رواية «الجائحة» – الحلقة الثالثة عشرة (من يردُّ دعوة الكريم؟ -الثلاثاء 28 يناير 2020)

في تمام الساعة الثامنة، من مساء الثلاثاء 28 يناير 2020 حطّت طائرة طيران الإمارات في مطار دبي تحمل عمر قادماً من مصر، واجهت سارة صعوبات في الوصول إلى قاعة القادمين لاستقباله، حيث تشديد الإجراءات على كل من يدخل ويخرج من المطار، إجراءات لفحص الحرارة وارتداء الكمامات والقفازات والتباعد بين الأشخاص.

واجه عمر أيضاً، كما ذكر لسارة فور صعوده إلى سيارتها، ذات الإجراءات، كانت حيويته وهو يرتدي بدلته الرمادية الرسمية والقميص الرمادي وربطة العنق السوداء والبيضاء، لا تتحدث عن رجل يعبر الأربعينيات الشاقة، بل عن شاب في بداية الثلاثينيات يمتلئ طاقة ونشاطاً وفكراً متقداً، يحافظ على وزنه بالتمارين الرياضية، ليس أملاً في أن يعيش يوماً إضافياً بقدر ما هو اعتقاد جازم لديه، بأن كل يوم هو حياة كاملة لكل إنسان، تبدأ حين يفتح عينيه وتنتهي حين يغلقهما، وعليه أن يعيش تلك الحياة، في يوم واحد، كاملة غير منقوضة، يقرأ ويكتب فيها، يحلم ويخطط وينفذ، يهتم بزرع شجرة فكرية يأكل من ثمارها من يعيشون غداً، يعمل بهمة مُدهشة ويرتاح كمحارب يدرك أن استراحته مجرد زاد يُعينه على مواصلة القتال.
خفق قلب سارة المُتيّمة حين صعد عمر بسيارتها وراح يسأل عن أخبارها فقالت إنها تعاني اضطراباتٍ كثيرة في النوم منذ عاد سوزيان من الصين، سأل عن مُنى فقالت إنها استيقظت اليوم، وإنها ذهبت لزيارتها مع ابنتيها، وقد أشارت لهما بيدها من بعيد، فكانت فرحتهما غامرة، ولكن الطبيب نصح ببقائها تحت الأجهزة المنعشة ليومين إضافيين، ولا تعرف السبب في ذلك الإجراء.

سأل عن أمها وشقيقتها نوال فتنهدت وهي تقول إنهما بخير، لكنهما لا يظنان أن هذا الفيروس سيصل أمريكا، فهزّ رأسه وهو يعلم رأيها بشقيقتها الحالمة نوال، وسأل عن صديقتها الجديدة الدكتورة شيخة، فقالت: «ما أروع هذه الإنسانة يا عمر! ليتني تعرفت إليها منذ سنوات، إنها أسطورة حقيقية في الاهتمام والمتابعة وتقديم الدعم بكافة أشكاله، قلت في نفسي، يمكن أن سوزيان قد ذهب إلى الصين فقط لأتعرف إليها، إنها بخير، هل تقبل دعوتي للعشاء خارج المنزل»؟
قال عمر إنه تناول عشاءه في الطائرة، وإنه متعب، فلم تشأ أن تسأله عن إنجازاته خلال رحلته وقالت لنفسها سأسأله غداً صباحاً حين يفيق من النوم، وحين وصلا البيت، قدم لها 4 كتب هدية، فرحت بها، وراحت تتفحصها بينما تناول عمر حمّاماً ساخناً وغطّ في نوم عميق.
كانت شيخة أول من أيقظ سارة في الصباح، قالت إن زوجها سالم يرغب بدعوة سارة وزوجها عمر إلى الغداء اليوم، في مزرعتهم الخاصة بمنطقة الخوانيج، فحاولت سارة الاعتذار بحجة أن عمر قد وصل للتو ولا تعتقد أنه قادر على تلبية الدعوة الكريمة، وأن نتالي وتاليا تحتاجان إلى المراقبة والعناية دقيقة بدقيقة، لكن شيخة أصرّت، وقالت إن الدعوة تشمل نتالي وتاليا، وسيتعرفان إلى ابنتها شمّا وقد يصبحن صديقات، خصوصاً أن لديها في المزرعة عدداً من الحيوانات الأليفة التي يمكن اللعب معها، وطلبت من سارة بمودة أن تترك عمر يقرر ذلك، فوافقت سارة وحين استيقظ عمر وافق أيضاً وقال: البخيل من يردّ دعوة الكريم.

كان فيروس كورونا هو موضوع النقاش الوحيد بين أصحاب البيت «المعازيب» والضيوف، رحّب بهم القاضي سالم في مزرعته وأشار لسارة وتاليا ونتالي بالدخول إلى بهو البيت المصمم على هيئة بيت تراثي إماراتي قديم، حيث كانت شيخة بانتظارهم،

وأشار بيده مُرحّباً بعمر للجلوس في الحديقة التي تلفّها أشجار النخيل وعلى مقاعد مغطاة بالخوص، لم يكن هذا الترحيب الحار مستغرباً من عمر، فقد اعتاد زيارة أصدقائه المفكرين والكتاب الإماراتيين الذين يميزهم الاستقبال الحار بالدخون والعطور، وكلمات الترحيب التي تبدأ بـ «يا مرحبا الساع» و«أسفرت وأنورت» و«يا مرحبا بك بين إخوانك وربعك» حتى تصل إلى السؤال عن الحال «إشحالكم وعلومكم، عساكم بخير».

بعد أن جلس عمر سأله سالم: «سمعت أنك كنت في مصر، الحمد لله على السلامة، عسى أن مصر بخير وليس فيها إصابات من الفيروس الجديد»؟، فابتسم عمر وهو يرد على كل التحايا ثم قال: «الله يسلمك، لا أعتقد ذلك، لست متأكداً إن كان هذا الفيروس سيصل إلى منطقتنا، لست متابعاً مثل سارة، فهي مشغولة بهذا الفيروس كأنه عدوّها وحدها»، فضحك سالم وهو يقف بسرعة ليأخذ من الخادمة القهوة العربية التي كادت أن تقدمها للضيف بيدها اليسرى ويأمرها بالانصراف ويقدم قهوة ضيفه بيده اليمنى وينتظر حتى يقدم له فنجاناً آخر، ولكن عمر «يهزّ فنجانه» دلالة على أنه لا يريد المزيد، ويعود النقاش حول كورونا حتى توضع أطباق السلطة من جرجير وليمون ثم أطباق السمك المشوي.

رحّبت شيخة بسارة وقالت إنها اختارت السمك المشوي، بعدة أصناف، بعد نقاش مع سالم حول احتمال انتقال الفيروس عبر اللحوم، فسألت سارة: «وكيف عرفت أنه لا ينتقل عبر الأسماك»؟، قالت شيخة «لست متأكدة، ولكن هذه الأسماك طازجة، تأتينا من إمارة الفجيرة، ولا أعتقد أن السمكة قد أبحرت من الصين نحو الخليج العربي وهي تحمل هذا الفيروس..»! فضحكت سارة، ونظرت فرأت الخادمة تتقدم وهي تحمل الأطباق لتضعها على الطاولة الخشبية، فاقتربت منها نتالي لترى ما بداخل الأطباق المصنوعة من الألمنيوم، فخافت سارة للحظة من اقتراب نتالي من الخادمة إلى هذا الحد، واستهجنت تصرف نتالي فنهرتها.
لاحظت شيخة أن خوف سارة من الخادمة وظنها أنها قد تكون مصابة، فطمأنتها، مرة أخرى، وقالت لها إن هذه الخادمة الآسيوية تعيش في بيتهم منذ سنوات، فشعرت سارة بالإحراج، لكن شيخة أضافت: «يعجبني حرصك على البنات، لا يصدق أحد أنك صديقة للأم، بل يظنّ أنك الأم نفسها، أو الخالة»، فشكرتها سارة وقالت إن هذا الفيروس يرعبها، قالت: «هل تصدقين، لاحظ عمر خوفي، فلم يقترب مني أو من نتالي وتاليا، كأنّي بدأت أصاب بالهوس»، فقالت شيخة:«لا، هذا طبيعي، من باب الأمانة أولاً،

وكذلك من باب الحرص والحذر، بالأمس كنا نناقش مع مجموعة من الخبراء النفسيين، ضرورة وضع مخطط شامل لمنع ظهور أمراض نفسية في المجتمع في حال تسجيل أية إصابات في الإمارات».

سألت سارة: «مع كل هذه الإجراءات المشددة من الحكومة، هل تتوقعين ذلك»؟ فأجابت شيخة: بالتأكيد، أعتقد أن هذا الفيروس سيدخل كل دولة في العالم، حسب ما قيل لي أمس، وباعتبار الإمارات أكثر دولة يؤمها الناس، من مختلف الجنسيات، فمن المتوقع جداً، أن تكون أول دولة ترصد مريضاً بهذا الفيروس، لكن أين؟ ها هي أجهزتنا تعمل في كل مطارات الدولة، كما كتبت في تقريرك أمس، لرصد أول حالة تحاول دخول الدولة» المهم، «تفضلي، على المقسوم».

بقيت سارة تفكر في الفيروس اللعين، ومع أنها نباتية ملتزمة، لا تتناول اللحوم والأسماك ومنتجات الحيوانات، وبسبب أن عمر أوصاها أن لا تُظهر ذلك أمام شيخة، بطريقة أو بأخرى، راحت تتناول الشوربة والسلطة والأرز الأبيض، فظنت شيخة أنها ما زالت غير مطمئنة لخلو الطعام من الفيروس، فلم تشأ أن تدفعها أكثر لتأكل من السمك، لكن سارة لم تصمد، تحت ظنون شيخة، فقالت لها وهي تبتسم: «كيف أقول لك ذلك، عمر أوصاني أن لا أفعل»، ورفعت يديها مستسلمة وهي تقول:«أنا نباتية..»!

ضحكت شيخة وهي تنتقي إجاباتها انتقاء جرّاح ماهر لا يترك أثراً واحداً في جسد المريض، وقالت: «أفكر في أن أتحول إلى نباتية منذ زمن بعيد، لكن ليس لديّ الجرأة، ولا أعلم السبب»، قالت سارة: «كنت مثلك، بقيت سنوات مترددة، ثم قررت بعد ظهور إنفلونزا الخنازير وإنفلونزا الطيور وغيرها من الفيروسات التي تنتقل عبر أكل اللحوم، وها هم اليوم يقولون إن فيروس كورونا بسبب أكل الحيوانات والخفافيش والقطط والكلاب، شيء لا يُصدّق».

طباعة Email
تعليقات

تعليقات