حدائق الشعر تُزهِر على ضفاف «فيسبوك»

وسائل التواصل ترسم خريطة جديدة للكتابة الأدبية

تطور الكتابة الأدبية نفسها باستمرار عبر الاتجاهات الجمالية السائدة أو الجديدة. لكن ثمة وسيط إلكتروني شرع في رسم خريطة جديدة لجماليات النص الأدبي، ووسع كثيراً من دائرة التلقي.

ذلك الوسيط هو وسائل التواصل الاجتماعي، وفي طليعتها «فيسبوك» الذي نجح في إحداث نقلات كبيرة في عالم الكتابة الأدبية، وباتت تنمو على ضفافه حدائق من الشعر المختلف والمغاير، جاذباً إليه فئات جديدة من المتلقين، على اختلاف توجهاتهم وأعمارهم وتخصصاتهم وأذواقهم، حتى بات كثير من المبدعين يرون أن وسائل التواصل أحدثت ثورة في الكتابة الأدبية وفي التلقي لها في آن واحد، حتى إنها أعادت بعضهم من غياهب الصمت إلى ألق الإبداع من جديد.

نسعى عبر هذا التحقيق إلى سبر أغوار هذه المتغيرات، وما إذا كان لها تأثيرات سلبية، من خلال طرح القضية على مبدعين من عدة دول عربية يمثلون خريطة الإبداع الحديث، وينتمون إلى مدارس عديدة في الفن وفي أجناس الكتابة.

ومن الجدير ذكره أن التواصل مع هؤلاء المبدعين والكتاب تم عبر وسائل التواصل الاجتماعي وعلى رأسها «فيسبوك»، باستثناء شاعر واحد فقط جرى الحديث معه هاتفياً وهو الشاعر الإماراتي إبراهيم محمد إبراهيم، الذي بدأ كلامه معنا، مؤكداً أن وسائل التواصل الاجتماعي قدمت خدمات جليلة للكتابة الشعرية في ما يتعلق بالانتشار والتواصل المباشر مع القارئ العام، وهو ما انعكس بدوره على لغة وجماليات الكتابة.

وفي ما يتعلق بجماليات الكتابة الشعرية التي برزت مع بروز وسائل التواصل، يرى إبراهيم أن هناك أشكالاً للكتابة كانت موجودة قبل تلك الوسائل لكنها ازدادت بروزاً مع فيسبوك، ومن ذلك تكثيف العبارة الشعرية، واللجوء إلى اليومي والحياتي وانصهار الفكري مع الوجداني في بوتقة واحدة، وسيادة شكل القصيدة القصيرة المكثفة، مؤكداً أن وسائل التواصل قد نجحت في ظهور أشكال جديدة للكتابة الأدبية والشعرية إلى حد كبير.

دواوين «فيسبوك»

وعلى الرغم من إصداره العديد من الدواوين المطبوعة والمنشورة قبل ظهور وانتشار وسائل التواصل، إلا أن الشاعر إبراهيم محمد إبراهيم كتب ديوانين كاملين على «فيسبوك»، وعن ذلك يقول: أجلس أمام الشاشة، وأتخيل أن هناك جمهوراً أمامي ثم أخاطبه شعراً، وأتعامل مع هذا الجمهور، إنه جمهور حقيقي وليس افتراضياً.

وكأنني في أمسية شعرية حقيقية. لكنني في نفس الوقت لا أعتبرني أسيراً لهذا القارئ، وأطلق العنان لخيال الشاعر فأكتب قصيدة أو عدة مقطوعات، حتى إنني أحياناً كنت أكتب 10 مقطوعات شعرية مكثفة في يوم واحد.

جمهور جديد

ويتابع: في بداية ظهور «فيسبوك»، كنت أدوّن عليه مقتطفات من إنتاجي الشعري السابق، وكنت أفترض أنني أتوجه إلى قارئ جديد عليّ ولا يعرفني، لكني لاحقاً اكتشفت أن «فيسبوك» ووسائل التواصل عموماً، جلبت إلى الشعر جمهوراً عريضاً، لم يكن موجوداً من قبل، وبالتالي خدمت الشعر والشعراء والجمهور في نفس الوقت، وخلقت جمهوراً جديداً لم يكن موجوداً من قبل.

فلقد كان جمهور الشعر بطبيعته محدوداً قبل تلك الوسائل. لكن سرعان ما ازدهر تلقي الشعر بفضل الجمهور الجديد المتنوع، ويتم التفاعل لحظياً بمجرد وضع الشاعر لشعره، وأصبح بالفعل هناك جمهور جديد وواسع يتذوق الشعر ويتابع الشعراء.

ويؤكد إبراهيم أن جمهوره على وسائل التواصل ربما يتجاوز 10 أضعاف جمهوره العادي خارجها، وبالتالي فإن هذا الجمهور الواسع على وسائل التواصل يقدم محفزات إضافية للمبدع لم تكن موجودة من قبل.

إيجابيات وسلبيات

يقيّم د. مصطفى الضبع، أستاذ البلاغة والنقد بكلية الآداب في جامعة الإمام عبدالرحمن بن فيصل (الدمام)، وأستاذ الأدب العربي الحديث بالجامعة الأميركية بالقاهرة‏، ووكيل كلية دار العلوم بجامعة الفيوم سابقاً، تجليات وسائل التواصل على الكتابة الأدبية، قائلاً: في عصرنا كل من يملك جوّالاً أصبح كاتباً، له جمهوره وله قراؤه أيضاً، وهو ما ينعكس بشكل واضح على الكتابة عبر وسائل التواصل الاجتماعي وكان لها أثرها المنعكس شكلاً ومضموناً على الكتابة والتلقي، ويمكننا رصد أثرين واضحين، متضادين: أثر إيجابي وآخر سلبي

ويرصد الأثر إيجابي في عدد من النقاط:

1- تعدّد المنابر، وهو ما يمثل اتساع مساحة النشر. فلم يعد الكاتب في حاجة للسعي وراء الصحف بوصفها جهة النشر الوحيدة.

2- ممارسة الكتابة السريعة الدالّة تمشياً مع سرعة القراءة وظروف الحياة في إيقاعها السريع.

3- القدرة على التوصيل عبر أقصر الطرق، وهي واحدة من المهارات المكتسبة من ممارسة الكتابة عبر «السوشيال ميديا» («تويتر» نموذجاً).

4- تخلي اللغة عن عرشها قليلاً لصالح الصورة التي أخذت مكانها بشكل أكثر فاعلية واتسعت مساحتها في نطاق الخطاب المكتوب.

5- اختزال المضمون الفكري للرسالة النصية.

6- تحوّل الكتابة إلى صيغة خبرية أكثر منها تحليلية، حيث نصب الكثير من أنفسهم منصات إخبارية فكل من يملك «موبايل» بإمكانيات محدودة يمكنه متابعة الأحداث وبثها عبر التطبيقات المختلفة.

7- تعدّد مصادر المعرفة بتعدد الصفحات و«القروبات».

8- الكشف عن أسماء جديدة لم يكن لها أن تظهر أو تتحقق من دون وجود الوسيط الحر وهو ما فجر طاقات كامنة لدى بعض الموهوبين حين منحتهم الفرصة للكتابة.

أما الأثر السلبي، فيرى الضبع أنه يتمثل في:

1- ترهل الكتابة بدخول مئات ممن لا يملكون أدواتها ولا يمتلكون مؤهلات للكتابة.

2- زيادة حجم الأخطاء مما عرض اللغة العربية لكثير من الجوانب السلبية، حيث يغيب الرقيب على اللغة ويتداول الناس الخطأ من دون إدراك أو وعي به.

3- إعادة تدوير المعرفة الإنسانية وهو ما يعني الجمود لدى الكثير من المستخدمين.

4- ظهور ما يمكن تسميته بالكتابة السهلة والمجانية التي لا قيمة لها على الإطلاق وهو ما شجع عدداً كبيراً من الناس على ممارسة الكتابة ومزاحمة الكتاب الحقيقيين حتى على صفحات الدوريات الورقية، ففي الآونة الأخيرة اعتمدت بعض الصحف على كتاب ضعاف المستوى حد الهزل.

ويضيف: ما أتحسبه مستقبلاً طغيان السلبيات وتراجع الإيجابيات مدعماً بعوامل من تراجع التعليم وتراجع حجم القراءة والتثقيف الذاتي وغياب الحرص على التجويد.

ويتحاور الشاعر د. أمجد ريان، أحد أبرز شعراء السبعينيات في مصر، مع ما طرحه د. مصطفى الضبع قائلاً: أثبت «فيسبوك» قدرته الفائقة على الوصول إلى جمهور عريض جداً من القرّاء والكتّاب والنقّاد والمفكرين.

ولا يمكن أن نهمل ذكر دوره الثقافي بين الناس، والذي لا ينكره أحد، هو دخول عدد مهول من البشر إلى عالم الكتابة، وبخاصة من الذين تم إهمالهم أدبياً والمهمشين وصغار الكتاب، والمبتدئين والجمهور العادي غير النخبوي.

ويعدّ البعض ذلك قيمة سلبية بسبب انحدار المستوى الأدبي في ما يكتبون، وأنا أختلف مع هذا البعض، وأرى أنه ينبغي ترك الساحة تفيض بمحاولات الكتابة التي قد تفضي إلى تغير نوعي وكمي في المستقبل.

كما أنني أميل كثيراً إلى فكرة الكتابات الكثيرة الغزيرة في البداية على الأقل، وهذه الكثرة ستؤدي بالضرورة على المدى الزمني الطويل إلى تحسن نوعي.

ويتابع: لقد قام الواقع الإلكتروني الجديد، وفضاؤه الرحب بحل مشكلة النشر على نطاق واسع، بل أوسع من كل ما تخيله المثقفون على مدار الأزمنة السابقة كلها. وأصبح «فيسبوك» وسيلة يومية للنشر، بل أصبح وسيلة لحظية، أي يستطيع أي أحد، في أي لحظة، نشر ما يريد أن ينشره من كتاباته.

وأصبح النشر الآن متاحاً للجميع، بداية ممن يجرب حظه للمرة الأولى، ومروراً بمن يكتب من دون أن يكون ناوياً الاندراج في طائفة الكتاب والمثقفين مستقبلاً، وانتهاء بالكتاب الكبار الذين يمكن أن نحترم أعمالهم.

ويوضح رأيه قائلاً: أعتقد الآن أن الكتابة الأدبية اليوم، بكل أنواعها: (الشعر، القصة، الرواية، وغيرها) لا بد من أن تستند إلى مبدأين أساسيين:

المبدأ الأول: البساطة المطلقة، وعلى المتلقي أن يضع عينيه على الكلمات ليفهم على الفور طبيعة الرسالة المرسلة له وقدراً -على الأقل- من عمقها.المبدأ الثاني: أن تقدّم الكتابة الجديدة الاكتشافات المدهشة التي لم تقدم من قبل، ولم تمر على خلد أحد من قبل، سواء كان الكاتب نفسه أو غيره من الكتاب.

هذان هما المبدآن الأساسيان اللذان لو سقط واحد منهما فلا معنى للكتابة البتة. ولقد نجح «فيسبوك» في تأكيد المبدأ الأول على الأقل، لكن المبدأ الثاني ما زال مختلفاً بين من يطرحون إبداعاتهم في ساحته الواسعة باتساع العالم كله.

تجربة حياتية

وراصداً لجماليات الكتابة في عصر «فيسبوك»، يؤكد ريان أن الشعرية انتقلت من سماوات المجاز والتحليق في الهواء، إلى حميّا التجربة الحياتية الفعلية أو المعيشة، إلى حميّا التفاصيل الصغيرة المعيشة.

والحبيبة التي تذكرها القصيدة اليوم هي الحبيبة الحقيقية، وليست الحبيبة الخيالية المستعارة، هل ليست رمزاً للوطن أو الجمال أو الخير كما كان في النصوص السابقة، بل هي الفتاة الجالسة بالفعل الآن على المنضدة أمام الشاعر في «كوفي شوب»، تشوح بيدها وتنتقد العلاقة، بجرأة منقطعة النظير.

ويتابع قائلاً: لقد قدم فيسبوك خدمة جليلة للكتاب والقراء بكل درجاتهم وأنواعهم وتطلعاتهم، وبالتدريج سندخل إلى مراحل مستقبلية جديدة سيتغير فيها كل شيء.

أدب رقمي

ويقول الشاعر التونسي منصف الوهايبي: تزحمنا الكتابة «الفيسبوكيّة الهجينة» لا في فضائها الافتراضي فحسب، وإنّما أيضاً في رسائل جامعيّة (ماجستير ودكتوراه) غير قليلة، تتخذ «الأدب الرقمي» أو «الفيسبوكي» مدوّنة لها.

وهي كتابة تنطوي على كثير من المفارقات التي تجعل من منهج البحث فيها معضلة لا بدّ من فحصها ودراستها. وأقدّر أنّها تقوم في كل نصّ «فيسبوكي» مقروء مرئيّ مسموع، يشتغل داخل نظام «سيميولوجي» أو هو «الدّرجة الصّفر في السّيميوطيقا».

ويواصل: مردّ ذلك إلى كونه يقوم دائماً في «اللّغة الواصفة» أو الخطاب الواصف. ولكنّ هذا النصّ، وهذا وجه من وجوه مفارقاته؛ لا يفصح عن نفسه إلا باللغة وفي اللغة. غير أنّها لغة لا تنقل من «الجسماني» سوى تمثّلات خاصّة به، وأداتها في هذه العمليّة عمليّة النقل، إمّا الصوت وحده في أنماط من هذه الكتابة حيث يُخفي الفيسبوكي وجهه، أو حضور الصوت والجسد معاً.

ويستطرد: كأنّ الصوت هو العين التي تلتقط هيئة الجسد أو الجسم الحسيّة والروحيّة، وتستحضرها فتصف سماتها وملامحها، وتستجلي دوافعها وحوافزها، حتّى ليمكن القول إنّ الصوت يوضع خارج الجسد اللامرئي في النصّ الشعري الذي نسمعه في هذا الفضاء.

وأقدّر أنّ هذه صورة من عالم الراديو، حيث الكلمة المسموعة تغني عن الكلمة المطبوعة. النص مسموعاً إذن، هو الذي يستنطق هذا الكيان الأخرس الذي هو الجسد بأساليب فنيّة تمليها تجربة الشاعر «الفيسبوكي» وثقافته؛ دون أن يعني ذلك بالضرورة تحويل الجسد إلى موضوع. ففي كثير من هذه القصائد المسموعة، يستبدل النص بالجسد.

أي يحلّ النصّ محلّ الجسد، ويغدو محض استعارة تتداخل فيها تلك الخيوط التي تربط بين المدركات الحسيّة والإحساسات النفسيّة، ولا يدرك إلا من حيث هو أثر لغياب ما، ولا يستحضر إلا بوساطة تمثّلات تحلّ محلّه وتعلن في الآن نفسه ـ وهذه مفارقة أخرى من مفارقات الجسد «الفيسبوكي» عن فقدانه. وإذا كان ذلك كذلك، فإنّ الجسد والكتابة، إنّما يصدران في الظاهر، عن معدن واحد، وإليه يرتدّان.

محاورة الأجهزة

وفي السياق، يقول الشاعر الفلسطيني ناصر رباح: لم يعد الشاعر بحاجة إلى أن يخرج من قريته إلى الحقول المجاورة كي ينعم بصفاء المكان وينفصل عن ضجيج الحياة ليجد لحظة الإلهام ويكتب أشعاره، ولم يعد بحاجة إلى العزلة داخل غرفته متوحداً مع كتبه ومكتبته ليصل إلى توهج الفكرة ونضوج الألم ليصل إلى مبتغاه الإبداعي، فالتوحد الحاصل حالياً مع أجهزة «اللاب توب» والمحمول قد حقق نفس النتيجة بانفصال الفرد عن الجماعة والمكان واستغراقه كلياً مع الشاشة الصغيرة.

ويضيف: لم يعد مخجلاً أن أتكلم عن تجربة الكتابة المباشرة على فضاء «فيسبوك»، فلقد أتممت كتابة ديوان كامل بهذه الطريقة «أفتح شاشة الجهاز وأترك أصابعي ترقص على لوحة المفاتيح في لحظات التداعي الحر».

وقد قرأت مقدمة لديوان الشاعر زكريا محمد والمعنون بـ«كشتبان»، والذي يذكر فيه أن قصائد ديوانه هذا قد كتبت كلها مباشرة على «فيسبوك»! وبالتالي لم يعد سراً أن تياراً كثيفاً قد ظهر في العقد الأخير من شعراء وشاعرات يكتبون مباشرة على فيسبوك ويتلقون المزيد من التصفيق والتهليل الإلكتروني المبالغ فيه غالباً.

نعم فاض الشكل القصير للنصوص؛ فظهرت قصائد الومضة و«الهايكو» وتراجعت القصائد المطوّلة، تدفقت السطور التي تعبر عن الذات المعذبة وانكفأ الشعراء نحو الخاص والذاتي مقابل تناول الهم العام والجمعي. تنازلت اللغة المموسقة عن مكانها لصالح اليومي والسطحي، وبلا خجل أو تواضع أصبح للكاتب المبتدئ جمهوره الذي لم يحصل عليه كبار شعراء القرن الماضي طوال حياتهم.

هذا الخلط الشديد على صفحات التواصل الاجتماعي بين الشاعر النمطي التقليدي المكرس لمشروعه الشعري وبين الشعراء الهواة ربما جعل من الكثيرين وأنا منهم بوعي أو دون وعي يقفزون من سفينة الشعر التي تغرق نحو شاطئ الرواية.

ذبح شجرة

وينقل الشاعر المصري محمد حربي القضية إلى زاوية أخرى قائلاً: من حسنات «فيسبوك» أنك لم تعد مضطراً إلى ذبح شجرة لتكتب قصيدتك. ومن حسناته أيضاً أنه يجعلك تختلف بوعي مع سلطة القديم. ويتابع: بات «فيسبوك» ساحة لإنتاج المعنى.

وقد صارت رقابة المتابعين مفتوحة العينين عن «التلاص» الذي يلبس ثوب «التناص» وصارت سرقة نص من هنا أو هناك وهي الجريمة الممتدة في تاريخنا العربي جرسة وفضيحة علنية الآن بفضل فيسبوك.

وإن كثيراً من نصوص «فيسبوك» تُحقّق بوعي مآلات جديدة للقصيدة العربية، خاصةً بين شعراء قصيدة النثر التي بفضل «فيسبوك» صارت متناً بعد 50 عاماً من انطلاقها في المشهد الشعري العربي، بغض النظر عن جودة الشعر أو عدمه، فالمهم الآن تحقيق لحظة حرية الكتابة من دون الاستناد إلى صكوك كهنة النقد.

وإذا كان رولان بارت، قد دشّن في الأدبيات العالمية فكرة موت المؤلف، فإن مارك زوكربرج -دون أن يقصد-، قد دشّن موت الناقد «إكلينيكياً»، فلم يعد الشاعر بحاجة إلى ناقد بعدما فتحت الدائرة بين الشاعر والعوام الذين لم يعد أحد قادراً على إلجامهم عن الكلام.

ويضيف: لولا «فيسبوك» لما عرفنا ملامح الخريطة الشعرية العربية العالمية في الوقت ذاته، حيث التواصل مع النص الحي في اللحظة ذاتها وعرفنا شعراء تجاهلتهم أوراق البنوك السرية للإبداع مثل صلاح فائق العراقي الذي يعيش منفياً بحسب الجغرافيا في الفلبين لكنه على فيسبوك يعيش بيننا نمد له اليد كل يوم ونقرأ نصوصه الصباحية وننتظرها ونرى مدى تأثره بانفتاح «فيسبوك» على تجارب عالمية وفرت لمخيلته السعي الحر وراء قصيدة لا تشبه ما قرأناه له في السبعينيات على سبيل المثال.

لقد أعادني «فيسبوك» للكتابة بعد توقف دام ربع قرن، ولذلك أنا مدين له بما أشعر الآن به من حرية كاملة، أنا شاعر من أبناء حارة فيسبوك الواسعة وسع الكون كله.

سلاح ذو حدين

وتؤكد الكاتبة الكويتية شمسة العنزي، أن وسائل التواصل الاجتماعي سلاح ذو حدين؛ إما أن يقتل به الجهل؛ فيسود العلم والمعرفة، وإما أن يُقتل به الوقت؛ فتنتشر السذاجة والطنطنة ومحاولات الشهرة الكاذبة التي ستتلاشى، وينتهي أثرها طال الزمن أو قصر (فلن يصح إلا الصحيح) والبقاء في الكتابة سيكون للأرقى.

وحول تجربتها على «فيسبوك»، التي أطلقت عليها (واحة الأدب في الكويت) تقول: هي مجموعة أدبية عامة مفتوحة للمشاركات الجادة في كافة فنون الأدب والثقافة، فضلاً عن مجموعة أخرى خصصتها لتنظيم مسابقات أدبية فصلية في مجالي (القصة القصيرة والقصيرة جداً) بعنوان «مسابقات واحة الأدب في الكويت».

وذلك لإتاحة الفرصة أمام المبدعين العرب للتنافس في ما بينهم، ويتم نشر نصوصهم الفائزة في كتاب أصدره سنوياً بعنوان (الفائزون)، كما تنشر رابطة الأدباء الكويتيين النصوص الفائزة بالمراكز الثــــلاثة الأولى في مجلتها الأدبية «البيان»، تشجيعاً لهم وتحفيزاً لغيرهم، وإثراء للساحة الأدبية بتلك النماذج.

نعمة أو نقمة

ويتفق الشاعر المغربي عبدالعزيز أمزيان مع شمسة في أن «فيسبوك» سلاح ذو حدين، حيث يستطيع المرء جعل هذا الفضاء نعمة، يعود عليه بالنفع والخير إن هو أحسن استعماله، كما يمكن جعله نقمة، يهدم حاضره ويخرب مستقبله إن هو أساء استخدامه.

ويقول: لم يعد الكتاب الوسيلة الوحيدة في التحصيل الثقافي، والتكوين المعرفي، بل أصبحت وسائل أخرى تلعب أيضاً هذا الدور -وإن كان بشكل أقل- كوسائل التواصل الاجتماعي وعلى رأسها «فيسبوك»، الذي بات يأخذ وقتاً كبيراً من حيز الإنسان، سواء في القراءة أو الكتابة.

وبشأن الكتابة التي هي دائرة ومركز السؤال أرى أن «فيسبوك» له بعض التأثير في الكتابة عموماً سواء في بعدها الشكلي، إذ توسعت أشكال الكتابة لدي، من جنس الشعر، إلى أجناس أخرى كالقصة والرسالة والنقد، أو بعدها المضموني، كما عرفت كتاباتي بعض الانتشار الذي كان مقصوراً في السابق على الجرائد الوطنية، علاوة على التفاعل المستمر مع القراء. كل ذلك -بلا شك- يعمل على تطوير الكتابة الإبداعية في كثير من مستوياتها الفنية، وعناصرها الجمالية.

تأثيرات مُهمة في جماليات التلقّي وعملية الإبداع

قدّم لنا الناقد والباحث د. محمود الضبع، رئيس الهيئة المصرية العامة لدار الكتاب والوثائق القومية السابق، دراسة وافية حول حجم ونوعية تأثيرات مواقع التواصل الاجتماعي في الكتابة الأدبية، قائلاً: تدخل الإنترنت وكافة الوسائط التكنولوجية اليوم في صياغة مفاهيم الثقافة والعلم والمعرفة، وتدخلت كذلك في الإبداع الأدبي عموماً (الشعر والرواية والقصة والمسرحية)، وذلك ما يمكن رصده عبر مستويين: الأول، عبر وسائط تداول هذه النصوص، وهو ما يؤثر بدوره في إقرار ما يمكن تسميته بجماليات التلقي. والثاني، عبر آلية اشتغال عقل المبدع في كتابة نصه، وطرق إبداعه للأدب.

ويسرد رؤيته قائلاً: بفعل التطور التكنولوجي والفضاء الإلكتروني الذي أتاحه الإنترنت ووسائل الاتصال المعاصرة عموماً، لم تعد الكتابة تحتكم إلى الوصاية لكي تأخذ طريقها إلى النشر، وإنما أصبح في إمكان الكاتب أو المبدع أن ينشر عمله على صفحات «السوشيال ميديا»، واستقبال التعليقات والردود السريعة المباشرة.

ويتابع: بشكل عام فإن التكنولوجيا و«الميديا» قد أحدثتا خلخلة في منظومات المجتمعات بمؤسساته الاقتصادية والتعليمية والأخلاقية والإنتاجية، وأدت إلى تطورات بعيدة المدى على المستويات السياسية والدينية والفكرية، وهو ما سمح لكثير من شباب الأمة العربية بأن يظهروا بأفكارهم ويساهموا في الفضاء الثقافي، ويبدعوا في مجالات العلوم والفنون، وهو أيضاً ما استطاع جيل من شعراء قصيدة النثر، والقصة القصيرة جداً جداً أن يعتمدوا عليه اعتماداً كلياً في نشر إبداعاتهم عبره، والتقائهم من خلاله على نحو يخالف وسائل النشر الورقية التي كانت هي السبيل الأوحد من قبل، وهو ما أوجد في إجماله تحديات ثقافية أمام التراث الإنساني عموماً، وظهرت معطياته في كثير من جوانب حياتنا المعاصرة.

ويضيف: من هذه التحديات، تحدي تحول أدوات ووسائل الثقافة من الشفاهية والكتابية إلى الصورة والحركة و«الملتيميديا» (الوسائط المتعددة)، واعتمادها على التكنولوجيا متقدمة الصنع، ما تطلب التحول في طبيعة الكتابة ذاتها، ووسائل تقديمها من جهة، واستيعاب هذه الكتابة للقيم المعاصرة التي لحقت العلاقات الإنسانية من جهة أخرى، فظهرت على السطح مثلاً قضايا مثل الهوية الثقافية، وإقامة جسور التواصل بين التراث والمعاصرة، ورصد الذات الإنسانية عبر هذا الخضم المتلاحق من التطور، وهذا ما يرد مثلاً على حصر وتضييق مجال قصيدة النثر في مجرد اليومي والمعيش في ما سمي بالقصيدة اليومية والاهتمام بالتفاصيل والمشاهدات العابرة.

ويستدرك قائلاً: غير أن الأمر له خطورته من جهة أخرى، ففي غيبة الوعي النقدي المتابع القادر على تقديم تنظير وتحليل لمنجز قصيدة النثر، حادت كثير من نماذج قصيدة النثر عن مفاهيم الشعرية تماماً، فمال بعضها إلى السردية المفرطة، أي السردية التي تحكي عن مشاهد ما من دون إحداث أية انحرافات دلالية أو تفكيك في بنية الزمن (وهي أحد شروط الشعرية الحداثية)، كما مال بعضها إلى مجرد صف ورص الجمل والعبارات على نحو تغريبي، بما ينتمي إلى اللامعنى واللاهوية تماماً.

أما عن المستوى الثاني والخاص باشتغال عقل المبدع، فيرى الضبع أن التكنولوجيا سمحت بإمكانات على مستوى الكتابة النصية لم تكن متاحة من قبل، منها على سبيل المثال أساليب المبدع في صياغة نصه، من تشكيل بصري، وطباعي، يسمح له بتقديم النص في صورة ما، وبدلالات مقصودة من قبل المبدع، وتختلف على مستوى التلقي عما لو كان قد تم تقديمها بأساليب الكتابة التقليدية، فقد غدا المبدع أقرب إلى شروط ومتطلبات ما يعرف بـ«علم الاختراع» أو علم الإبداع والتطوير.

ويقول: هناك تحولات جذرية قد لحقت التوجهات المؤسسة للمبدعين بدءاً من الألفية الثالثة، فلم يعد على الأديب مثلاً أن ينتمي إلى جماعة أدبية، وإنما أصبح المبدأ الحاكم هو الانتقال من الوعي الجماعي إلى اليقين الفردي، وغدا الأدباء يمارسون وعيهم على مستوى التجريب، ويكفي مثلاً النظر إلى بنية المجاز وبناء الصورة في الأدبية المعاصرة، التي وسعته وخرجت به من مجرد كونه استعارة أو تشبيه حذف أحد طرفيه إلى كونه بنية تعتمد على الانحراف الدلالي بكافة أنواعه وأشكاله التي تم رصدها، أو التي يحتمل رصدها، ذلك أن النص الأدبي غدا ينتج مجازات جديدة في بنيتها وتركيبها.

تحطيم الحواجز

يقول الشاعر المصري فتحي عبدالسميع: إن «للفيسبوك» عسله المُصفّى وله سمومه أيضاً، هو ثورة بما تعني الكلمة بالنسبة للكتابة والكُتاب، فقد منحنا فرصة كبيرة للتغلب على المركزية المتوحشة، وتحطيم الحدود الجغرافية، ومحو المسافات الهائلة بين المبدعين في العالم.

وهو ثورة ضد سلطة أصحاب المنابر الثقافية. ولم يعد المبدع مشغولاً بالتعبير عن مواقفه من خلال العمل الفني وحده، بل صار يمتلك مساحة يعلن فيها عن مواقفه بوضوح، ما يجعل النصوص ترتاح من وظيفتها الإعلامية وتتفرغ لوظيفتها الفنية.

وكان الكاتب ينتظر كثيراً في الماضي ليعرف مردود عمله، الآن يجد من يتفاعل معه فوراً، وتلك السرعة لها خطورتها. ويظل «فيسبوك» رغم كل شيء فضاء وهمياً، ولا يمكن فصله عن أمراضنا الثقافية والاجتماعية والسياسية.

هبة التقنية

ترى الروائية والكاتبة السعودية زينب البحراني، أن وسائل التواصل الاجتماعي إحدى هبات التقنية الحديثة، قائلةً: لقد وهبتنا فضاءً أكثر اتساعاً للتعبير عن الرأي، واستطاعت إلغاء الحواجز بين المُبدع والمُتلقي، ووفرت التفاعل الفوري من الجمهور تجاه ما ننشره، نتيجة التواصُل المُباشر بين الكاتب والقارئ، كما أنها أصبحت وسيلة مثالية للإفصاح عن المواهب.

وتؤكد أن الكتابة على مواقع التواصل تتطلب قدراً من التكثيف والاختزال الضروري لجذب اهتمام القارئ الملول في عصر السرعة، لاسيما أن الكاتب هنا هو الذي يذهب إليه بأفكاره وكلماته.

تأثيرٌ طاغٍ ومخاوف لغوية

يؤكد الروائي المصري المقيم في الإمارات ناصر عراق، أن وسائل التواصل الاجتماعي، وتحديداً «فيسبوك»، صارت ذات تأثير طاغ في حياتنا الثقافية والإبداعية، هذا التأثير يمكن إجماله في أمــرين.

الأول: أن «فيسبوك» عمل على ترويج الأخبار والشخوص والأعمال الإبداعية بشكل كبير تجاوز كثيراً ما كانت تقدمه الصحف الورقية في ما سبق، وهذا أمر إيجابي لا ريب، لأنه يسمح للمزيد من القرّاء بأن يتعرفوا على الكُتّاب والمبدعين ونصوصهم المختلفة.

أما الأمر الثاني، فمردوده سلبي على المستوى الثقافي واللغوي، إذ إن «فيسبوك» سمح لأي شخص بأن يكتب ما يشاء، بلهجة محلية لا تخلو من ركاكة وخشونة فتراجعت اللغة العربية الفصحى بشكل مخيف ينذر بخطر حقيقي.

هل ينقرض الإبداع الورقي؟!

تقول الكاتبة والباحثة منار حسن فتح الباب: منذ اللحظة الأولى التي أضع فيها لمسات نص جديد؛ أفكر هل أنشره ورقياً أم إلكترونياً. وعندما تكتب لي ابنتي باللغة الثالثة المسماة لغة «فيسبوك» أشعر بالحيرة. من منا عليه أن يقترب من الآخر. وما أبعاد الحياة الإلكترونية التي اجتاحت العالم.. وأين يذهب التراث الورقي وهل يتحول إلى متحف كبير؟!

وتتابع: قضت التكنولوجيا على الإعلام الورقي وصار لزاماً أن نجاريها بل نحبها ونفضلها. جيلنا كان ورقياً لكننا نسابق العالم الإلكتروني الآن. جيل الورق كان حالماً مؤمناً بالقيم. أنتج روائع عالمية. وإنتاجه ذاخراً بالمعنى العميق للمعرفة ولسحر البشرية. أما العالم الإلكتروني فهو لسرعته يكاد يكون غائباً عن العمق.

الزمن كفيل بفرز الصالح من الطالح

ترى الشاعرة اللبنانية سناء البنا، أن الحركة الثقافية على وسائل التواصل مزدهرة هذه الفترة وتتسع خاصة الشعر، حيث أصبح كل عاشق شاعراً، وإن لم يكن في المستوى اللائق للتسمية ربما وجد البعض متنفساً للخروج من أزمات الذات فاعتلى المنابر أصوات وأدعياء. لكن ثمة تراجع لافت في المستوى رغم تزاحم الإصدارات في المكتبات، ويبقى للزمن أن يغربل الصالح من الطالح.

وتواصل: في الرواية كما في الشعر، تتحمل دُور النشر واتحاد الكتاب المسؤولية الأكبر لهذا التردِّي، وربما لغياب النقد الاحترافي وعدم تعاطي الصحافة الثقافية مع الوضع بحرفية ومهنية. وهناك الكثير من الشعراء نعم رغم قلة الشعر عند البعض لكنها ظاهرة تدل على صحة، ويبقى للمتلقي أن يصنفهم شخصياً.

الوسائل التقليدية فقدت بريقها

تؤكد الشاعرة التونسية فوزية العكرمي، أنه لا يمكن إنكار حجم تأثير أدوات التواصل الحديثة في سرعة نقل المعلومة ونشرها حيث فقدت الوسائل التقليدية الكثير من البريق والإشعاع لذلك صارت هذه الأدوات ملجأ العديد من الباحثين عن تواصل حيّ ومباشر مع من يهتمون بكتاباتهم وآرائهم ومنشوراتهم عموماً، ولعلّ «فيسبوك» أبرزها وأهمّها في تحقيق التواصل المثالي المرجو... إنّ القصائد التي كانت تستغرق فترة من الزمن كي ترى النّور على أعمدة الصحف صارت اليوم رهن زرّ صغير يطلقها نحو فضاءات عديدة وفي رمشة عين يتفاعل معها القرّاء.

وتضيف: أعتقد جازمة أنّ مواقع التواصل خدمت الإبداع أكثر ممّا أضرّت به لأنّها منحت الكثير من الأقلام فرصة الاحتكاك بالتجارب الكبيرة.

فيضان فوضوي في التعبير

ترى الكاتبة الروائية اللبنانية نرمين الخنسا، أن ما يُنْشَر كل يوم في أبرز مواقع التواصل، هو في الغالب عبارة عن فيضان فوضوي في التعبير والتأليف، من قبل العوام الذين لا باع لهم ولا دراية بعلوم الشعر والأدب.

وتقول: وجدت تأثيراً إيجابياً لكتابتي عند القراء، الأمر الذي حفّزني على العطاء أكثر في حقل الكتابة الوجدانية الخاطفة، إلا أنني في الوقت عينه، لم أكن راضية عن هذا الكمّ على مستوى الوطن العربي، من الذين ينشرون العبارات التي لا مقدرة بلاغية فيها، ولا صورة جمالية مؤثرة في معانيها، ناهيك عن حركة الاستيراد والتصدير القائمة على قدم وساق لكتابات الآخرين التي يداوم البعض على ممارستها يومياً ونشرها ونسْبها إليهم.

كتابة غير قابلة للاستمرار

تقول الشاعرة والباحثة المغربية في مجال «البيبلوغرافيا» الشعرية فاطمة بو هراكة: شخصياً لا أؤمن بأن الكتابة عبر وسائل التواصل الاجتماعي لها استمرارية حياة بشرية لأنها قابلة للزوال في أية لحظة.

كما أن الكتاب يعملون على نشر إنتاجهم للإخبار فقط من دون الاهتمام بقراءة إنتاج غيرهم من الأدباء، وإذا اتفقنا على أن وسائل التواصل الاجتماعي ما هي إلا أداة إيصال المعلومة فإننا نجزم أنها وسيلة للإشهار من دون التوثيق التاريخي الذي يحتاجه المبدع فيمكنك أن تنشر إنتاجه بها لعشرات السنين لتجد نفسك في لحظة ما خارج هذا الإطار عن طريق الحظر مثلاً أو عن طريق إفلاس الموقع وهكذا.
وتستدرك قائلة: لكننا لا نُنكِر فضل هذه المواقع في نشر الأسماء الإبداعية بشكل كبير جداً

طباعة Email
تعليقات

تعليقات