جذور

الروزنامات .. مدوّنات وحكايات وإشارات إلى الإمارات وأهلها (1 - 5 )

قدّم ربابنة السفر الشّراعي الخليجي (عبر السفن الشراعية)، مدوّنات خاصّة برحلاتهم وأسفارهم الطويلة تدلّ على عنايتهم واهتمامهم بظروف أسفارهم في نهايات القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين.

وبرع الربابنة الكويتيّون في هذا الفنّ التسجيلي المتميّز. وهذه الحلقة وما بعدها سوف نتطرّق إلى موضوع توزّع على أكثر من مدَوَّنة بحريّة، تجاوزت أعدادها الثلاثة عشر إصداراً، ممّا عُثر عليه من تدوينات الربابنة الكويتيّين. وهم في تدويناتهم المختلفة أشاروا إلى منطقة الإمارات وأهلها وجزرها وموانئها. وفي هذه الحلقة وما بعدها سنركّز على المحاور التالية:

(1) اللفظة والمعنى

(2) التأريخ والتوقيت

(3) الأحوال والرياح والأمطار والقياسات والمسمّيات

(4) الاستفتاح والمصطلحات

(5) سِجلّ موثِّق

(6) روزنامات النواخذة الكويتيين

(7) النّواخذة

(8) الإشارات إلى الإمارات، وتشمل الجزر، والموانئ والبلدات والقرى، والأهالي

اللفظة والمعنى

تطلق لفظة: «روزنامة» على دفتر القيد اليومي أو اليوميّات التي يقوم فيها النواخذة بتسجيل الأحداث أو المشاهدات أو الأوامر، ورصد مجريات الرحلة البحريّة، والأسفار البعيدة، وحركة السير والعمل على السفينة من إبحارها إلى رسوّها، ومنذ بداية السفر إلى نهايته حين العودة من ميناء الانطلاق، كما يُدَوّن فيها ما تمّ شحنه وتفريغه، وقياس سير السفينة وتحديد وجهتها، وموقعها في عرض البحر.

ولا يجيد فنّ تدوين روزنامات الأسفار إلا الخبراء والعارفون من النواخذة. وهذا التدوين يختلف عن المرشد البحري الذي يبيّن طرق الملاحة وأساليبها، وأهم الموانئ والجزر، وما له من علاقة بفنون علم البحر والملاحة، وهو ما كتبه الملّاح الشهير أحمد بن ماجد.

وفي كتابه القيّم: «سنّة النّواخذة»، أشار مؤلِّفه الشيخ حمود بن حمد الغيلاني إلى أنّ السفن السّفّارة تُعرف أيضاً بـسفن «الملاحة البعيدة المدى»، وهي تلك التي تجوب البحار والمحيطات، وعدّها الشيخ الغيلاني ضمن أقسام الملاحة البحريّة في مفهوم سنّة البحر. واعتبر ما يدوّنه النّواخذة في روزناماتهم جزءاً مهمّاً من سنّة البحر.

التأريخ والتوقيت

وعادةً ما تحتوي الروزنامة على تاريخ اليوم بالهجريّ والميلاديّ إضافة إلى النيروز الهنديّ الذي يمثّل 365 يوماً، تبدأ في الأسبوع الأول أو الثاني من شهر أغسطس من كلّ عام. إضافة إلى اليوم حسب التوقيت العربي للنّهار والمساء.

الأحوال والرياح والأمطار والقياسات والمسمّيات

ويسجّل في الروزنامة كذلك وضع الطقس من هواء باتجاهاته، والمطر حسب شدّته وخفّته، وارتفاع الأمواج، وتقلّبات السفينة، وإقبال الرياح صوب الأشرعة، ودوران الهواء، واشتداد الرياح وخفّتها وسكونها. ويرد في الروزنامات ما مرّ بهم من رمضانات وأعياد، وأهلّة. ويصاحب الروزنامة البحريّة دفتر للقياسات التي يجريها النّواخذة منذ أن تغادر السفينة ميناء إبحارها إلى ميناء رسوّها.

كما يصاحب الرزونامة دفتر خاصّ يشتمل على حسابات البحّارة، وما يُقدَّم لهم مِن مبالغ في مختلف الموانئ، وحتى نهاية الرحلة، وبالتالي يتمّ بعد ذلك حساب حصّتهم من ربح السفينة لقاء السهم الواحدة المخصّص لهم.

ويرافق هذه السّجلّات دفتر آخر لحساب مصاريف السفينة، ومصاريف الأكل خلال الرحلة. كما يدوّن النواخذة ما كان يسايرهم من المراكب، وما يمرّ بهم من جزر مثل: سلامة، وهنيام، ومصيرة، وسواحل ومرافئ مثل: خورفكان والفجيرة وصحار ومسقط ومطرح وكراتشي، وغالباً ما يسبق ذلك قول بعضهم: «أصبحنا في المكان الفلاني»، أو «دخلنا الغبّة الفلانيّة».

الاستفتاح والمصطلحات

تختلف عبارات الاستفتاح اليوم من نوخذة إلى آخر. ومن الأشياء اللطيفة أنّ النّواخذة يكتبون أسماء الأشياء واتجاهات الهواء ووقت الإبحار بألفاظ محلّيّة خليجيّة مثل: طرحنا، وخطفنا، وسنيار، وخواهر، وخبّ، ودوك، وكوس، وطهف، ونتخ، وعاصوف، وغيرها. بل يدوّن بعضهم ما تمكّن البحّارة من اصطياده من الأسماك: مثل: الجرجور، والعنفلوصة، والكنعد.

ويزيد بعضهم بتدوين كلّ مَن يزورهم من النواخذة الآخرين، بل والطعام الذي تناولوه سويّة، وأحياناً بعض الحاجيات التي يتطلّبها المركب، إضافة إلى ظروف طارئة تحدث لهم مثل انكسار رأس الدقل، أو تثقّب الشراع، أو قلّة الماء، أو إصابة السفينة بأضرار وأعطال، وظروف الرسوّ، وأوضاع المرافئ.

روزنامات النواخذة الكويتيين

مع بدايات الألفيّة الثانية أخذ مركز البحوث والدّراسات الكويتيّة، ورئيسه العالِم الكبير الدكتور عبدالله بن يوسف الغنيم نشْر ما حصلوا عليه من روزنامات لعدد من كبار النّواخذة الكويتيين، أرباب السفر الشراعي، بتحقيق دقيق من الخبير الكبير يعقوب بن يوسف الحجّي. ونشر المركز 13 روزنامة حتى الآن.

وكما ذكرنا سابقاً أننا سنستعرض مع القارئ الكريم ما دوّنه هؤلاء النواخذة عن أهالي وجزر وسواحل وموانئ وقرى الإمارات، وما لاحظوه فيها من تضاريس وما لفت نظرهم من أحوال. وهذا الأمر جعلني أقرأ كل الروزنامات التي أهداني إيّاها الدكتور الغنيم، مشكوراً، واستخلصتُ للقارئ ما تحصّلتُ عليه من معلومات وإشارات وإلماحات.

النّواخذة

وكتعريف موجز بهؤلاء النواخذة الذين وجدتُ في روزناماتهم ما نريده، هم:

(1) روزنامة النّوخذة أحمد بن سالم الخشتي، ومنشورة عام 2002. وتحتوي سفراته بين عامَي 1933 و1939.

وهو أحد خبراء الملاحة الأوائل، وأحد حكماء وبارعي الإبحار الشرعي في الكويت. وُلد في الكويت، وفيها نشأ وترعرع ثم أصبح نوخذة في سفن التاجر فلاح بن عبد المحسن بن حسن الخرافي، ثم نوخذة للبوم النامسة ملك التاجر الشّهير يوسف الصقر. وأمضى 40 عاماً في الملاحة الشّراعيّة حتى عام 1946، ومات عام 1963 وعمره 85 تقريباً.

(2) روزنامة النّوخذة أحمد بن فهد بن موسى الفهد، ومنشورة عام 2002. وفيها سفراته بين عامَي 1942 و1952. وهو ينتمي إلى عائلة من النواخذة. وُلد في الكويت عام 1917. وتعلّم الملاحة من والده. وقاد العديد من السفن الشّراعيّة مثل بوم ولد مبارك. إضافة إلى آخرين ثمّ ترك السفر البحريّ في أوائل الخمسينيات وافتتح عمارة يبيع فيها الأخشاب. ومات عام 1993 وعمره 76 عاماً.

(3) روزنامة النّوخذة سلمان بن عبداللطيف العيسى، ومنشورة عام 2000. وتضمّ سفراته بين عامَي 1952 و1954. وهو النوخذة والمعلّم وأحد نواخذة الكويت المعروفين. خدم طويلاً في النقل الشراعي لمدّة 45 عاماً وترك البحر عام 1955. وعمل مرشداً للسفن في ميناء الشويخ لعدّة سنوات ثم تقاعد. وترك الملاحة بعد ظهور النّفط. مات رحمه الله عام 1983.

(4) روزنامة النّوخذة عبدالمجيد بن الملّا أحمد الفيلكاوي، ومنشورة عام 2001، وفيها سفراته بين عامَي 1920 و1945.

وُلد هذا النوخذة في جزيرة فيلكا عام 1901. وتدرّب وتعلّم فنون الملاحة حتى تأهّل لقيادة السفن الشّراعيّة، وأصبح في البداية نوخذة للبوم كاكه للتاجر شاهين الغانم، ثم بوم حجّي سليم عام 1924، وقاد إحدى سفن التاجر محمد بن ثنيّان الغانم عام 1929. وفي عام 1931 قاد إحدى سفن التاجر أحمد الخرافي ثمّ ترك الملاحة عام 1945، مات عام 1961.

(5) روزنامة النّوخذة مفلح بن صالح الفلاح، ومنشورة عام 2000. وتحتوي سفراته بين عامَي 1943 و1948.

وهو من النواخذة المشهورين، وُلد عام 1921 وقام بالعديد من الرحلات البحريّة، وكانت معظم رحلاته إلى الهند وشرقي أفريقيا. وقاد البوم قتيبة للتاجر عبدالعزيز الصقر عدّة سنوات. ثمّ قاد البوم ميمون للتاجر خالد بن عبداللطيف الحمد وإخوانه. ثمّ ترك الملاحة في الخمسينيات وعمل في وظيفة حكوميّة. ومات رحمه الله في عام 1997.

(6) روزنامة النّوخذة ناصر بن يوسف الحجّي، ومنشورة عام 2000. وفيها سفراته بين عامَي 1942 و1947. وهو ينتمي إلى عائلة من النواخذة الكبار في الكويت. وُلد عام 1925، وتعلّم من والده فنون الملاحة. ثمّ عمل معلّماً على إحدى سفن مرشد العصيمي. ثمّ قاد العديد من السفن الأخرى، وهو فنّان يرسم السفن الشّراعيّة. ومات عام 1997.

(7) روزنامة النّوخذة حجّي بن يوسف الحجّي، ومنشورة عام 2002. وفيها سفراته بين عامَي 1937 و1950.

والنّوخذة حجّي وُلد في الكويت، وهو أحد النواخذة المشهورين، تدرّب على يدَي والده، ثمّ سلّمه والده البوم السّفّار لقيادته إلى سواحل الهند واليمن وساحل شرقي أفريقيا. كما تولّى قيادة سفن أخرى لعدد من التجار الكويتيّين المشاهير. ترك حجّي الملاحة عام 1951، وعمل في قسم الشؤون الماليّة في بلديّة الكويت. ومات فجأة في نوفمبر 1962.

(8) روزنامة النّوخذة يعقوب خلف اليتامى، ومنشورة عام 2002. وتضمّ سفراته بين عامَي 1945 و1953.

وقد وُلد النوخذة يعقوب في الكويت. وتدرّب على الملاحة وتعلّم أصولها. وبدأ أوّلاً مع بوم يوسف العثمان المعروف باسم موافج الذي سافر به إلى الهند وشرقي أفريقيا. ثم تسلّم قيادة سفينة اسمها عادل وهي من نوع البوم السّفّار للتاجر خالد بن عبداللطيف الحمد وإخوانه. ثم قاد سفينة بمحرّك للتاجر فيصل الزبن عام 1953. ثمّ ترك الملاحة والأسفار.

(9) روزنامة النّوخذة عيسى بن يعقوب بشارة، ومنشورة عام 2005. وتحتوي سفراته بين عامَي 1933 و1953. وقد وُلد النّوخذة الكبير والربّان الشهير عيسى بن يعقوب بن معيوف بن حسين بشارة في الكويت عام 1919.

(10) روزنامة النّوخذة علي بن حسن بن نخّي، ومنشورة عام 2006، وتضمّ سفراته بين عامَي 1945 و1946. وينتمي ابن نخّي إلى عائلة ظهر فيها عدد من النواخذة. وتولّى ابن نخّي قيادة عدد من السفن الشراعيّة الكويتيّة لعدد من تجّار الكويت الكبار، مثل: البوم إسلامي للتاجر فهد الفليح وإخوانه، والبوم مرزوق لصانع السفن المشهور أحمد بن سلمان الأستاد.

سجل موثق

إنّ الروزنامة وما يرافقها من دفاتر، هي سِجلّ وثائقيّ منظّم لرحلات السفن، قام بتدوينها نواخذة ماهرون، ملأتْ نفوسهم الثقة واليقين وقوّة العزيمة والصبر والتحمّل وحُسن الإدارة. وقد ظهرتْ كثير من هذه المدوّنات مع بدايات القرن العشرين أو مع نهايات القرن التاسع عشر، وزاد استعمالها بعد ذلك.

وبطبيعة الحال فإنّ حرص النّواخدة على ضبط أمورهم، وتسجيل مجريات أسفارهم، وتثبيت أسماء المسافرين والعاملين معهم في قوائم خاصّة، يدلّ على حرصهم على تدوين كلّ شيء.

 

 

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات