلمية الأثريّة عن حيوان الوَعْـل.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات