قضية

الشعر النسوي.. حضور جليّ يسعى لإثبات الذات

عن المرأة وقصيدتها تدور القضية التي طرحتها «البيان» للنقاش، والتقت عدداً من الشاعرات من مختلف الدول العربية، اللاتي رددن على التساؤلات المثارة حول أصالة النص الشعري النسوي، والموهبة الشعرية النسائية التي يثار حولها الكثير من الجدل، وإبداع المرأة الأدبي المعرّض دائماً للنقد الذي يصل إلى التقليل من موهبتها والتشكيك في إبداعها، وذلك رغم أنها حققت العديد من الإنجازات في مختلف المسابقات الشعرية والأدبية، ونافست الرجل في مراكز متقدمة، إضافة إلى حضورها في المنابر المهمة جنباً إلى جنب مع الشاعر، ناهيك عن التجارب النسائية المشرفة التي أثبتت حضورها وخطفت الأضواء ببراعتها، وشهد لها التاريخ منذ القدم وحتى الآن.. كما رفضت الشواعر اللاتي التقتهن «البيان» تصنيف الإبداع مهما تنوعت أساليبه إلى ذكوري أو نسوي باعتبار أن الإبداع فن لا جنس له.

تقول الشاعرة العراقية ساجدة الموسوي: عندما يقال إن عدد الشاعرات في العالم أقل من عدد الشعراء، فإن لذلك أسبابه الموضوعية، ولكن عندما يقال إن المرأة الشاعرة أقل موهبةً أو إبداعاً من الرجل، فهنا لا بد أن نشير إلى انحياز الرجل لذكوريته، حين يقول إنه الأكثر إبداعاً.

وأضافت: لقد أبدعت المرأة في شعر الأمومة والغزل والوطن والأسرة والإنسانية، وكل ما له علاقة بالوجدان والقيم، وأبدع الرجل في شعر الحماسة والفروسية والغزل والقيم والوطن والإنسانية، الفارق بين شعرها وشعره ليس من منطلق الإبداع، فالمرأة الشاعرة كما الرجل إبداعاً، والفرق أنها في الغزل حيية وهو في الغزل صريح، والمرأة في الحماسة محدودة التجارب والرجل ساحته المعارك والتحديات والغضب والشدة، وهذه السمات تبرز شاعرية الرجل، وتجعله متداولاً أكثر من المرأة، فكيف لو أضفنا إلى ذلك حرية الرجل وامتلاكه نواصي الإدارة والحكم والإعلام، فهو يوظّف ذلك منحازاً لدوره ليشكل حضوره بإصرار وقصد واضحين.

وواصلت: ابتداءً بإنخيدوانا، الشاعرة السومرية، التي سبقت شاعرة الإغريق، سافو بـ700 عام، وانتهاءً بجيل المبدعات المعاصرات في وطننا العربي، نقول إن المرأة الشاعرة مبدعة بامتياز، ومن لم يصدق ليقرأ لسعاد الصباح، وابتسام صمادي، وشفيقة وعيلي، ورشيدة محمدي، وشيخة المطيري، وغيرهن كثيرات.

إيماناً بالشاعرة
الشاعرة الأردنية، إسراء عيسى، قالت إن وضع المرأة في الوقت الحالي مبشر جداً، وحضورها يشهد توهجاً شعرياً وإعلامياً، ويبدو أنها تحررت من القيود التي تحيط بها، وأصبح المجتمع أكثر إيماناً بشاعريتها بعد الانفتاح الثقافي والحضاري، والإبداع الشعري ليس حكراً على أحد، فالموهبة ربانية توهب لكلا الجنسين، وربما عانت المرأة في السابق من التشكيك بموهبتها، ما جعلها تلجأ للاسم المستعار خوفاً من ردة فعل مجتمعها الذي كان يرفض ظهورها للملأ صوتاً وصورة، ومن هنا أود أن أشيد بدور المسابقات الشعرية التي عززت ظهورها الإعلامي وأثبتت شاعريتها دون تشكيك بالتساوي مع ما يخضع له المتسابق الرجل في شروط المسابقة للمنافسة والفوز.

وتابعت: أنتهز هذه الفرصة لأعبر عن تقديري وشكري للدور الذي تؤديه دولة الإمارات في إبراز هذه الهوية الشعرية وإتاحة الفرصة للمرأة بكل الطرق الحضارية والأخلاقية ليعلو صوتها شاعرة حقيقية يشهد لها التاريخ بأصالة الموهبة.

إنصاف
وأكدت الشاعرة الإماراتية، نايلة الأحبابي، أن توافر الوسائل المختلفة للنشر سمح للمرأة الشاعرة بأن تصل بقصيدتها ويكون لها صوت مسموع من خلال هذه الوسائل، ومما لا شك فيه أن المرأة في الإمارات تحظى بالاهتمام على الصعيد الثقافي والأدبي من الجهات المسؤولة والمختصة بالشعر والأدب والتراث، التي تسعى لإبراز هذا الجانب الإبداعي لدى المرأة، لكن قد يصعب أحياناً على المرأة الوصول لهذه الجهات للمشاركة بما لديها من مخزون شعري، خاصة مع تكرار هذه الجهات أسماء معينة دون غيرها، ما يسهم في إفساح المجال أمام مواهب أخرى جديدة، هن أقدر من غيرهن.

ولا ننسى تلك الجهود التي يبذلها القادة للاهتمام بالشعر والأدب وتشجيع الشاعرات، لذا ليس من الإنصاف التقليل من قدرة وموهبة وشاعرية المرأة، التي حققت بدورها العديد من الإنجازات والإسهامات في الشعر والأدب وغيرها من المجالات وبجدارة، واستطاعت أن تكون قدوة ومدرسة للأجيال القادمة بفكرها وموهبتها وثقافتها، ونتمنى لو تخصص الجهات المعنية في مدينة العين مؤسسات أو جمعيات تدعم الشاعرة وتهتم بها.

إجحاف بحق الجمال
هند الفهيد، الشاعرة والكاتبة السعودية، أكدت أن الأنثى الشاعرة لا تنتظر بتاتاً أن يشار إليها بالنجاح والتقدم والإبداع، فهي منذ القدم أثبتت شاعريتها وموهبتها وتفوقها في مختلف المحافل والمنابر الأدبية والثقافية وغيرها، ولا يشكك بها إلا من لا يثق بنفسه وبموهبته، الفارغ من الثقافة.

وأضافت: «النساء شقائق الرجال في جميع المجالات وغالباً يتفوقن ويبرعن، لذا نجد الحاسد يقلل من شأنها انتصاراً لذكورته، وهذا إجحاف بحق الجمال والفن الذي يبنى عليه الشعر، الذي هو ليس معجزة تحتكرها فئة دون غيرها، بل هو فن وموهبة تسطع بالممارسة والثقافة والاطلاع دون أن تحتكر بإرث البيئة والمعرفة.

حضور
وقالت الشاعرة الفلسطينية، همسة يونس: «بشكلٍ عام لا يمكن تصنيف الأدب على ما اصطلح تسميته بأدب «ذكوري» وأدب «نسوي»، فمنذ قدم التاريخ كانت المرأة موجودة بوصفها شاعرة وأديبة، مثال ذلك إنخيدوانا كونها أول شاعرة في التاريخ، والخنساء كونها أشهر شاعرات العرب، ورابعة العدوية كونها أشهر من تغنى بالحب الإلهي، حتى الشاعرات المعاصرات اللواتي غيرن في القالب الشعري، مثل نازك الملائكة، التي مع بعض معاصريها من الشعراء ثبتت وجود شعر التفعيلة بوصفه نوعاً أساسياً مع الشعر العمودي، ولا ننكر أهمية الإعلام الحديث والتعليم في ترسيخ محبة الشعر وحب تعلمه وإتقانه عند الجيل الجديد، ولا غرابة أن تبدع المرأة في هذا المجال خاصة، وذلك لما به من شاعرية عالية تسهم طبيعة المرأة وحساسيتها وعاطفتها في إظهارها على الوجه الذي يتوقد بالإبداع، فالمرأة الشاعرة حاضرة وإن قلّ البروز الإعلامي، سابقاً، للكثير من الشاعرات نتيجة ظروف معينة أهمها الانشغال بالتحصيل الدراسي أو إنشاء عائلة أو حتى الحياء كونه عاملاً يمنعها من الظهور على الساحة الأدبية، لكن الواقع الآن يشهد لمعاناً شعرياً أنثوياً يعتمد على وسائل التواصل الاجتماعي والنبوغ الفكري والاهتمام الثقافي والتعاضد المجتمعي في إرساء معايير لشاعريتها عن طريق الشعر الفصيح والنبطي.

تألق
وأوضحت الشاعرة، هيلة القحطاني، الملقبة بـ«شواهق نجد»، أن وسائل التواصل الاجتماعي فتحت للشاعرة آفاقاً رحبة للتواصل، ونشر إبداعها دون قيود أو شروط، ما أسهم في ظهور العديد من الشاعرات اللواتي لفتن الأنظار بروعة ما كتبن، فهي ليست أقل إبداعاً من أخيها الشاعر إن لم تتفوق عليه في بعض الأحيان، ولا يشكك في إبداعها منصف، لأن الله سبحانه وتعالى جعلهما في التكليف سواء فكيف تقل عنه في أمر أقل من العبادة؟

وواصلت: إن الثقافة والاطلاع وثراء المفردة لدى الشاعرة هو ما يجعلها تتفوق وتتألق في مجالها، وليست المقارنات التي لا أساس لها من العدل ولا جحود أو نكران شاعريتها من الأساس والتشكيك بكل عمل إبداعي تقدمه للساحة الشعرية، وتظل المرأة أقل حظوة في المسابقات، رغم تميزها، ونلاحظ أنها لا يمكن أن تفوز بالمركز الأول في مجتمع تسيطر عليه الذكورية وهذا ليس من العدل في شيء، ولا يعني قصر باع المرأة ولا يعني عدم تمكنها، بل على العكس أبدت المرأة منافسة قوية في هذا المضمار وما زالت تقدم لنا كل فترة أسماء ستظل عالقة في الأذهان روعة وجزالة.

تصنيف الإبداع
وفي السياق ذاته، أكدت الشاعرة العُمانية، بشرى الحضرمي، أن الشعر عمل إبداعي لا يجوز تصنيفه ذكورياً أو نسوياً، فهم سواسية، وقد أثبت المرأة الشاعرة جدارتها خلال مشاركتها في العديد من المسابقات الشعرية التي وصلت فيها لمراحل متقدمة، لذا فهي تتساوى مع الرجل ولا يجب التشكيك في قدرتها الإبداعية أو موهبتها، ومن يفعل ذلك فهو جاهل بلا شك، وهناك العديد من النماذج لتجارب نسوية لشاعرات أثبتن حضورهن الشعري من خلال نصوصهن الشعرية الجزلة منذ القدم وحتى الآن، ومن يرى أن المرأة غير قادرة على تقديم نص شعري قوي فهو يسعى لإحباطها، لكنها قادرة على الإبداع مثلها مثل الرجل، فالإبداع لا جنس له.

فارق عددي
وتخبرنا الشاعرة الإماراتية «فتاة تهامة»، بأنها خلال متابعتها لأحد البرامج الشعرية التي كان محورها «شعر المرأة»، أثار استغرابها النقاش الذي استمر ساعة ونصف الساعة، والذي تضاربت فيه الآراء حول شاعرية المرأة، فمنهم من يرى أن ما تفتقده المرأة هو ضبابية رسالتها الشعرية التي تود إيصالها للمتلقي، إضافة إلى الشكوك التي تثار حول أصالة نصّها، مثل هذه الرؤى التي تكتسح معظم الساحة الشعبية ليست من الإنصاف بمكان، لأنها تفوح تمييزاً وإقصاءً لا تخطئه عين منصف ومتابع محايد، فما السبب وراء كل هذه الحملة التي يقودها الشاعر على حساب أخته الشاعرة، والذي يربطهما هو الأدب؟
‏وتابعت: في تقديري أن الوعي الثقافي يكاد يكون محصوراً في منطقة معينة دون أخرى، ما ساق كثيراً من الآراء خلف ترهات حصرت الشعر الذكوري وأهملت جانب الشعر النسائي.

كذلك الصوت الحاد في مهاجمة المرأة الشاعرة والنيل منها بكل قسوة حتى وإن كان هنالك شاعرات متميزات فلغة الإقصاء حاضرة ومرئية للعين.

25 %
وواصلت «فتاة تهامة»: نحن لا ننكر القصور والضعف في بعض النتاج النسائي المتعلق بالشعر، فضلاً عن القصور إياه في التجربة الذكورية.

وكأي فن أو ممارسة ثقافية وبيئة إبداعية، لا بد أن تتخللها بعض النقائص والنفائس، لكن الحقيقة التي يجب أن نتفق عليها جميعاً، كثرة الشعراء من جنس الرجال وعدد قليل بجانبهم من الشاعرات، غير أننا لو افترضنا ولو على سبيل المثال، هل كل هؤلاء الشعراء على مستوى واحد من الإبداع؟ بطبيعة الحال لا، لذلك التجربة النسائية لا توازي ولا حتى 25% من الساحة الرجالية، بسبب كثرة الشعراء والتجربة النسائية التي يغلفها الحياء، ولربما هنالك أسباب أخرى قد يطول شرحها.

وأضافت: ما أبنت عنه أعلاه أننا لو كنا منصفين لقلنا إن غثاء الساحة الشعرية الشعبية غالبه من الشعراء الرجال، وما الشاعرة إلا قطرة في ذلك البحر، ومع ذلك لم نلحظ بشكل عام أن ثمة شاعرة قدحت وشككت في تجربة زميلها الشاعر كما يقوم به هو تجاهها، إضافة إلى أن التجربة النسائية قادرة على حجز مكانها وإثبات شاعريتها رغم كل المصاعب التي تواجهها، وشواهد التاريخ مليئة بذلك.

واختتمت حديثها بالقول: ما أريد قوله، نحن وأنتم إخواننا الشعراء في ميدان واحد ويجمعنا الأدب بمظلته الواسعة، فليكن هدفنا الرسالة السامية، ولنترك تلك النظرة الضيقة التي تحصرنا في إطار ضيق اسمه (نحن وأنتن).

قطب الشعر
وأكدت الشاعرة، أسماء البراهيم، أن المرأة الشاعرة كانت وما زالت وستبقى قطب الشعر الآخر، رغم أنف المشككين، وإذا كانت في معركة لإثبات وجودها وموهبتها الشعرية في الساحة، فلا بد أنها في النهاية ستنتصر، لأن خصمها يتقهقر وضجيج المهللين له بدأ يتلاشى، وأن الجميع لا يتفق على أمر مهما كان جلياً

طباعة Email
تعليقات

تعليقات