عمل المرأة في التراث بين التجارة الداخلية والأداء الشخصيّ

  • الصورة :
  • الصورة :
  • الصورة :
صورة

دأب مجتمع الإمارات منذ القِدم على التوافق بين أفراد المجتمع الواحد على كافّة المستويات، وعلى كافّة الأصعدة الاقتصاديّة والاجتماعيّة والثقافيّة، بما أوجد نوعاً من التآلف في المجتمع، أدّى في نهاية الأمر إلى استقامة الأحوال على الرغم من كثير من الصعوبات، وبالذّات في الجانب المادّي، وتحديداً في ما يتّصل بطلب الرزق والعمل، فإنّ النّاس بصورة عامّة كانوا يعانون في هذا المضمار نظراً لقلّة الأعمال وخاصّة بعد انهيار مهنة الغوص، وتوجّه العديد من أبناء الساحل للعمل في بقيّة بلدان الخليج العربيّة الأخرى.

فكان ذلك سبباً في فتح باب للرزق، عاشتْ عليه أُسر كثيرة. وأثناء ذلك فإنّ المرأة المواطنة ظلّت عوناً على الارتقاء بالمستوى المادّي للأسرة، كما بقيتْ مُعيناً على الحفاظ على الكسب اليوميّ، كما كانت في الوقت نفسه مَعيناً من الحنان والعطف وتلمّس الحال. فكانت بالتالي نموذجاً رائداً لابنة الإمارات في الجدّ والنّشاط والهمّة العالية والإخلاص وحُسن الأداء في العمل، والإتقان، والجدّيّة.

في عام 2009 اشتركتْ مجموعة من الشباب والشّابّات في البرنامج التخصّصي للتراث، ساهمتْ هذه الفئة من الباحثين والباحثات في إعداد وتنفيذ عدد من الأبحاث الميدانيّة المتنوّعة من قِبل منى المخشّب، وبدريّة الحولة، ومريم محمد بن عبود.

إضافة إلى ما قمنا به في الجمع الميداني خلال عقد من الزمان. وسوف نستعرض مع القارئ بعضاً من نتائج تلك الدراسات الميدانيّة المهمّة التي تسلّط الأضواء على مجتمع الإمارات في عقدَي الستينيات والسبعينيات، وما بعدهما بقليل.

المرأة في العمل

تفيد المعلومات التي جُمعتْ بأنّ المرأة كانت عاملة كما هي الآن، ويبرز دورها في التعاون مع زوجها من أجل تحسين الوضع المادّيّ للأسرة، وأثبتت هذه الدراسات الميدانيّة قدرة المرأة على التعامل مع حسابات البيع والشّراء. وبلا شكّ فإنّ عمل المرأة آنذاك غالباً ما يندرج ضمن الحِرف والصّناعات اليدويّة، وفي الوقت نفسه يمكن اعتبار ذلك ضمن التجارة الدّاخليّة في مدن السّاحل، إضافة إلى شيوع ظاهرة عمل المرأة، وتقبّل الأهالي لها، واعتبار ذلك ضمن النّشاطات العامّة في المجتمع المحلّي.

وعادة ما تقوم النّساء بعمل يدويّ جماعيّ في بيت إحداهنّ، وكنّ يقرضن (أو يصنعنَ) البراقع، ويقمن بالخياطة، ويخدمن التلّي، ويصنعن الدّخون الذي كان يباع حينها بنصف روبية أو 3 ربوع، ويعلّمن البنات مثل هذه الصناعة.

ويقمن كذلك بصبغ الملابس الرجاليّة للحصول على اللون البنّيّ بخلط مكوّنات: الماء، وورق اللوز، والورس، وغمْر الكنادير المراد صبغها في هذه المكوّنات مدّة أسبوع. ومثل هذه الأعمال تدلّ على وجود نوع من الاكتفاء الذّاتي من دون الحاجة إلى الشّراء، وهي من أهمّ مميّزات المجتمع المحلّي آنذاك. ومن الأمور الملفتة للنّظر آنذاك أنّ عدداً من النّساء أجدْنَ عمليّة المقايضة في السوق، كما قام بعضهنّ ببيع الأقمشة التي كانت تُجلب من دبي.

ومن أشهر الأقمشة التي ابتاعتْها النّساء، وتبايعتْ بها: نوع يسمّى دح المايه، وأبو الفَرْقَو، والبريسم، وأطلس، وبوطيرة أو بو شيرة، وبو يدّين، وحلواة ساخنة، وسلطاني، ورضني، ودر يا موز، وبو نسيعة، والبو قليم، وبو قفص، وميدة ، وكان الوار يساوي أربع آنات. وتتولّى بعضهنّ تصميم الملابس. وقد اشتهر بين الأهالي قيام النّساء ببيع الخضراوات مثل: الرويد، والجزر، والخلال، والبصل في السوق. وفي السوق كذلك تقوم بعض النّساء ببيع الأسماك.

طريقة البيع وكيفيّته ومكانه

تتنوّع أماكن وطرق البيع ما بين البيت والمرور على البيوت أو اتّخاذ ركن في السوق. وحين المرور على البيوت تقوم المرأة ببيع الكحل مثلاً. وقد تبيع المرأة لنفسها فما تتحصّل عليه من مال يعود لها فقط. وقد يطلب منها البيع مقابل مال معيّن أو أجرة. وربّما تتمّ عمليّة البيع بالمقايضة مثل تبادل الملابس بالتمر، والبيع بالدَّيْن وتسجيله التوقيع بالبصمة، وهو ما يعني وجود دفتر للبيع. وتوقّف البيع عند النّساء بسبب ظهور مراكز التسوّق وقلّة الشّراء.

وقد يتمّ توارث المهنة من الجدّة أو الأمّ، وتبقى هذه المهنة متداولة عبر أجيال. وأحياناً تكتسب المرأة خبرة العلاج من أخرى كانت تعمل لديها مساعدة لها، فتأخذ الخبرة وتتعلّم، ثمّ تكون ماهرة في عملها.

المرأة والطّبّ الشّعبيّ

ويوجد تخصّص في طبّ النّساء، وخاصّة علاج تأخّر الإنجاب، إضافة إلى التداوي بالأعشاب، والعلاج بالمساح. وتفيد الراويات بأنّ كثيرات من النّساء استفدن من طريقة التخبين، وهي تحضير كأس من الفخار، تضع فيه المُعالِجَة رماداً، وسبع حصوات، وتشعل فيه النّار ثمّ تضعه على بطن المريضة.

ولهذا تشتهر بعض المُعالِجات في الإمارات بخبرتها وعلوّ كعبها في العلاج. كما تقوم المُطَبِّبة بعلاج أمراض عدّة مثل: الطّحال الذي يسبّب انتفاخ بطون الأطفال، وعادة ما يُعالَج بالكيّ (الوسم)، وتعالج أيضاً الأطفال بالمساح باستخدام زيت خاصّ.

وعادة ما تستعمل المُعالِجة يدها في مساح الأطفال، وهو المعروف بالترفيع. وتعالِج الحوامل بالأدوية الشّعبيّة مثل شرب اليعدة، وهي أوراق نباتيّة تنمو في المناطق الجبليّة، وفي السيوح والبراري. وأكل أوراق الياس التي تُستعمل في علاج وجع البطن وآلام المعدة، والتبخير باللبان العربي. وأحياناً توضع خلطة من الورد، ومسحوق يوز تيار، ومسحوق ضفر البحر، على رأس الطفل.

وتشرف المُعالِجة كذلك مباشرة على توليد المرأة الحامل، وبذل كلّ مجهود في سبيل تخفيف آلام الوضع عليها، ثمّ متابعتها بعد الولادة والاعتناء بها وبوليدها. وإطعامها أكلاً جيّداً. وتعالِج المُطَبِّبة كذلك ما يُعرف بمرض الفقّارة، ومرض عرج الرضّاخ، عن طريق المساح. وعادة ما تعالِج أمراضاً أخرى مثل: البو حميّر، والحصبة، والخازباز.

ومن الأمراض كذلك ما يُسمّى مرض اللصّة، وهو مرض خبيث تظهر علاماته على الجلد، على شكل ورم، ربما يشبه ما يُعرف الآن بمرض السرطان، ويكوى هذا المرض من كلّ الجهات، ويحوّط عليه. وتعالج أمّ الصبيان أو العدوّة، وهو مرض يصيب الأطفال بصياح دائم، وتشنّج، ويعالج بالكيّ.

ومن الأمراض: الكشحة، وهي شعرة تظهر في ظهر الطفل الذي لا تنجب أمّه من بعد ولادته، وهي شعرة كبيرة معقودة واضحة في جسم الطفل، ويقال إنّ العلاج عادة ما يتمّ في يوم الأربعاء حيث تُكوى تلك الشعرة من ظهر الطفل، فتنجب الأم بعد ذلك.

وتختلف طرق توليد المرأة آنذاك، وكانت المولِّدَة تبذل جهوداً عظيمة في توليد المرأة، وأكثر ما تعاني حين تتعسّر الولادة. وحين يولد الطفل مبتسراً فإنّه كان يُوضع في قدر كبير، ويُغطى مدّة شهرين حتى يكمل الشهر التاسع.

الأعشاب

أمّا الأعشاب فغالباً ما يؤتى بها من المناطق الجبليّة، وهي عادة ما تكون نظيفة، وتُجفّف. وعادة ما تحتفظ المعالِجات بالأدوية الشّعبيّة في مكان خاصّ لاستعمالها وقت الحاجة بالإضافة إلى تخصيص طاسة بعينها لإعداد الأدوية. وكانت هذه الأدوية تُشتَرى من السوق من عند العطّارين.

مع العروس

تخصّصتْ بعض النّساء في إعداد العروس لليلة الدّخلة، فتحنّي العروس وتقيم في بيت العروس ترتّب وتفرش البيت، وتزهّب العروس، وتعدّلها، وتعدّ ملابسها، وتعطرها وتزينها بالزعفران والمخمرية والعطر وإلباسها الذهب. وتوجيه الفتاة ونصحها بالتزام الأدب والتقدير لزوجها، وعدم نقل الكلام والستر. وتضع الفراش والدواشك ثمّ تشارك في زفّتها كذلك.

ثمّ تصنع بعض المأكولات الخاصّة بالعرس مثل: الخنفروش. ومن أشهر مظاهر إعداد العروس هو تعقيص العروس، وهو العمل نفسه الذي تقوم به الكوافيرة هذه الأيام مع كثير من الجهد حسب ما هو متوفّر من موادّ، والمعقصة تطلق كذلك على الماشطة، والمجدلة، والفلّاية، والعكّافة (العجّافة) والمظفرة (تظفير شعر البنات).

وهنا يجب أن تكون هذه السّيّدة مُجيدة لتمشيط الشّعر والتسريحات واستعمال المواد المعالجة والتجميل، وتكون لديها كافّة أدوات الزينة والمساحيق والأعشاب والدهون وكلّ ما يخصّ جمال وزينة العروس، ولهذا عليها الإتقان قدر الإمكان لأنّ أي خلل في فرق الشّعر يعد عيباً جماليّاً في هيئة العروس.

وتتصف مَن تقوم بهذه المَهمّة بالمعرفة الدقيقة بأنواع الطّيوب والأمشاط والتسريحات إضافة إلى حُسن أخلاقها وأمانتها والتزامها المواعيد، وكتمان السّرّ عندها. وفيها روح الدعابة وخفّة الدّم وحلاة المرح. وتعرف جيّداً خدمة الضّيوف والمساعدة على إعداد وتطريز ملابس العروس.

الخلاصة

إذن فعمل المرأة يرتبط بتراث البلد ارتباطاً وثيقاً لأنّه جزء رئيس في استكمال النّهضة الشاملة للمجتمع، ورُقيّه وفق أسس عامّة تعارف عليها الأهالي منذ القِدم.

نقش

في بعض مدن الساحل اشتهرتْ بعض النّساء ببيع خبز الخمير في الصباح الباكر لكلّ مَن يخرج من المسجد بعد صلاة الفجر، فكانت رائحة الخبز تدلّ الراغبين في الأكل على مكان خَبْزه، فتشيع في الآفاق نوعاً من الأُنس والدفء. ويصنعن المكسّرات والحلويات والعطور والمخمريّة والحنّاء. إضافة إلى صناعة الآجار، والمهياوة. وتعمل بعض النّساء في تغسيل الأموات من النّساء. ولهذا وكما تقول إحدى الراويات: «ما شي حرمة عاطلة».

 

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات