علي التميمي.. ثراء التجربة والأخلاق قبل ثراء المال

بسبب عوامل كثيرة، كانت مدينة الخبر على الساحل الشرقي للمملكة العربية السعودية المدينة الأبرز لجهة جذب التجار ورجال الأعمال والطموحين من ذوي الياقات البيضاء والزرقاء للعمل والإقامة بها في بواكير نهضتها ونموها.

والمتصفح لتاريخ المدينة منذ أربعينيات القرن العشرين يجد أن عائلات بكاملها نزحت إليها من مناطق سعودية مختلفة، ومن دول الخليج العربي المجاورة، ومن اليمن، فكانت هناك ــ على سبيل المثال ــ عائلات من نجد والحجاز والأحساء وعسير والبحرين وقطر ودبي والشارقة وعدن وحضرموت.

غير أنه إذا ما حصرنا حديثنا هنا في العائلات النجدية التي اتخذت من الخبر مكاناً جديداً لعملها وإقامتها وتجربة حظها، لوجدنا أن معظمها جاءت من القصيم، وتحديداً من مدينة عنيزة التي اشتهر أبناؤها على مر الزمن بهجراتهم وانتشارهم في مختلف الأصقاع من أجل الاتجار والعمل والتعليم أو بحثاً عن حياة أفضل.

من بين عائلات عنيزة التي قدمت إلى الخبر واستوطنتها منذ الثلاثينيات من القرن العشرين، عائلة التميمي التي ينتمي إليها التاجر ورجل الأعمال العصامي المعروف الراحل الشيخ علي العبد الله التميمي، صاحب المبادرات والمشاريع التجارية والصناعية والخدمية المبتكرة، والرجل الذي حفر اسمه في تاريخ الخبر كرائد لمجموعة من الأنشطة غير المسبوقة.

ميلاده

ولد التميمي في أواخر العقد الأول من القرن العشرين تقريباً في مدينة عنيزة، وعمل بداية، وهو لم يتجاوز بعد العاشرة من عمره، مع والده عبد الله التميمي في تربية وتجارة الخيول على نحو ما كان يفعل الكثيرون من أبناء القصيم في تلك الفترة.

غير أن ظروف الحرب العالمية الأولى وتداعياتها تسببت في كساد تجارة الخيول، وهو الأمر الذي لم يترك أمام والده سوى الانتقال للعمل في الزراعة والفلاحة. لكن ابنه الشاب لم يكن متحمساً للعمل في هذا المجال. وبعبارة أخرى، كانت طموحاته أكبر من العمل في الزراعة.

وحينما علم عبد الله التميمي بطموحات ابنه تلك، لم يقف حجر عثرة في طريقها بل شجعها. ومن دلائل تشجيعه له أنه سمح لابن عمه محمد العلي الجار الله التميمي أن يأخذه معه وهو صبي إلى البحرين، حيث كان الأخير يعمل هناك مع أخيه الكبير، وحينما توفي أخوه ظل مدة عشرين عاماً يتاجر بالمسابعة مع الوجيه محمد بن عبد العزيز العجاجي وإخوانه في المنامة، قبل أن ينتقل إلى الخبر سنة 1937.

في البحرين درس علي العبد الله التميمي في مدرسة الهداية الخليفية بالمحرق (المدرسة النظامية الأولى التي أُسّست عام 1919)، وكان من زملائه في هذه المدرسة الشيخ سليمان صالح العليان الذي غدا لاحقاً أحد أنجح وأبرز رجال الأعمال السعوديين. وواصل التميمي دراسته في المنامة إلى أن أكمل دراسته الثانوية.

عاد التميمي إلى السعودية في الثلاثينيات مسلحاً باللغة الإنجليزية التي تعلمها في مدارس البحرين التي تميزت بتدريسها لطلبتها في سن مبكرة. ولعل هذا هو الذي مهد له السبيل للالتحاق دون صعوبة بشركة الزيت العربية الأمريكية «أرامكو»، حيث زامل شخصيات برزت لاحقاً مثل الشيخين سليمان العليان وعبد الله فؤاد.

ومما يُـذكر أن أول وظيفة شغلها في أرامكو كانت وظيفة «مأمور مستودع» التي لم يستمر فيها سوى ستة أشهر، استقال بعدها ليتفرغ للعمل الحر، خصوصاً أن أرامكو كانت في تلك الحقبة تشجع موظفيها الموهوبين والطموحين على تأسيس أعمالهم ومشاريعهم الخاصة، كي يرفدوا بها أعمال ومشاريع الشركة من الباطن، وهذا ما حدث مع سليمان العليان وغيره من أوائل الملتحقين بالشركة النفطية.

عمل حر

هكذا نجد أن التميمي تفرغ للعمل الحر ووقّع في سنة 1942 أول عقد مع أرامكو لتزويدها بالحطب والمواد الأولية، إذ راح يأتي بالحطب من منطقة «أبوحدرية»، بالتعاون مع المرحوم نافع النافع، علماً أن الحطب كان مطلوباً آنذاك في الطبخ والتدفئة وغيرها بسبب عدم توافر الغاز أو الكهرباء بعد، ثم انخرط الرجل بدءاً من سنة 1949 في الأعمال التجارية من خلال استيراد إطارات الشاحنات من نوع «فايرستون» وأحذية السلامة من نوع «ريدينغ»، وبطاريات السيارات، وهو نشاط تجاري نما وتوسع كثيراً في مطلع الخمسينيات، فتحولت أعمال التميمي ابتداء من عام 1953 إلى مجموعة شركات، أخذت على عاتقها، ضمن أعمال أخرى، مد خطوط الأنابيب وتشييد المساكن ومرافقها.

وحينما بدأت أرامكو استيراد الغاز من البحرين التي كان النفط قد اكتشف فيها في سنة 1932 أي قبل السعودية بستة أعوام، وكذا استيراد الأنابيب وبعض الآلات والأجهزة من المنامة بحراً عبر فرضة الخبر، لجأت أرامكو إلى التميمي، فوقّعت معه عقداً لتنزيل ومناولة تلك الأشياء المستوردة.

وفي سنة 1946، أي بعدما اكتشفت أرامكو النفط وبدأت إنتاجه وتكريره في السعودية، أتاحت الشركة للتميمي فرصة تأسيس أول محطة لوقود السيارات (البنزين)، وكان مقرها مدينة أبقيق (إحدى مدن النفط الحديثة التي بنتها أرامكو)، كما أنيطت به عملية مد خطوط أنابيب النفط وإقامة الإنشاءات الخاصة بالعمل ومساكن العمال وتقديم بعض الخدمات لأولئك العمال القاطنين بعيداً عن الحواضر.

وقد قام التميمي بالعمل المطلوب منه خير قيام إلى درجة أنه حقق شهرة وسمعة حميدة في أوساط الشركة النفطية ومسؤوليها.

مبادرات

ومع ازدهار المنطقة الشرقية وتزاحم الأعمال والأنشطة التجارية فيها بسبب اكتشاف وإنتاج وتصدير النفط، توالت مشاريع التميمي وكانت كلها مرتبطة بصورة من الصور باحتياجات أرامكو وموظفيها وأنشطتها.

من بين أهم هذه المشاريع، التي كان التميمي وراء فكرتها شخصياً بفضل ما أوتي من طموح وعشق للمبادرة والمغامرة، مشروع تأسيس مغسلة ملابس أوتوماتيكية حديثة تحت اسم «مغسلة الدمام» بالاشتراك مع رجال أعمال محليين مثل الحاج عبد الله السيهاتي وعبد العزيز أبا حسين ومحمد المعلم، وذلك في منتصف عقد الخمسينيات، وكانت الأولى من نوعها في المنطقة، وقد فتحت فرعها الأول في الخبر في أحد الدكاكين المقابلة للواجهة الخلفية لعمارة الشيخ عبد الرحمن الطبيشي بشارع الملك فيصل (ما بين شارع التقاطع الأول وشارع التقاطع الثاني).

ومن بينها أيضاً تأسيس شركة للحافلات المسخّرة لنقل موظفي أرامكو من وإلى أماكن أعمالهم، تحت اسم «التميمي والسيهاتي»، ومنها أيضاً افتتاح أول سلسلة من الأسواق المركزية (سوبر ماركت السيفواي) في الخبر في سنة 1979، بالاشتراك مع رجل الأعمال الشيخ عبد الله فؤاد بوبشيت تحت اسم «تميمي وفؤاد».

وبمرور الزمن، وما حدث من تحولات كبيرة، وخصوصاً بعد إطلاق السعودية خططها التنموية الخمسية، تحولت مؤسسة التميمي البسيطة التي أُسّست في مطلع الخمسينيات إلى «مجموعة التميمي» العملاقة التي تضم اليوم أنشطة متنوعة تمتد إلى خارج المنطقة الشرقية، بل إلى خارج السعودية، وتميزت بالريادة في مجالات خطوط الأنابيب والمنشآت الكهربائية والميكانيكية، ومنشآت القوى الدفعية، وأعمال النقل، وخدمات التموين والدعم المعيشي، وعمليات الصيانة، والأسواق المركزية، والعقارات، وتصنيع الكيماويات لحقول النفط، وصناعة توليد القوى الكهربائية، والخدمات المدعومة الفنية اللوجستية، وإنشاء خطوط النقل الكهربائي، ومقاومة التآكل، وتلبيس الإطارات بالمطاط، وفبركة العوازل، وعمليات الفنادق، وعملية المغاسل، وأجهزة القياسات الموحدة ومراقبة السلامة.

إلى ذلك، فإن مجموعة التميمي لديها اليوم شراكات مع عدد من الشركات العالمية. فإضافة إلى شركة «سيفواي» الأمريكية للأسواق المركزية لديها شراكات مع شركات أمريكية أخرى، مثل: «جنرال إلكتريك»، «آي.تي.تي»، و«هاليبورتون»، وشركة «سيلفر تيك» البريطانية.

طموح

وفي مقابلة له مع صحيفة «اليوم» الصادرة في الدمام (2/‏‏2/‏‏2007)، تحدث أحد أبناء التميمي، وهو طارق علي العبد الله التميمي، الذي ورث الكثير من صفات والده في المثابرة والتواضع والصدق والإنفاق على أعمال الخير والبر والإحسان، فقال عن والده إنه لم يعمل على رفع مستوى أعماله فحسب، وإنما قام أيضاً برفع مستوى ثقافة العمل في البلاد من خلال توظيف الآلاف من الطلبة السعوديين خلال إجازاتهم الدراسية الصيفية وتدريبهم وزرع بذور الطموح في نفوسهم، كما أخبرنا في المقابلة نفسها الكثير عن والده العصامي، ومنه أنه كان يعامل أولاده الأربعة (طلال وطارق وهشام وأحمد) معاملة الرجال، ودأب على تعليمهم احترام الآخرين والاهتمام بمن حولهم، والإنفاق في سبل الخير.

كما حرص على تعريفهم بالعالم الخارجي من خلال زيارات سياحية مبكرة إلى لبنان وأوروبا، ثم تأهيلهم علمياً بإرسالهم للدراسة الجامعية في الخارج، ومنه أيضاً أن أقرب الأصدقاء إلى نفسه كانوا عبد الله فؤاد بوبشيت، وسليمان صالح العليان، وعبد الله محمد القاضي، ومحمد العبد الرحمن السعدي، وعبد الرحمن المنصور، وعبد الرحمن المشحن، ومنه أن الرجل كان قارئاً جيداً، يقرأ يومياً في الشعر والثقافة العامة بالعربية، كما كان يقرأ بالإنجليزية.

شهادات

رجل الأعمال البحريني المعروف علي راشد الأمين الذي رحل عن دنيانا في مارس 2019، والذي كاد أن يلقى حتفه في مدينة طريف على الحدود السعودية الشمالية مع الأردن، روى حكايته مع التميمي في مقابلة مع صحيفة «البلاد» البحرينية (5/‏‏6/‏‏2016) فقال ما مفاده أنه كان يعمل مع التميمي في خمسينيات القرن العشرين وكيلاً له في طريف، فاشتكى له رئيس المخازن أن أحد الموظفين لا يقوم بأداء واجبه الوظيفي ويستخدم المخازن للنوم.

وعلى أثر هذه الشكوى، قام علي الأمين بفصله من عمله دون أن يدور بخلده أن لذلك التصرف عواقب وخيمة في ذلك المجتمع القبلي المعتاد على «الفزعة»، إذ بمجرد أن انتشر خبر فصل الموظف الكسول تداعى أبناء قبيلته لدعمه في مواجهة من تسبب في قطع عيشه.

يعترف الأمين أنه خاف على حياته، بعدما جاءه أحد الأشخاص محذراً، فقرر الهرب من مكان عمله والاختباء مع متعلقاته المهمة في أحد المنازل إلى أن أشرقت شمس اليوم التالي فغادر مدينة طريف على عجل قاصداً مدينة الخبر، على بعد أكثر من 1300 كيلومتر، حيث مقر إقامة رب عمله علي التميمي الذي خفف من روعه وأبقاه عنده ليعمل سكرتيراً في مكتبه بالخبر، فصار من أوائل البحرينيين الذين عملوا في هذه المدينة السعودية، بل أيضاً ممن تعلموا الكثير من نشاط التميمي التجاري المبكر، بدليل أنه صار لاحقاً أحد أعمدة الصناعة وتجارة الأسواق المركزية في البحرين.

أما شريك التميمي وصديقه الأشهر المرحوم الشيخ عبد الله فؤاد بوبشيت، الذي تنقل في حياته العملية ما بين نجاح وإخفاق وخسارة وفوز، فقد التقى بالتميمي لأول مرة في عام 1962 خلال زيارته لمكاتب أرامكو للاطلاع على المناقصات المعروضة، فاتفقا حينها أن يتشاركا في مشاريع المقاولات معاً من خلال شركة أطلقا عليها اسم «تميمي وفؤاد»، وكانت بداية عملهما المشترك تنفيذ مشروع مد خط أنابيب النفط في حقل حرض.

والحقيقة أن هذه الشركة كانت فأل خير على عبد الله فؤاد من بعد بعض العثرات، فقد نمت نمواً كبيراً ومتواصلاً، واقتحمت مجالات جديدة مثل الاستثمار في أسهم البنوك، والصناعة والفندقة وأسواق الأطعمة المركزية (السوبرماركت)، وبما جعل عدد العاملين لديها يزيد على 7000 شخص ينتمون إلى 22 بلداً.

وبينما كانت شركة «تميمي وفؤاد» تنمو بثبات، كان عبد الله فؤاد يعمل في الوقت نفسه على الاستثمار منفرداً وفق اتفاق أبرمه مع شريكه علي التميمي يتيح لكل منهما ذلك، وهو ما تسبب في وقوع الشيخ عبد الله فؤاد في مآزق مالية بسبب مبالغته في التوسع والشراكة مع الآخرين.

1993

في الـ23 من مايو 1993، انتقل التميمي إلى جوار ربه، فرحل عن دنيانا رجل كان ثرياً في تجربته وأخلاقه وكرمه وكفاحه وسماحة نفسه وبذله اللامحدود في ضروب الخير قبل أن يكون ثرياً في ماله، وكان شاهداً حياً على حقبة تاريخية مضيئة طويلة من تاريخ وطنه الناصع.

ولعل عزاء أصدقاء المرحوم وأهل الخبر التي عاش بها ومات في أحضانها هو وجود أبنائه السائرين على دربه في البذل والعطاء والكرم والإيثار.

وتشهد على ذلك مشاريعهم الخيرية المخلدة لاسم والدهم مثل: منتزه الشيخ علي العبد الله التميمي في حي الجسر على مساحة 2300 متر مربع، وجامع الشيخ علي العبد الله التميمي بالدمام ضمن مشاريع المساكن الميسرة التي تنفذها جمعية البر بالمنطقة الشرقية، فصدق من قال: الكريم حي وإنْ كان ميتاً، والبخيل ميت وإنْ كان حياً.

شهادة

من الذين زاملوا التميمي أثناء عمله في شركة أرامكو رجل الأعمال حامد عبد الرحمن أحمد العبيدلي الذي انتقل إلى الظهران من مسقط رأسه في جدة للعمل مع أرامكو، والذي يرجع إليه الفضل في تأسيس أول فريق لكرة القدم في المنطقة الشرقية تحت اسم «فريق اتحاد الظهران»، وذلك تيمناً باسم نادي الاتحاد الجداوي الذي كان يلعب له أثناء عمله في جدة لدى عائلة زينل علي رضا.

وأفاد العبيدلي في إحدى المقابلات الصحفية التي أجريت معه لكونه الرياضي الوحيد الذي تشرف بالسلام على الملك المؤسس عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود، طيب الله ثراه، وتسلم من يديه كأس الفوز على إثر تغلب فريقه على فريق الجالية الصومالية في مباراة أقيمت في الظهران سنة 1947، وكان التميمي في شبابه رياضياً من هواة كرة القدم، وهو الأمر الذي لا يعرفه الكثيرون عن الفقيد.

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات