أمس واليوم

الدين بين التسامح والحداثة.. إيمان روحي وفكر مستنير

■ كنيسة «سانت فيليب الأرثوذكسية» الروسية في الشارقة | البيان

بعد قرون طويلة من الحروب الطاحنة التي أودت بالإنسان شرقاً وغرباً، ها هو الإنسان المعاصر يكرس قلبه للتسامح من جديد أمام الآخر، ويتصدى لكل تعصب أو تشدد أودى بكينونته وأدبه وتراثه وثقافته، ورغم بقايا الحروب يكتشف الإنسان، بأن ذلك الصراع لم يكن سوى تفسيرات من أجل مصالح اقتصادية وتوسعية تحت راية الدين، وينتصر من جديد لما في القلب من إيمان وحب ورحمة وكل الأمور المشتركة لا المحتكرة على هذه البسيطة، آتياً من جديد لينتصر للمفردتين التسامح والسلام، وهما مشتركتان في معنى الاسمين للديانتين المسيحية والإسلامية، لتأخذ العلاقات مسارها الأعمق ولتعكس بمحبة من خلال ترحيبنا هذه الأيام في دولة الإمارات بزيارة قداسة البابا فرنسيس بابا الكنيسة الكاثوليكية.

أجيال وحداثة

لا شك أن مفهوم الحداثة ينمو يوماً بعد آخر في معناه دون تفسير البعض لبداياته الأولى، لتبقى دلالة الحداثة متطورة منذ أن بدأ الإنسان يعبر عن نفسه شفهياً ومن ثم رسماً ونقشاً على الكهوف والأحجار، إلى اختراع السومريين الأبجدية التي عبر عنها فوق ألواح الطين، وهكذا فإن معنى الحداثة متطور من عصر لآخر، ليأخذ الإنسان تعبيره نحو فكر مختلف وحر عبر الأديان التي كانت ذات مفاهيم واضحة نحو التحرر والانعتاق من آلهات متعددة إلى إله واحد وغير مرئي وموجود في قلب كل من يؤمن به، وهكذا حتى أصبح الإيمان بالله مفهوماً حديثاً وحراً في وقته، كظاهرة وجودية متفردة.

يمر الزمن وتنام الفكرة كما هي، لتحبس نفسها أمام جموح الحداثة التلقائية الفطرية التي تمضي مع الزمن والأجيال المتسائلة على الدوام، تساؤلات نابعة من حاجاته الوليدة التي لا تكف عن استفساره للحياة والموت والزوال.. ورغم أنها تساؤلات متكررة لكنها مستمرة ومتطورة طالما العقل لا يغفل ولا ينام.

التغيير مستمر

بعد العصور الوسطى وانتهاك بعض القواعد لصالح فئة منتفعة لا لصالح البشرية، أتى الحداثيون يعبرون عن رغبتهم نحو التغيير وبأساليب مختلفة، سواء من خلال الإبداع الرمزي تلميحاً، أو من خلال المواجهة الشجاعة والقاتلة أمام أفكار كانت حداثية ليذكروهم بأنها أصبحت مؤسسات من أغلال.

ويهمنا أن نشير إلى أنه ومنذ اختراع «غوتنبرغ» الآلة الكاتبة الحديثة، حتى يومنا هذا مع ثورة الإعلام الرقمي، لتبدأ بالتدريج دور العبادة تفكر بالعالم المتطور كأمر مفروغ منه، خاصة في أوروبا، حيث أخذت دور العبادة فيها تتراجع بتراجع المصلين، لتتحول إما إلى فندق أو متحف.

خطاب جديد

أمام هذه العناصر مجتمعة قدم قداسة البابا فرنسيس خطاباً جديداً إلى الأكاديمية البابوية، خطاباً معاصراً وطويلاً ومعنوناً بـ«المجتمع الإنساني»، ليعبر عن هذه الحياة الحديثة المليئة بالشجاعة، وبالتالي على المؤسسات الدينية أن تفتح أبوابها ونوافذها للتفاعل والحوار مع البشرية جمعاء وبمختلف ثقافاتهم ليخدم الحوار مصلحة الجميع لا البعض، بوصفنا جنساً بشرياً واحداً على هذه البسيطة، ونتبع منهجاً شمولياً وبأهداف واحدة، وأنه على مؤسسة البابوية معالجة القضايا عبر الحوار المعاصر والمجاور للحداثة التي لا بد من مجاراتها.

وعبر الزمن فإن المحبة هي كنز الإنسان وفي أي مكان، لذا فإن المحبة تلخص أهداف الأديان بلا استثناء، لتبقى هي الأخوة العالمية والكنز الحقيقي، تلك المحبة المتسعة بوصفها اكتمال للأسرة الإنسانية الكبيرة والواحدة، فالحب حكاية صامتة منظمة تنظيماً اجتماعياً في كل بقاع الأرض... فالله يحب الجميع وبأصلنا المشترك على الرغم من التاريخ الذي مضى بصعوباته وبأحداثه المستمرة حتى يومنا هذا الذي تغمرنا التكنولوجيا والنظم الاقتصادية بأيديولوجياتها المستهلكة المتلاعبة بأحلام هذا الإنسان المتطلع.

قلب واحد

الخطاب المسيحي والخطاب الإسلامي اليوم يحاولان السيطرة على المحبة غير المشروطة نظراً للمصير الواحد للإنسان بين الحياة والموت، فإنه من المناسب الحفاظ على المحبة أمام هذه الانقسامات الأكثر عدوانية التي شهدتها الأرض من خلال البحث الأعمى عن المال والتمتع الأقصى، لذا فالحاجة إلى المحبة ضرورة لمواجهة التدهور الروحي والضيق الشديد وحزن القلب أمام فكر العدمية والمال والسلطة التي تسبب العدوانية والتشويش.

نستطيع أن نقول اليوم إن الأديان تحولت إلى فكر روحاني لتجاور إرث الإنسان من آداب وتقاليد وتراث، بالاشتراك مع السياسات الإنسانية المعاصرة والحداثة الفكرية... كلها اليوم مع الإنسان فقط، لتكشف له معنى أن تخضع للمصير المشترك بدلاً من البحث عن الاختلاف والتضييق وتخدير الفكر الفردي.

الإمارات رمز لـ«الوطن» لدى المسيحيين

أكثر من مليون مسيحي من الروم الكاثوليك والطوائف المسيحية الأخرى، ومن المغتربين المسيحيين، اختاروا دولة الإمارات للعيش فيها مطمئنين، وساهموا طويلاً فيها وشاركوا بسلام ومحبة، سواء على مستوى المدارس أو المستشفيات، من قبل الاتحاد مروراً ببدايات النهضة وحتى يومنا هذا الذي نرى فيه مساهماتهم في كافة القطاعات من طيران وصناعة وضيافة وخدمات وأفراح وسياحة فندقية ومستشفيات.. لذا فإن بعض المسيحيين يطلقون على دولة الإمارات «الوطن»، خاصة مع التزام الحكومة وعلى المدى الطويل بتعزيز التعايش والقبول بين جميع الطوائف والمذاهب والأديان المقيمة في الدولة.

المجتمع المسيحي في الدولة مزدهر، سواء في المدينة التجارية أو العلمية أو في الكنائس التي يصلون ويتعبدون بها، لتشهد الطائفة المسيحية اطمئنان وجودها اليوم خاصة مع ارتفاع عدد الكنائس في الدولة، الذي تفوق على أعدادها قاطبة في دول مجلس التعاون كلها، لتظل دولة الإمارات راسخة في مبدئها وأهدافها السامية لحماية المقيمين من أجل بنائهم علمياً وعملياً، مهما كانوا على اختلاف مذاهبهم وأديانهم، فالجميع على أرضها كما هو ميثاقها وعهدها الراقي نحو التسامح والسلام، والاتفاق على احترام التنوع الثقافي ورفض العنف والتطرف والعنصرية بكافة أشكالها.

ظلت الإمارات في طليعة الجهود الرامية لتعزيز هذه القيم وتحقيق الاحترام المتبادل وخلق الانسجام بين مختلف شرائح المجتمع، ليتحقق الثراء الثقافي والإخاء الإنساني، وهذه الأيام الحوار بين الأديان بعد زيارة قداسة البابا فرنسيس لدولة الإمارات، التي تعزز الروابط بين البشر، وترسخ مفهوم الأخوة العالمية.

«مار مينا».. هندسة معمارية كلاسيكية

نادراً ما نستعرض الكنائس في الإمارات من حيث البناء والفن، خاصة أن المباني تتفاوت بين هندستها المعاصرة أو الفنية الكلاسيكية تلك التي تعود إلى هويات من عصور سابقة أو ثقافات بعيدة، ولكنها كدُور عبادة أثبتت تنافسيتها وجمالياتها من حيث المعمار، كما هي كنيسة «مار مينا» بجبل علي في دبي، حيث تم الانتهاء من تزيينها عام 2014 بعد منحهم الأرض مكرمة من صاحب السمو حاكم دبي عام 2002؛ بهدف خدمة أبناء الجالية المصرية من الأقباط الأرثوذكس في دبي، لتعد اليوم تحفة فنية معمارية بنيت بمحبة هائلة.

دور بارز في التعليم

في 1963 تم اعتماد الأرض المخصصة في أبوظبي لوضع حجر الأساس فيها من أجل بناء كنيسة في منطقة الكورنيش تحديداً، هذه الكنيسة التي تسمى بـ«سانت جوزيف الكاثوليكية»، كان لها الدور الأبرز حينها في بناء مدرسة بجانبها وذلك في 1967، لتصبح المدرسة مخصصة قسماً للطلاب العرب، والآخر للطلبة غير الناطقين بالعربية. المدرسة كما يعرفها البعض بمدرسة القديس يوسف، لها الدور التعليمي الأبرز في أبوظبي منذ الستينيات.

كنيسة أثرية في صير بني ياس

بلا شك أن أرض التسامح الإمارات، المتقبلة لكل الأديان والثقافات، تملك في تاريخ أرضها ما لا يمكن إغفاله، وهو اكتشافها لكنيسة أثرية في جزيرة صير بني ياس الطبيعية، والتي تعد نقطة عبور إلى الجزر الأخرى، ففوق هذه الأرض الصغيرة بقايا أثر لكنيسة تعود إلى عام 600 للميلاد حسب تقدير الآثاريين. ومن الناحية الفنية بني الدير كالصحن وبأجنحة جانبية من هيكل ومدفن وبيت للصلاة ومذبح حوله مصليات، كما بانت بقايا نقوش من زهور على الجدران الساقطة مع رسمهم لأشجار النخيل الشامخة، مع بقايا جرار بألوانها الفيروزية والأواني المزخرفة.

1978

شهد هذا العام افتتاح مجمع كنيسة القديس «غريغوريوس الأرثوذكسية» في الفجيرة، حيث بدأت الجماعة المسيحية في الإمارة بعقد اجتماعات منتظمة للصلاة فيها.

2007

تم في هذا العام افتتاح كنيسة «سانت فيليب الأرثوذكسية» الروسية بمنطقة اليرموك في الشارقة، والتي تمتاز بمعمارها الفني المميز، لتعد الكنيسة محوراً ثقافياً وفنياً لا للعبادة فقط.

2019

بدأ عام 2019 في كافة الكنائس في الدولة، بخطاب من أجل الصحة الجيدة والمحبة والبركة مع الخير والرفاهية، وهذا ما تفعله بقية الخطابات الكنسية في الدولة لمخاطبة رعاياها.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات