الأوبئة.. تفتك بالبشر وتلهم الأدباء

«واشتد أمر الفناء والغلاء بالديار المصرية، وعم سائر ضواحيها، ومات من أهل القاهرة والفلاحين نحو النصف، فلما اشتد أمر الغلاء وكثر الطعن، نادى السلطان في الناس أن يصوموا ثلاثة أيام متوالية وأن يخرجوا إلى الجوامع».. هكذا يصف ابن إياس في مؤلفه «بدائع الزهور في وقائع الدهور» ما ألحقه وباء الطاعون بالدولة المملوكية التي عايشها وشهد انهيارها.

ربما يكون الطاعون واحداً من الأسباب الرئيسة في انهيار حكم المماليك، إذ لم تقتصر عواقبه على حصده المستمر للسكان، في موجات لا تتوقف في مصر والشام من عام 1347 حتى الحكم العثماني عام 1517، لكن العواقب الأوخم، كما يشير الدكتور محمد عفيفي، أستاذ التاريخ الحديث والمعاصر في جامعة القاهرة، تمثلت في المجاعات التي تعقب كل وباء والخراب والانهيار الاقتصادي، كما ورد في تقرير لموقع قناة «بي بي سي عربي».

ويتفق المؤرخ الأمريكي شلدون واتس في كتابه «التاريخ والأوبئة» مع هذا الرأي، موضحاً أن وفاة الآلاف من العمال والفلاحين في الوباء في مصر المملوكية أدى إلى هجر قرى بكاملها وانهيار الزراعة ومعها صناعات أخرى مثل الحرير والملابس.

ويقول المؤرخ شيلدون واتس: «إن القاهرة، التي كانت تصنف كأكبر أو ثاني أكبر مدينة في العالم بتعداد سكاني يبلغ نصف مليون نسمة، فقدت مئتي ألف من سكانها في الفترة من 1347-1349».

لكن إيطاليا، بدايةً، تمكنت من التصدي للوباء تدريجياً عن طريق الحجر الصحي أو Quarantine (كلمة مشتقة من الرقم 40 بالفرنسية) لإبقاء السفن وبحارتها في البحر مدة أربعين يوماً قبل دخولهم الموانئ (قبل معرفة كيفية انتشار المرض علمياً)، لتحدّ من موجاته التالية، وتوقف النزيف البشري لسكانها.

اكتشاف مبكر

اختلف المؤرخون والكتّاب المسلمون في تفسير الطاعون، فالحقيقة أن هناك من أدرك قبل الأوروبيين أنه وباء مُعْدٍ، ونصح بكيفية تجنّبه ووقف انتشاره.

ويناقش د. أحمد عبد الجواد، أستاذ الطفيليات بجامعة القاهرة، وكاتب مقدمة الطبعة المترجمة لكتاب واتس «التاريخ والأوبئة» ما أورده الطبيب والعالم المسلم أبو بكر الرازي من وصف دقيق للطاعون وأعراض الإصابة به، مشيراً إلى أن الفقيه والمؤرخ الأندلسي لسان الدين بن الخطيب المتوفى في 1374 حدد سبل الوقاية منه بوصفه مرضاً معدياً «ينتقل من الملابس والأكواب والماء وحتى قرط المتوفى».

وظل الطاعون يضرب تلك المنطقة من العالم بين الفينة والأخرى طوال حكم العثمانيين حتى الحملة الفرنسية، ولم يسلم نابليون وجيشه من الوباء.

ويروي الجبرتي في تاريخه «عجائب الآثار في التراجم والأخبار» كيف بدأ الفرنسيون إجبار المصريين على عادات جديدة بعد تفشي الوباء، غير أن كل هذه الجهود لم تثمر بشكل حقيقي إلا في عهد محمد علي، الوالي العثماني، مؤسس مصر الحديثة.

أوامر الباشا

يتحدث د. خالد فهمي، أستاذ التاريخ في جامعة أوكسفورد، المتخصص في تاريخ مصر في القرن التاسع عشر، خلال «تاريخ الكارنتينا في مصر»، عن أن المشروع الصحي لمحمد علي كان نابعاً من خوفه على الجيش في حال تفشي الوباء، لكن هذا المشروع، الذي بدأ بإقامة المحاجر حول المعسكرات، شمل الموانئ في الإسكندرية والسويس.

ولم يكن العلماء الفرنسيون والألمان حينها حددوا الصلة التي ينتقل بها المرض من الفئران المصابة إلى الإنسان عبر البراغيث، فلم تلقَ جهود الحجر الصحي -على الطريقة الغربية- التي تبنّاها محمد علي سوى السخط والغضب من العامة الذين استنكروا أوامر الباشا بوضع المرضى منهم في المعازل وتجريم من لا يُبلّغ عن المصابين، ومنع تغسيل الموتى أو تكفينهم، والاكتفاء بطمر جثثهم في الجير الحي، ما دفع البعض إلى ترك جثث موتاهم في الشوارع خوفاً من اتهامهم بإخفاء إصابتهم.

الأوبئة والأدب

وكما كانت الأوبئة مادة للمؤرخين، فإنها وفرت كذلك مادة خصبة للأدباء عربياً وعالمياً، ففي رواية سيرته الذاتية «الأيام»، يعرض عميد الأدب العربي طه حسين لانتشار وباء الكوليرا في قريته مطلع القرن العشرين، ويصف لوعة أهل بيته بموت أخيه الأوسط طالب الطب الشاب بالوباء، الذي «هبط إلى مصر ففتك بأهلها فتكاً ذريعاً، ودمّر مدناً وقرى، ومحا أسراً كاملة».

الوباء، الذي وصل المنطقة العربية في موجات عدة بدءاً من القرن التاسع عشر، عرف طريقه إلى الأدب العربي، وتحديداً الشعر، فصوَّر حالة الهلع والرعب التي اجتاحت بلداناً بكاملها، حصدت فيها الكوليرا أرواح الكثيرين.

ويظهر هذا في قصيدة الشاعرة العراقية نازك الملائكة «الكوليرا»، التي يُعتقد أنها أول قصيدة من شعر التفعيلة، وتتناول انتشار الوباء في مصر سنة 1947.

وفي قصيدة للشاعر لويس صابونجي، يصف انتشار الوباء في بلاد الشام ووصوله إلى الجزيرة العربية نهايات القرن التاسع عشر.

وتتناول رواية «القلعة البيضاء» للأديب التركي أورهان باموك انتشار الكوليرا في إسطنبول، وتراجع من هلكوا بالوباء بعد تطبيق إجراءات الحجر الصحي في البلاد.

وفي رائعته «الحب في زمن الكوليرا»، يجعل الأديب الكولومبي غابرييل غارسيا ماركيز من سفينة ترفع زوراً علم الوباء الأصفر ملاذاً للحبيبين فلورينتينو وفيرمينا.

ويبدو الحديث عن انتشار الكوليرا في المدينة الخيالية التي تدور فيها أحداث الرواية إشارة إلى تفشي الوباء في أمريكا اللاتينية في نهايات القرن التاسع عشر.

أما في «مئة عام من العزلة»، فإن ماركيز يضرب أبعد في الخيال، ليطلق وباء الأرق والنسيان على سكان قرية ماكوندو المنعزلة عن العالم.

الإنفلونزا الإسبانية

لا يمكن الحديث عن الأوبئة التي عرفها العالم من دون الحديث عن الإنفلونزا الإسبانية التي انتشرت بين عامي 1918 و1920، بوصفها واحداً من أكثر الأمراض فتكاً بالبشر.

ونجد تصويراً رائعاً للأحداث التي صاحبت انتشار هذه الإنفلونزا في رواية الصحفية والكاتبة الأمريكية كاثرين آن بورتر «حصان شاحب فارس شاحب».

وعربياً، نجد في رواية اللبناني ربيع جابر «أمريكا» صوراً قاسيةً لهذا الوباء الذي عايشه العرب المهاجرون إلى أمريكا، وتمرّ يومياً سيارات تنادي على الناس لإلقاء جثث موتاهم من الشبابيك، بعد تفشي الموت بالإنفلونزا إلى درجة يصعب معها دفن كل ميت في قبر خاص.

كلمات دالة:
  • الأوبئة،
  • المؤرخون،
  • الأدباء،
  • الطاعون،
  • الحب في زمن الكوليرا ،
  • الإنفلونزا،
  • طه حسين،
  • نازك الملائكة،
  • الجبرتي ،
  • محمد علي باشا،
  • أورهان باموك،
  • غابرييل غارسيا ماركيز،
  • لويس صابونجي،
  • ربيع جابر
طباعة Email
تعليقات

تعليقات