العد التنازلي لإكسبو 2020 دبي

    عدسة الأيام

    علي حميدان.. رجل القانون والدبلوماسية والفكر المستنير

    إذا كان السياسي العراقي عدنان الباجه جي (توفي في 2019) هو أول من رفع علم دولة الإمارات في نيويورك، إلى جانب أعلام الدول الأعضاء في الأمم المتحدة في التاسع من ديسمبر 1971، بتكليف من الراحل الكبير المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، في أعقاب موافقة المجتمع الدولي السريعة على انضمام الدولة الوليدة إلى المنظمة الدولية.

    فإن أول سفير للإمارات في الخارج، وأول مندوب لها لدى الأمم المتحدة، هو السفير الدكتور علي محمد حميدان الذي كرمته بلاده في عام 2014 ضمن كوكبة أوائل الإمارات، التي شملت 43 شخصية وطنية من أوائل الجامعيين والأطباء والمهندسين والعسكريين والمصرفيين والإعلاميين والمعلمين وغيرهم، ممن مـُنحوا ميدالية أوائل الإمارات، إضافة إلى تخليد أسمائهم في ذاكرة الإمارات عبر أرشفة حكومية وكتاب حكومي خاص بهم.

    تكريم

    وقتها صرح حميدان للصحافة ووكالة أنباء الإمارات (انظر صحيفة البيان الصادرة في 2/‏‏‏‏‏12/‏‏‏‏‏2014) قائلاً: إن «اختياري ضمن كوكبة أوائل الإمارات يعكس تقدير وفخر واعتزاز الدولة بأحد أبنائها الذين بذلوا الجهد في مسيرة العمل الدبلوماسي وتحمل مسؤولية وأعباء هذا العمل في بدايات تأسيس الدولة»، مضيفاً أن «هذا التكريم يشجع ويحفز جميع أبناء الوطن الغالي كلاً في موقع عمله على أنْ يتفانى ويقدم المزيد من العطاء من أجل بناء الوطن وإسعاد أبنائه»، موجهاً شكره إلى صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، على المبادرة غير المسبوقة التي تزامنت مع احتفالات الإمارات بيومها الوطني.

    هذا علماً بأنه تم في سنة 2015 تكريم أسرة السفير حميدان من قبل سمو الشيخ حمدان بن زايد آل نهيان، ممثل حاكم أبوظبي في منطقة الظفرة، بحضور سمو الشيخ عبدالله بن زايد آل نهيان وزير الخارجية والتعاون الدولي، وذلك بمناسبة يوم الشهيد.

    كفاح

    ومن يتمعن في سيرة السفير علي محمد حميدان يكتشف سريعاً كم كافح الرجل وعانى حتى أكمل دراسته ونال أعلى الشهادات الجامعية (وهو في هذه المعاناة والكفاح لا يختلف كثيراً عن زميله الشهيد سيف بن غباش أول وزير للدولة للشؤون الخارجية في الإمارات، الذي أصدر حميدان حوله كتاباً في عام 1991 سماه «سيف غباش.. مسيرة العلم والسياسة»).

    كما يكتشف المتمعن مدى إيمانه العميق بالوطن الخليجي الواحد، فهو -إن صح التعبير- مثال للرجال الأوائل الذين لم تقيدهم الظروف وتمنعهم من العبور إلى دول الجوار بحثاً عن الرزق لدى أبناء العمومة، دون حساسية. وآية ذلك أنه وُلد ونشأ ودرس في البحرين، وهاجر للعمل في الكويت، ثم نال شرف حمل جنسية دولة الإمارات حيث صنع قصة نجاحه ومجده.

    غير أن البحرين، باعتبارها مكان الميلاد ومربع ذكريات الصبا والشباب، ظلت تسكنه دائماً بدليل تردده عليها من حين إلى آخر.

    وفي زيارته لها سنة 1990 أجرى حواراً نادراً مع الكاتب والصحافي كمال الذيب، ضمّه الأخير إلى كتابه المهم الجميل: «مساءلات في الثقافة البحرينية.. عشرون عاماً من الصحافة الثقافية»، الصادر عن مجلة «البحرين الثقافية» في عام 2015.

    والحقيقة أن هذا الحوار الموسع يصلح للاطلاع على الكثير من أفكار حميدان ورؤاه الاستشرافية التي لم يـُكشف عنها من قبل.

    تحذيرات

    ففي موضوع الديمقراطية، حذر مبكراً من الخطورة المتأتية من اضطرار بعض التيارات للعمل من تحت الأرض، بدلاً من العمل وفقاً للقانون، مشيراً إلى الجزائر كمثال على منع التيارات الديمقراطية من العمل العلني لفترة طويلة، الأمر الذي تسبب في نمو القوى الظلامية المتطرفة من تلك التي حاولت السيطرة على البلاد وتلوينها بطابعها الأصولي الخاص بالقوة والانقلاب أو عبر صناديق الاقتراع بعد السماح للديمقراطية.

    وحينما طرح عليه محاوره المأزق القائم بين الرغبة في دخول العصر بإطلاق المزيد من الحريات بما فيها السماح بأنواع من المشاركة الشعبية، وبين الخوف من أن فتح الباب يمكن أن يفضي إلى وصول قوى تعود بنا إلى الوراء، أكد حميدان وجود مثل هذا المأزق بوضوح في بلدان المغرب العربي والسودان والأردن ومصر، لافتاً النظر إلى ضرورة التدرُّج نحو الممارسة والمشاركة بإطلاق مزيد من الحريات، وتوفير حد أدنى من المشاركة المنظَّمة في حالة البلدان الخليجية، مضيفاً: «إذا ما حدث مثل هذا، فإنه سيفضي تدريجياً إلى فضح المتاجرين بطاقات المجتمع العربي، وسيتحرَّر حتماً من الأصولية، لأنها ظاهرة مرَضية مرتبطة بأزمة الحريات وبأزمة الهوية، وبأزمة الحيرة والتنمية، والبحث عن الذات الضائعة».

    وحول مفهوم ومستقبل الدولة في العالم العربي، عبر عن رأيه بصراحة ودون مواربة أو تحفظ بالقول: «لا يمكننا ونحن على أبواب القرن الواحد والعشرين أن نؤسِّس دولة أصولية.

    هذا غير ممكن لأنه منافٍ للتاريخ والعصر.

    وهذا لا يعني أن لنا خلافاً مع الدِّين الحنيف، ولكن أن نعوِّض ديكتاتورية عسكرية بأخرى دينية، نكون قد حكمنا على حياتنا العربية بالعقم والانفصال عن العصر».

    ثم أضاف قائلاً: «وصول أي فئة إسلامية إلى السلطة مستفيدة من أي مناخ ديمقراطي يعتبر كارثة فعلية، لأن وصولها إلى السلطة سيعني باختصار سقوط أي تجربة ديمقراطية أو تعدُّدية على حد سواء». كما استطرد موضحاً أن الدولة لا يمكن أن تعرف استقراراً وبناء ونهضة وتنمية ما لم يتم التعامل مع الخطر والتهديد الذي تمثله التيارات والجماعات المتشددة التي وصلت إلى العمقين الأوروبي والأمريكي.

    سيرة

    وُلد علي محمد حميدان بمدينة المنامة في أواخر العقد الثالث من القرن العشرين ابناً لعائلة بحرينية معروفة قدمت العديد من الأعلام في مجالات مختلفة، وتلقى تعليمه الثانوي بالمدرسة الغربية بالمنامة التي تخرج فيها عام 1951.

    بعد ذلك بدأ مشواره الطويل للتحصيل العلمي فارتحل أولاً إلى بغداد التي عاش ودرس في جامعتها في الفترة من عام 1952 حتى عام 1956 الذي نال فيه ليسانس القانون من كلية الحقوق.

    في هذا المنعطف من حياته كانت لدية الرغبة، وكذا الاستعداد لإكمال دراسته الجامعية العليا، غير أن أحواله المادية وقفت حائلاً دون تحقيق طموحاته، الأمر الذي قرر معه الاستقرار في الكويت التي كانت تعيش آنذاك بدايات نهضتها ونموها.

    وهكذا سافر إلى هناك واستثمر تخصصه في القانون بالعمل في المحاكم الكويتية في الفترة ما بين عامي 1957 و 1958 من أجل توفير قدر من المال يستطيع به مواصلة دراسته العليا.

    وحينما نجح في توفير المال المطلوب ترك عمله في الكويت وحط رحاله في العاصمة الفرنسية، باريس، ليبدأ من هناك مرحلة أخرى من مراحل كفاحه العلمي والمعرفي التي تمثلت في التحاقه بجامعة السوربون في الفترة ما بين عامي 1959 ــ 1967، وحصوله منها على دكتوراه الدولة في القانون الدولي عن أطروحة قدمها بعنوان «التطور السياسي لدول الخليج العربي في العصر الحديث»، ونشرها في عام 1967.

    بعد ذلك بقي في باريس باحثاً عن وظيفة، فرتبت له الأقدار عملاً لدى منظمة الأمم المتحدة للتربية والثقافة والعلوم (اليونسكو)، وهو العمل الذي بقي فيه عامين ما بين سنة 1967 و1969.

    حياة أكاديمية

    بحصوله على درجة الدكتوراه من واحدة من أعرق الجامعات الفرنسية والأوروبية بات حميدان مؤهلاً لدخول الحقل الأكاديمي.

    وتشاء الصدف في هذه الفترة تدشين جامعة الكويت أولى كلياتها وهي كلية الحقوق التي فتحت أبوابها في أبريل سنة 1967، فمهدت هذه الصدفة الطريق أمامه للعودة مجدداً إلى الكويت، لكن ليس للعمل في محاكمها وإنما لتدريس القانون لأبنائها في جامعتهم الفتية.

    لم تطل إقامة حميدان في الكويت هذه المرة، حيث أمضى بها سنة يتيمة هي سنة 1969، قرر في نهايتها السفر إلى أبوظبي، حيث كانت تجربة اتحادية فريدة في طور النشوء بعد قرار لندن في يناير 1968 إنهاء معاهدات الحماية البريطانية مع مشيخات الخليج، وسحب قواتها من شرق السويس في موعد أقصاه نهاية عام 1971.

    في أبوظبي تم تعيينه في بادئ الأمر مستشاراً قانونياً للشؤون الاتحادية لحكومة الإمارة، وهي الوظيفة التي مارسها خلال عامي 1971 و1972.

    في أعقاب قيام دولة الإمارات العربية المتحدة، تمت الاستعانة بخبرات حميدان السياسية والقانونية والأكاديمية وتقرر تكليفه بمنصب دبلوماسي هام تمثل في إرساله إلى نيويورك لترؤس البعثة الدائمة للإمارات لدى الأمم المتحدة. وهكذا دخل الرجل التاريخ، بعد نيله الجنسية الإماراتية، كأول سفير للإمارات في الخارج، وأول مندوب لها لدى الأمم المتحدة.

    وأثناء شغله لهذا المنصب عين سفيراً غير مقيم للإمارات في كندا، من عام 1976 إلى عام 1980. والحقيقة أن انتقاله للعمل الدبلوماسي شكل منعطفاً هاماً وخصباً في حياته العملية.

    1967

    وبالعودة إلى الحوار الذي أجراه معه الكاتب كمال الذيب، يتحدث حميدان عن هزيمة يونيو 1967 وقيادة الرئيس المصري الراحل جمال عبدالناصر. فكان ردّه حول حياته في باريس هو: «لقد اقتطفت من العمر عشراً من السنين، عشتها بحرية عاقلة، حرية الباحث، حرية الإنسان الباحث عن كمال الوجود الحي».

    أما عن هزيمة يونيو فقد أفاد بأنه استقبل أخبارها وهو في باريس وتركت في نفسه صدمة وآثاراً لا تنمحي. وفي هذا لم يختلف حميدان عن الكثيرين من أبناء جيله في طول العالم العربي وعرضه ممن منّوا النفس بالانتصارات فإذا بهزيمة نكراء تزلزل كيانهم وقناعاتهم وتحيل آمالهم إلى يأس وقنوط.

    وفي رده حول الرئيس الراحل جمال عبدالناصر، أشار إلى الأمور التي أخذها العرب عليه، قائلاً إن عبدالناصر «لم يبن حزباً قومياً، ولم ينشر القومية العربية داخل مصر، ولذلك تلاحظ أن الناصرية انتشرت خارج مصر أكثر من انتشارها في الداخل»، مضيفاً أن عبدالناصر: «كان يتصرف بعقلية الفارس العربي القديم.. الفارس البطل الشجاع المقدام الذي ينتظره الإنسان العربي».

    وكم كان موفقاً ذلك الكاتب البحريني الذي كتب في الثاني من مايو 2017 عن قصة حميدان قائلاً: «ليست قصة كفاح وتحدٍّ ومثابرة، وانتصار على الذات والظروف المحيطة فحسب. إنها قصة صناعة نجاح لا يمكن التعامل معه باعتباره نموذجاً فحسب، بل باعتباره ممكن التحقق، إذا ما وضع الإنسان نصب عينيه ما يتطلَّع إليه من أهداف، وعزَّز ذلك التطلُّع بالأدوات التي توصله إلى ذلك الهدف».

    رحلة نجاحات

    عاد د. علي محمد حميدان إلى أبوظبي بعد رحلة دبلوماسية في أروقة الأمم المتحدة امتدت لنحو عقد من الزمن اكتسب خلالها المزيد من الخبرات، وتعرف أثنائها على العديد من الشخصيات الدولية المؤثرة، فشغل منصب مدير الدائرة القانونية في ديوان وزارة الخارجية، لكنه سرعان ما عاد إلى الحقل الدبلوماسي بقرار أصدره المغفور له الشيخ زايد بن سلطان، تضمن نقله إلى دمشق سفيراً للإمارات لدى الجمهورية العربية السورية في الفترة ما بين عامي 1987 و1989.

    وبعد ذلك، تقاعد وانصرف إلى العمل الخاص من خلال مكتب افتتحه لنفسه في أبوظبي للمحاماة والاستشارات القانونية.

    صياغة المفاهيم

    أكد د. علي محمد حميدان في حواره مع الكاتب كمال الذيب، سنة 1990، ضرورة إعادة صياغة المفاهيم وعدم الخلط بينها لأن الخلط والغموض يولدان ممارسات خاطئة تقود إلى الكوارث والأزمات. وضرب مثلاً بالوحدة العربية، قائلاً: إنها فكرة «بحاجة إلى إعادة تأسيس موضوعية.

    الدولة هي الحقيقة الموضوعية الوحيدة في الوطن العربي حالياً، ويجب أن نؤسس البنيان على أساس موضوعي، أي يجب أن ننطلق إلى فكرة الدولة أولاً، أي أنْ نبني دولنا محلياً، ثم نفكِّر فيما بعد في البُعد الإقليمي، ثم في البعد القومي الشامل».

    صفحة مُتخصّصة بالتأريخ الاجتماعي لمنطقة الخليج العربي

    طباعة Email