عدسة الأيام

لبنى القاسمي.. أول وزيرة في تاريخ الإمارات

في تاريخ دولة الإمارات العربية المتحدة العديد من الأسماء النسائية التي برزت في مختلف مناحي الحياة وأثبتت جدارتها وكفاءتها في جميع المواقع التي شغلتها. لم يكن ذلك إلا ثمرة من ثمار الدعم المتواصل للمرأة الإماراتية منذ بواكير تأسيس الدولة في مطلع سبعينيات القرن العشرين على يد المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، وإخوانه حكام الإمارات، وخصوصاً أنه عــُرف عنه رحمه الله انتصاره للمرأة ودفاعه عن قضاياها واهتمامه بتمكينها، وهو ما تابعته من بعده سمو الشيخة فاطمة بنت مبارك، رئيسة الاتحاد النسائي العام رئيسة المجلس الأعلى للأمومة والطفولة الرئيس الأعلى لمؤسسة التنمية الأسرية. كما لا يمكن في السياق نفسه تجاهل امتلاك المرأة الإماراتية نفسها العزيمة والإصرار والإرادة من أجل الارتقاء بذاتها من خلال خوض برامج التعليم والتدريب المتنوعة المتاحة في الداخل والخارج.

وتعد معالي الشيخة لبنى بنت خالد القاسمي أحد النماذج الوضاءة للمرأة الإماراتية بحكم ما أنجزته لوطنها خلال مراحل حياتها الدراسية والوظيفية، ناهيك عن مساهمتها في رفع اسم الإمارات عالياً من خلال مشاركاتها المتنوعة والفعالة في المحافل العربية والدولية السياسية والاقتصادية والتجارية والتنموية.

الوزيرة الأولى

تُعرف الشيخة لبنى بنت خالد القاسمي بأنها أول وزيرة، كونها أول امرأة في تاريخ الإمارات تتولى حقيبة وزارية. كان ذلك في 13 أكتوبر عام 2004 حينما عـُهد إليها بتولي حقيبة الاقتصاد والتخطيط، فدخلت تاريخ الإمارات كأول وزيرة، ودخلت أيضاً تاريخ الخليج العربي كله كأول وزيرة اقتصاد وتخطيط، وثالث سيدة تحمل حقيبة وزارية. كانت تلك نقطة البداية لمسيرة طويلة في الحكومة ستقودها إلى حقائب وزارية أخرى. ففي 17 فبراير عام 2007 نقلت من وزارة الاقتصاد والتخطيط وتم تعيينها على رأس وزارة مستحدثة هي وزارة التجارة الخارجية، لتبقى ممسكة بهذه الحقيبة حتى عام 2013، وهو العام الذي كلفت فيه بحمل حقيبة التنمية والتعاون الدولي التي احتفظت بها مذاك وحتى سنة 2016.

سيرة ذاتية

قد يقول البعض غير المطلع على سيرة الشيخة لبنى بنت خالد القاسمي، إنها لم تكن لتحقق ما حققته من صعود وظيفي لولا أنها إحدى بنات الأسرة الحاكمة في إمارة الشارقة. وقد يصنفها البعض الآخر الجاهل ضمن من ولدوا وفي أفواههم ملاعق من ذهب. وهذه الأقوال والمزاعم مردود عليها بطبيعة الحال. إذ يكفي المرء أن يلقي نظرة سريعة على سيرتها الذاتية المنشورة ليكتشف كم تعبت وتغربت من أجل التحصيل العلمي، وكيف أنها بدأت حياتها الوظيفية بمناصب صغيرة تدرجت فيها باجتهادها ومثابرتها خطوة خطوة، إلى أن امتلكت الخبرات وراكمت التجارب التي زكتها لتولي المناصب الحكومية العليا ضمن أعضاء مجلس الوزراء بقيادة صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة، رئيس مجلس الوزراء، حاكم دبي «رعاه الله».

نسب عريق

ولدت الشيخة لبنى بنت خالد القاسمي في 4 فبراير 1962 في الشارقة، ووالدها هو الشيخ خالد بن سلطان القاسمي، وهي حفيدة الشيخ سلطان بن صقر بن خالد بن سلطان بن صقر بن راشد بن مطر بن رحمة بن مطر القاسمي، الذي حكم الشارقة من عام 1924 وحتى تاريخ وفاته في بريطانيا سنة 1951م، والذي عـُرف بـ«رائد الحركة الأدبية والثقافية» في زمنه، وكان واحداً ممن اهتموا ببناء الفكر الجديد ومحاربة الجهل ونشر المعرفة وتشجيع الأعمال الأدبية والفكرية، كما يرجع إليه فضل تأسيس المكتبة القاسمية في الثلاثينيات وإعادة فتح مدرسة الإصلاح القاسمية وتشجيع تعليم البنات والأخذ بأساليب الحياة الحديثة.

نشأت الشيخة لبنى بنت خالد القاسمي وترعرعت في مسقط رأسها بالشارقة. وحينما التحقت بمدرسة الزهراء الثانوية لإتمام تعليمها الثانوي اختارت المسار العلمي لشغفها بالعلوم. وفي 1975م، تخرجت في مدرستها الثانوية بتفوق مشهود. إذ حققت المركز التاسع على مستوى دولة الإمارات.

خطوتها التالية تمثلت في السفر إلى الولايات المتحدة الأمريكية التي التحقت فيها بجامعة تشيكو بولاية كاليفورنيا (CSUChico) لدراسة علوم الكمبيوتر لتتخرج في عام 1981 حاملة شهادة البكالوريوس في هذا المجال.

حياة عملية

بعد عودتها من رحلتها التعليمية إلى الولايات المتحدة شغلت منصب مديرة فرع دبي في الهيئة العامة للمعلومات، ثم عملت 7 سنوات متواصلة في سلطة موانئ دبي والمنطقة الحرة لجبل علي في منصب مديرة نظم المعلومات، فكانت قادرة على التميز عن بقية زملائها وزميلاتها، ما جعلها تفوز بجائزة الموظف الحكومي المتميز عام 1999.

وخلال هذه السنوات السبع نجحت وهي على رأس العمل في نيل درجة الماجستير في الإدارة التنفيذية من الجامعة الأمريكية بالشارقة سنة 2002، علماً أنها في 2001 ترأست الفريق التنفيذي لحكومة دبي الإلكترونية، المسؤول عن مبادرات حكومة دبي الإلكترونية، والمعني بتطوير وتنظيم مبادرات الحكومة الإلكترونية في مختلف هيئات ومؤسسات القطاع العام، كما تولت في الفترة ذاتها أول منصب قيادي فعلي، وذلك حينما تمّ تعيينها مديرة تنفيذية لشركة السوق الإلكتروني «تجاري دوت كوم» بدعم من صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة، رئيس مجلس الوزراء، حاكم دبي «رعاه الله»، علماً بأنها في هذا المنصب تمكنت من تطوير نظام لخفض أوقات تسليم البضائع في مطار دبي، الأمر الذي جعل شركة السوق الإلكتروني تحصل على جائزة أفضل مزود محتوى إلكتروني في التجارة الإلكترونية وواحدة من أفضل الشركات في إمارة دبي.

وجدير بالذكر، في سياق الإشارة إلى المناصب التي تولتها، أنها تولت أيضاً في الفترة ما بين عامي 2014 و2018 رئاسة جامعة زايد، المؤسسة التعليمية الوطنية الرائدة على مستوى الدولة، ورئاسة لجنة الإمارات للمساعدات الإنسانية، ناهيك عن أنها عملت في منصب رئيسة هيئة الأوراق المالية والسلع في الإمارات في الفترة ما بين عامي 2004 و2008.

وما بين هذا المنصب وذاك، كانت معالي الشيخة لبنى القاسمي من ضمن السيدات الناشطات في مجال تمكين المرأة الإماراتية والدفاع عن قضاياها، فقد مثلت بلدها في المنتدى الاقتصادي العالمي الذي يعقد سنوياً. وحضرت وناقشت في المنتديات التي عقدت في كل من نيويورك ودافوس، وتحدثت في الجلسات النقاشية عن هموم وشؤون بنات جنسها، وترأست العديد منها.

ومن جانب آخر، وبسبب علمها ونشاطها ودأبها وحماسها وحضورها القوي في المشهد العام حظيت بعضوية العديد من الهيئات والمجالس. فعلى سبيل المثال شغلت منصب عضو مجلس إدارة غرفة تجارة وصناعة دبي، ومجلس أمناء كلية دبي الجامعية للإدارة العامة، ومجلس أمناء كلية الجودة الإلكترونية الشاملة، ومجلس أمناء كلية ثندربيرد، ومجلس أمناء كلية الدراسات العليا للإدارة الدولية بمدينة فينكس بولاية أريزونا الأمريكية، ومجلس أمناء جامعة زايد، ومجلس حوكمة كلية لي كوان يو للسياسة العامة بجامعة سنغافورة الوطنية، ومجلس إدارة مؤسسة الإمارات للشباب، ومجلس إدارة مؤسسة الإمارات للطاقة النووية.

ولم يكن مستغرباً حصول معالي الشيخة لبنى القاسمي على عدد من شهادات الدكتوراه الفخرية، فهي تحمل الدكتوراه الفخرية في العلوم من جامعة تشيكو الأمريكية، والدكتوراه الفخرية في القانون من جامعة إكستر البريطانية، والدكتوراه الفخرية في الدراسات الأجنبية من جامعة هانكوك الكورية الجنوبية، والدكتوراه الفخرية في الآداب الإنسانية من الجامعة اللبنانية الأمريكية ببيروت.

قضايا المرأة

في العديد من التصريحات التي سجلت عنها، وفي محاضرات كثيرة ألقتها في المنتديات والمؤتمرات، كان القاسم المشترك دوماً هو افتخارها بما وصلت إليه المرأة الإماراتية، ودفاعها عن قضاياها المختلفة والإشادة بإنجازاتها. فعلى سبيل المثال لا الحصر، قالت في كلمتها خلال حضورها «ملتقى المرأة في قطاع التكنولوجيا» الذي نظمه مجمع الشارقة للبحوث والتكنولوجيا والابتكار في 18 فبراير الماضي: «اليوم عندما نتحدث خلال ملتقى المرأة في قطاع التكنولوجيا عن دورها في الابتكار وإلى أي مرحلة وصلت إليها في هذا المجال، نجد أن ذلك كله يعتمد بالأساس على اهتمام دولة الإمارات العربية المتحدة بموضوع تعليم المرأة، حيث كانت الأولوية الأولى إنشاء المدارس والجامعات للفتيات وهو بحد ذاته نقلة نوعية في تمكين دورها»، مضيفة إن المرأة أصبح لها دور بارز في السياسة حيث تشغل اليوم ما نسبته 50% من أعضاء المجلس الوطني وهذا يعد إنجازاً للدولة، وفي حين كانت هناك وزيرة واحدة في عام 2004 نجد اليوم 9 وزيرات لتصل نسبتهن في مجلس الوزراء إلى 29%، وهو ما يعكس تركيز الدولة على الشباب ضمن أجندتها المستقبلية، مختتمة كلمتها بقولها، إنها لا تؤمن بالمثل الذي يقول «السماء حدودنا»؛ لأن المرأة وصلت إلى الفضاء وإلى مجالات أخرى كثيرة.

تسامح

ومن جهة أخرى، أكدت معالي الشيخة لبنى القاسمي دائماً حرصها على مبادئ التسامح وضرورة غرسها في عقول وقلوب النشء الجديد انطلاقاً من سياسات دولة الإمارات سواء أثناء توليها وزارة الدولة للتسامح، أو بعده. ففي فعاليات مؤتمر الأزهر العالمي لتجديد الخطاب الديني الذي عقد في العاصمة المصرية في يناير الماضي بمشاركة مجالس إسلامية من 46 قطراً، خاطبت الحضور بقولها إنها أسست مجلساً لتحقيق التوازن بين الجنسين وتقليص الفجوة بينهما وتعزيز دور دولة الإمارات في مؤشرات التنافسية العالمية والتوازن بين الجنسين لجهة صناعة القرار، وأضافت إن المرأة الإماراتية تتمتع اليوم بمطلق الحرية في المسكن والأحوال الشخصية، وإن الإمارات باتت نموذجاً لمجتمع مسلم منفتح يسعى لتعزيز التعايش المشترك بين مختلف الأطياف والعقائد والملل والنحل.

وكانت معالي الشيخة لبنى القاسمي قد ذكرت شيئاً من ذلك في مقابلة تلفزيونية أجريت معها على هامش «منتدى القدوة» في الإمارات سنة 2017، حيث أكدت ضرورة إعادة الإعمار الفكري للأجيال الجديدة من خلال عمل مؤسسي واضح من أجل تحصينهم ضد خطاب الكراهية والتطرف والعنف والمؤثرات الخارجية الزائفة وغرس قيم الحداثة والوسطية وتعاليم الآباء والأجداد المجيدة ذات الصلة بالتماسك الأسري والاعتزاز بالهوية الوطنية.

وأخيراً، فإن المناصب والمسؤوليات السابق ذكرها لم تمنع معالي الشيخة لبنى القاسمي من الاهتمام والانشغال ببعض الهوايات. فإلى جانب هواية القراءة التي عشقتها منذ نعومة أظفارها، عــُرف عنها شغفها بمتابعة الموسيقى الأوبرالية.

2016

في شهر فبراير من عام 2016، أجريت في دولة الإمارات، بمباركة من صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة، حفظه الله، وبرئاسة صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، تغييرات هيكلية نوعية في هيكلية الحكومة الاتحادية وآليات عملها، لتبدأ معها مرحلة جديدة من العمل الحكومي بالدولة، حيث تشكلت حكومة جديدة استحدثت فيها حقائب وزارية للسعادة والتسامح والشباب والتغير المناخي، فضلاً عن جملة تطويرات وتغييرات أخرى جوهرية، إذ برزت هذه الحكومة بهيكليتها وخططها وبرامجها ومشاريعها، بمثابة حكومة المستقبل، وقد تولت فيها، معالي الشيخة لبنى بنت خالد القاسمي منصب وزيرة دولة للتسامح، ووصفت هذه الخطوة، التي لم يسبق لأي دولة الإقدام عليها قبل الإمارات، بأنها منسجمة مع سياسة دولة الإمارات، التي باتت نموذجاً للتسامح وتقبل الآخر منذ تأسيسها. وفي أكتوبر 2017، خرجت من الوزارة، وحل محلها معالي الشيخ نهيان بن مبارك آل نهيان، وزيراً للتسامح والتعايش.

جوائز

حصلت معالي الشيخة لبنى بنت خالد القاسمي، على عدد من التقديرات، تكريماً لدورها في المجال السياسي، وفي مجالي التميز والابتكار، مثل: جائزة ITP للإنجازات الشخصية عام 2000، وحصولها عام 2013 على المرتبة 70 من قبل مجلة «أرابيان بزنس» ضمن قائمة أقوى النساء العربيات، وتصنيفها من قبل مجلة «فوربس» العالمية في عام 2017 في المرتبة الـ 36 ضمن أقوى نساء العام، وحصولها في 2003 على جائزة القمة العالمية لموقع «تجاري ــ كوم»، ونيلها لقب «عقيد كنتاكي» الفخري في سنة 2003، ونيلها وسام «السيدة القائدة»، لرتبة الإمبراطورية البريطانية سنة 2013. إلى ذلك، نالت لقب سفيرة للنوايا الحسنة عام 2003، وجائزة الأعمال الأمريكية لعام 2004.

مكانة

عن المساواة بين الجنسين، قالت معالي الشيخة لبنى بنت خالد القاسمي، لمجلة آفاق (العدد الـ4 سنة 2012)، إن الأمر بات غير قابل للنقاش؛ لأن قضية المساواة بين الرجل والمرأة في الإمارات باتت أمراً تقليدياً تخطيناه، والتأخر الذي تعانيه بعض الدول العربية في قضية المساواة يعود لخلل في فهم تعاليم ديننا الإسلامي الحنيف، وهو ناجم عن عادات اجتماعية ليس إلا؛ لأن الإسلام لم يفرق بين الرجل والمرأة إلا في حالات محددة تحفظ للمرأة مكانتها، فيما أتاح لها حرية العمل والاتجار والمقاضاة لأنها جزء مكمل للرجل.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات