طالَب بحقلٍ نقدي مُصاحِب يُجاري الوسيط الجديد

محمد الحبسي: الأدب الرقمي.. إبداعٌ بلغة العصر

من أحضان الورق الدافئة إلى فضاءات التكنولوجيا الواسعة، انتقلت الإبداعات الأدبية لتواكب العصر ومتطلباته، مُطوِّعةً أدواته في الوصول إلى القارئ أينما كان، فأثمرت أدباً إلكترونياً اخترق الحدود والحواجز، وتحوَّل بمرور الوقت إلى أدب رقمي خلق حالة تفاعلية لافتة، جمعت القراء وأهل الأدب ومتذوقيه عبر منصات تكنولوجية تبادلوا من خلالها الآراء والأفكار، وانهمروا إبداعاً عكس مشهداً جمالياً أنيقاً، أثرى ساحة الأدب وأضفى الكثير من الفائدة الناتجة عن التلاقح الفكري المعرفي.

ورغم الانتشار الواسع للأدب الرقمي في الدول المتقدمة، إلا أنه لا يزال يراوح مكانه في الوطن العربي، هذا ما أكده الكاتب محمد الحبسي، مدير إدارة الآداب بالإنابة في هيئة الثقافة والفنون في دبي، لافتاً إلى أن هذا النوع من الأدب لا يزال جديداً أو مجهولاً في دول كثيرة، وقال:" نحن في عصر رقمي يجب أن نواكبه ونتحدث لغته من خلال ما نمتلك من أدب، ونقدمه للجمهور بالوسائل المناسبة، ولطالما كانت الأوراق هي الطريقة التقليدية التي تناولته على اختلاف أشكاله شِعراً أو روايةً أو قصصاً قصيرة أو غيرها، لتفرض التكنولوجيا حضورها، ما يستدعي إعادة النظر في التعامل مع الأدب لتقديمه بوسائل مختلفة وجديدة يتقبلها الجمهور".

وذكر الحبسي أن الأدب الرقمي لم يفرض حضوره بعد الأدب الورقي مباشرةً، بل جاء الأدب الإلكتروني كوسيلة عرضٍ جديدة لما كان ورقياً، حيث تحولت الكتب من ورقيةٍ إلى نسخٍ إلكترونيةٍ يمكن تصفحها عبر الأجهزة والألواح الإلكترونية، ليأتي بعد ذلك الأدب الرقمي الذي خلق حالة من التفاعل والتواصل بين الكُتاب والقراء بشكل مباشر، وعن ذلك قال الحبسي: " لم يقتصر دور الأدب الرقمي على عرض نظيره الورقي إلكترونياً، بل طوَّره بما أضافه من تفاعل تقني بالصوت والصورة والانفوجرافيكس، وغيرها من وسائط ومؤثرات ساهمت في إحداث حراك متميز جذب مستخدمي الأجهزة والألواح الإلكترونية نحو المحتويات الأدبية، ما أدى إلى نشر ثقافة المشاركة بالرأي والنقد، من خلال التعليقات الفورية التي يحصل عليها الكاتب من القراء بمجرد نشر إنتاجه الأدبي، سواء كان شعراً أو نثراً".

ولفت الحبسي إلى أن عصر الأدب الورقي لن ينتهي رغم بعض الأصوات التي تردد عبارات من هذا القبيل، مشيراً إلى ارتباط الكثيرين مع الكتاب الورقي بعلاقة فريدة من نوعها، ومؤكداً -في نفس الوقت- على ضرورة مجاراة العصر الرقمي وتوفير الإنتاجات الأدبية إلكترونياً بأفضل جودة، ما يساهم في تحفيز جيل اليوم على القراءة والمطالعة، وقال:" يجب أن يكون تركيزنا منصباً على تحبيب أبنائنا بالقراءة وجعلها أسلوب حياة، وليس على الوسيلة التي ينتقونها للقراءة، فالأدب الرقمي سيكون مصاحباً للورقي بقوة، واختلاف الوسيط لا يعني اختلاف الأدب، إذ أن الأدب يبقى أدباً أينما كان، ولكن مع مراعاة جودة المنتَج الأدبي".

وأكد مدير إدارة الآداب بالإنابة في الهيئة على ضرورة وجود ناقدٍ للأدب الرقمي، يكون بمثابة ربان السفينة الذي يقود ويوجه ويبين ويوضح ويصحح المسارات في ظل التغيرات والتحولات الجديدة، وقال:" لا بد من ناقدٍ يتماشى مع الأدب الرقمي بوسيطه الجديد، وذلك تحسباً لتغير سمات الأدب وأنواعه مع تغير الوسيط، إضافةً إلى ضرورة وضع ضوابط تحفظ جودة الفكر والإبداع في ظل المتغيرات الجديدة. ولذا، أدعو الساحة الأدبية للاهتمام بالأدب الرقمي الذي بدأ يفرض حضوره بقوة في العشر سنوات الأخيرة، مع ضمان تغذيته بحقل نقدي مصاحب ".

وأشار الحبسي إلى وجود بعض السلبيات للأدب الرقمي، إلا أن التعامل معها بحرفية سيساهم في التغلب عليها، وعنها قال:" تتمثل سلبيات هذا الأدب في صعوبة الحفاظ على حقوق الملكية الفكرية، إضافةً إلى الترويج للأعمال الأقل جودة، من خلال المؤثرات التي تُزيِّن الأدب رغم كونه ركيكاً في حالات كثيرة، ما يستدعي وجود نقد حقيقي، وقوانين وضوابط تصون هذا الأدب".

وذكر أن الأدب الرقمي يمتاز بمجموعة من الخصائص يفتقرها غيره، أبرزها مزج الكلمة ودعمها بصورٍ وأصواتٍ تتناغم مع الإنتاج الإبداعي، ما يزيد أناقته ويكسبه وهجاً إضافياً. كما فتح الأدب الرقمي الباب للتأليف الجماعي، ليكتب أحد الشعراء بيتاً، فيجاريه آخرٌ في نفس اللحظة، ما أثمر عن أعمال أدبية مشتركة تتسم بالقوة والعمق والتنوع لتعدد مبدعيها، إلى جانب قدرة الأدب الرقمي على توفير الإنتاجات الأدبية للكُتاب ومعلومات وافية حولهم لمن يبحث عنها، ما يسهل مهمة الباحثين والقراء.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات