أصل الحكاية

الرّكض السائل خلف أحدهم

صورة

متى ينتهي هذا الدرب؟ ولماذا يبدو طويلاً هذه المرة؟

كنتُ أراه أمامي، يتجاوز الأرض بحماسة كبيرة: (كل شيء هناك، نملك كل شيء، لا تنقصنا الأفراح).

أركض.. أتبعه: (وهل تكفي المياه هناك؟).

دون أن يلتفت: (كثيراً، وستدهشكم كثرتها).

سيهدأ.. سيأخذنا في جولة بعد أن تهدأ الأمطار، اعتاد على فعل ذلك، هذه المرة سيمشي بنا نحو الجداول، التي تنفتح طاقاتها من ينابيع مجهولة في الجبال لتسقي المزارع وتملأ الخزّان الجوفي، وتفيض الأحواض برائحة العشب الجديد، ما الذي سيختلف في هذه الرّحلة؟

ستطول.. سيكون زمانها أطول من المعهود تبعاً للمكان، وأعني هنا الأصقاع الفسيحة، التي ستنفتح أمام رؤيتي في الفضاء المكاني ويندفع إليها جسدي راكضاً ومطيعاً. حاولتُ وأنا أركض أن أقف للحظة واحدة فقط، أتأمل فيها لوني المفضل في الحياة، اللون الذي لا أعرف له تسمية إلا بالوصف: (لون العشب حين تأتي عليه الشمس).

لكن التوقف كان عملاً شاقاً، بل مستحيلاً ولو للحظة.

انتبهتُ فجأة إلى اختفاء أمي عن الدرب، كانت كعادتها في رحلاتنا الأخيرة تسير إلى جانبي ونتبادل الكلام والطمأنينة، ويمشي الأخوة السبعة خلفنا. كيف لم أنتبه إلى فقدانها؟ ومنذ متى شرعنا في الرّكض الوحشيّ هذا؟ بدأت أخاف، أتلفّت باحثة عنها بقلق كبير، جسدي ينصاع للركض، لا أملك حقاً في التوقف أو انتظار أحد، لا أملك جسدي..

كان إلحاح الراكض غريباً: (اتركيها.. ستلتقي برفيقاتها في الجوار، تحتاج لوقت أكبر للبقاء معهن). كنا نجتاز ضباب الأصقاع، أتوسل إليه أن يقلّص من حجم خطوته، علّ خطواتنا تسعفنا فنلحق به، لم يسبق لي أن رأيتُه يركض بهذه السّرعة وكأننا هاربون من لعنة توشك أن تقع على الأرض، أو لعله النيزك الذي زعم أصحاب العلم أنه سيضرب الأرض يوماً ما، هل باتت ضربته وشيكة تستوجب هذا النفير؟ ولماذا نحن راحلون دون سائر البشر؟

تعثّر بعضنا بالحصى فسقط من الألم، والبعض الآخر تراخت أنفاسه وانطفأ حماسه، وعلا الصراخ والنداء، بدأتُ استشعر احمراراً وتشققاً بين فخذي، أشمّ احتراق أجساد قريبة، لكن لا أثر للنار أو الدخان، امتدّت بنا أزمنة الرّكض، مازلنا نركض، ولا شيء يرنو من بعيد..

أصرخ باستجداء: (أرجوك.. إننا تركنا الأرض وراءنا دون أن نودع أحداً، على أمّنا أن تعرف بأمر رحيلنا، دعني أرجع إليها للحظة وأخفف عنها فاجعة فراقنا الجماعيّ).

هل تراه سمعني؟

لم يكترث لأصوات البكاء التي علتْ من خلفه، التفتُ خلفي وبيني، وإذا بأخوتي السبعة، رجالاً منهم ونساء عادوا أطفالاً صغاراً، لا تسعفهم خطاهم وسيقانهم القصيرة على اللحاق بنا، فيما بقيّ لي جسدي مستديماً في الزمان، وفي المكان الذي بدا لي بلا نهاية. ما زالت لي خطوة امرأة، رعشات هروب امرأة، لقد عاد أخوتي أطفالاً يؤلمهم الحصى والمطر، وبقيتُ الوحيدة التي تمشي ولا تصغر أبداً. بدأتُ أجمعهم، أحمل من تساقط، أحمل منهم ما استطعتُ حمله، كنتُ أصبّهم على رأسي، أضع الرّضّع منهم على صدري ولا يأتي الحليب، ألفّهم بثوبي وأرفعهم عن الأرض وأركض، كانت محاولاتي لتجميعهم وإعادة تركيبهم على جسدي تذهب سّدىً في الوادي الكبير.

(إنهم يتساقطون ) أصرخ..

يتساقطون كالغلال من ثقوب انفتحت في ثوبي فبدا كغربال كبير، تمتصهم الأرض الرّطبة، لقد عادوا سوائل.

لا أعرف كم من الزمن بقيتُ ألاحق الرّطوبة، وأبحث في المياه!

آلمتني فكرة تركهم، كيف لقلبي أن يتركهم وحيدين.. سوائل تبكي بشكل مرعب.

تحيّرني هذه الرّحلة فأصمت في ذهولي، وأصاب بحمى باردة في عظامي، أتساءل هل أترك الرّاكض لشأنه يمضي وأعود أدراجي؟!

يحرّضني على هذا الخيار بكاء السوائل، بكاء الأخوة، أخشى أن تغرق الأرض.

أما هو.. فقد بدا لي وكأنه قد تخلى عن كل شيء، ونسيّ أمر الرحلة.

راح يركض مبتعداً، يركض في الرياح، في الهباء، وبدا صوت نعليه على العالم يخفت شيئاً فشيئاً. حتى اختفى تماماً مثل شبح.

هنا.. كان عليّ أن أبكي أيضاً، وأعود إلى سائل، هذا ما يقتضيه الحال عندما أجدني وحيدة وعاجزة عن كل شيء..

(أبي.. يا أبي لا تركض.. أرجوك لا تذهب إلى هذه الرّحلة )..

لقد صار أبي أشبه بالبخار، أول البخار ساعة الفجر، وكنتُ بعد بضع سنوات الوحيدة، التي ركضت على عجل باتجاه ذلك البخار، قوة خفيّة أشبه بالجاذبية، طاقة مبكّرة، تسحبني الآن في ذلك الاتجاه المتبخّر، باتجاه اليقين ربما، اليقين بأن لي عمراً جديداً في عالم البخار، طويلاً جداً في الآجال، كعمر الأشجار والجبال. أندفع الآن في كامل عافيتي وشبابي وبحثي خلف أبي..

وما زلتُ أبكي وأركض.. وأتابع تحولي إلى سائل.

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات