الإمارات تقود حركتها عربياً

مستقبل الثقافة.. تحديات كبيرة وفرص هائلة

تحولات عدّة تشهدها الساحة المحلية والعربية، كان لها تأثيرات مباشرة وغير مباشرة في الشأن الثقافي، ما جعله يتأرجح في مستوياته، وبلا شك أن الحديث عن مستقبل الثقافة العربية والمحلية، كفيلٌ بأن يفتح أبواباً كثيرة، ويطرح أسئلة عديدة، أقلّها ما يتعلق بطبيعة شكل هذا المستقبل، وصيغته ومحاولة التوقّع إن كانت الثقافة بكل أشكالها ستستحوذ على مكانة أفضل، أم أنها ستظل تراوح مكانها.

وبلا شك أن تحديد ملامح السياسة الثقافية، يُسهم في تحديد مستقبلها، وتحديد معالم النهوض الثقافي، وخلق التوازن في معادلة الأدوار الثقافية بين المؤسسات المعنية والمثقف نفسه، وهو ما تقوم به حالياً الإمارات من دورٍ لافت على المستوى العربي في قيادة الحركة الثقافية، والذي يمكن لمسه من خلال كم المشروعات والمبادرات التي أطلقت خلال الفترة الماضية ولا تزال، والتي تصب جميعها في إطار دعم الثقافة وتعزيزها في المجتمع، ولنا في «خلوة المائة» التي عقدت في 2015 أسوة، والتي ساهمت في تحديد أشكال التعامل مع الشأن الثقافي، والعمل على تحويله إلى أحد روافد الاقتصاد، إلى جانب تعزيز اقتصاد المعرفة في المجتمع.

استشراف مستقبل واعد للثقافة عربياً ومحلياً، لا يمكن أن يتأتّى إلا من خلال تبني سياسة ثقافية واضحة، من شأنها المساهمة في تطوير الثقافة المحلية، والمحافظة على الهوية والخصوصية، وفق مخطط ثقافي محكم وواضح المعالم، وهو ما اتفقت عليه الآراء التي استطلعتها «البيان» في مناقشة مستقبل الثقافة، والذين أكدوا أن أمامه فرص هائلة، ولكن يجب الاهتمام بتأهيل الشباب والاستفادة من مواهبهم وقدراتهم في تطوير الثقافة، بحيث يساهم ذلك في خلق تراكم سيمكن الأجيال المقبلة من حمل مشعل الثقافة.

تفاؤل

نظرة متفائلة يبديها سعيد النابودة، المدير العام بالإنابة لهيئة دبي للثقافة والفنون «دبي للثقافة»، حيال مستقبل الثقافة محلياً وعربياً، معتبراً أنه يوجد أمام القطاع الثقافي فرص هائلة.

وقال: «يبدو المستقبل واعداً لثقافتنا العربية، ما دام هناك قيادات تأخذ زمام المبادرة لقيادة الشباب نحو تحقيق مثل هذه الغايات السامية، تماماً كما يحدث في الإمارات، واتباعها نهجاً عربياً يستند إلى تراث غني وتاريخ حضاري يبعث على الفخر».

وأضاف: «بنظرة خاطفة على الأفق الثقافي في المنطقة العربية، يمكن الجزم بوجود فرص هائلة للتطوير في القطاع الثقافي، والارتقاء بمستوى المخرجات والإنجازات ذات الصلة بهذا القطاع، خاصة في ظل وجود العديد من العوامل المشجعة التي تحتاج إلى رفع وتيرة التسخير الأمثل لها، فوطننا العربي يزخر بطاقات شابة هائلة، تحتاج إلى التحفيز والتشجيع للدخول إلى عالم الثقافة والآداب والفنون، وتنتظر من المؤسسات أن تأخذ بأيديها من خلال احتضان المشاريع والمبادرات، وإيجاد المنصات المثلى التي تطلق العنان لمهاراتها الخلاقة، وتسليط الضوء على إبداعاتها محلياً وإقليمياً وعالمياً».

وواصل: «في ظل التحديات العالمية التي تواجه المنطقة عموماً، فنحن بأمسّ الحاجة إلى الاستفادة من المواهب الشابة، لنتمكن من تعزيز الصناعات الإبداعية، واتخاذها رديفاً إلى الاقتصادات الوطنية، عن طريق الاستفادة من التجارب العالمية التي تمكنت من بناء بنية تحتية قوية للاقتصاد الإبداعي».

فرص عمل

ويعتقد النابودة أن مثل هذا التوجه من شأنه أن يعود بالنفع على الجميع، قائلاً: «من جهة يساعد الحكومات على إيجاد فرص عمل مرموقة، وبالتالي الحد من معدلات البطالة بين الشباب، ما يعني التخلص من مشكلات خطيرة قد تتفشى بينهم، إلى جانب المساهمة في إضافة بعدٍ راقٍ إلى سمعتها وحضورها الدولي، عن طريق الانضمام إلى قائمة الدول الراعية للاقتصاد الإبداعي». وفي هذا النطاق، استشهد النابودة بنموذج الإمارات.

وقال: «تجلت الإمارات نموذجاً مشرقاً في محيطها الخليجي والعربي، وذلك نتيجة لإدراك قيادتها الرشيدة لأهمية دور الثقافة، على اختلاف أشكالها، في نشر السعادة والإيجابية بين كافة شرائح المجتمع، فضلاً عن أثرها الإيجابي في استغلال المواهب وتوظيف الطاقات الإبداعية للأجيال الشابة».

وأضاف: «يجب علينا الاعتراف أن حكومتنا بقيادة صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، ومتابعة وإشراف أخيه صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، كان لها الفضل الأكبر في ذلك، عن طريق تبني مشاريع محلية وإقليمية وعالمية، فعلى الصعيد الوطني، شهدت الأعوام الأخيرة في الإمارات إطلاق وإنشاء العديد من المتاحف والمؤسسات التي تُعنى بالشأن الثقافي، والعديد من الفعاليات التي ينخرط فيها الآلاف من مختلف شرائح المواطنين والمقيمين، وحتى القادمين للسياحة الثقافية، وقبل أقل من عامين أطلقت الدولة الاستراتيجية الوطنية للقراءة (2016-2026)، وكان ذلك بالتزامن مع «عام القراءة» الذي أعلن عنه صاحب السمو رئيس الدولة، وضمن مخرجات خلوة المائة التي دعا إليها صاحب السمو نائب رئيس الدولة في ديسمبر 2015.

وبموجبها، تم الإعلان عن إنشاء الصندوق الوطني لدعم القراءة، بقيمة 100 مليون درهم لدعم القراءة ومبادراتها، وتخصيص شهر للقراءة كل عام، ووضع قانون للقراءة، وهو الأول من نوعه؛ لتحديد المسؤوليات الوطنية والجهات الوطنية المعنية بتنفيذ الاستراتيجية».

وتابع: «لا يغيب عن البال «تحدي القراءة العربي»، المبادرة التي أطلقها صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد، بهدف غرس حب القراءة في نفوس جيل الأطفال والشباب، ليس في الإمارات فحسب، وإنما في الوطن العربي عموماً، وجعلها عادةً متأصّلة وليس مجرد هواية في حياة الأطفال». وواصل: «قدّم صاحب السمو نائب رئيس الدولة، إسهاماً مهماً لتغيير واقع القراءة العربي، والذي نرى فيه أحد الحلول الفاعلة لجسر الفجوة الثقافية بين واقعنا العربي والدول المتقدمة في هذا المجال.

ومن شأن تظافر جهود الحكومات والقطاع الخاص أن يساعد كثيراً في علاج التحدّيات الراهنة التي يعاني منها الوضع الثقافي، خاصة إذا اعتمدنا على موروثنا الحضاري والقاعدة الشبابية الواسعة التي تعدّ بحقّ من الموارد القوميّة التي لا تقيّم بثمن».

 

تساؤلات

أما الكاتبة والمخرجة منال بن عمرو، فآثرت في بداية حديثها إثارة جملة من الأسئلة لتحديد شكل مستقبل الثقافة العربية والمحلية.

وقالت: «علينا أن نتساءل في البداية ما هو الانحدار الثقافي وعلى الصعيد الأدبي تحديداً؟ هل هو انحدار محتوى الأدب ومستوى الطرح؟ هل هو التكالب على التواجد المستمر والمشاركات الثقافية المتعددة والتفاعل المتواصل على جميع الوسائل الإعلامية التقليدية والحديثة؟ هل هو انكماش الفعاليات والأنشطة الثقافية وعدم الاهتمام بها وبأهميتها؟ التساؤلات كثيرة لكن الإجابة كيفما جاءت ليست إلا نتاج مخرجات الحالة الآنية». وأضافت: «هذا الحال هو نمط سائد مثلما كانت هناك وفي كل جيل وكل مرحلة وكل عصر أنماط جديدة ومختلفة ومتعددة.

الجانب المظلم طبيعي جداً وأيضاً وجوده مؤثر وبشكل فعلي؛ لأنه في حقيقته يُميّز الفئة القادرة والمتمكنة والواعية كفاية في إدراكها الذي ينتج أعمالاً مختلفة وذات قيمة مستمرة وطويلة الأمد وكذلك يمدها بالقوة التي بدورها تؤثر بفاعلية على الغث المطروح، حيث تجد تطوراً ملحوظاً مع مرور الوقت. لا يأتي الجيد والقيم دفعة واحدة».

وأشارت إلى أن الوقت كفيل بتشذيب الساحة الثقافية وتنوير العقل بغض النظر عن ما يحدث على المستويات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية. وقالت: «كل ما يحدث ما هو إلا عوامل تشكل الثقافة وتخلق لها أطراً أخرى قد لا تكون معتادة لكنها الأقوى الآن».

وترى منال أن علينا ألا نتوقف عند حدود الرديء والسيئ ولا عند ما آلت إليه الثقافة، وإنما نتعايش معها بما ندركه ونتعلمه ونسعى إليه ضمن أطر تضمن لنا الاستمرار والتواجد والعطاء، وأكدت أن اشتغال الفرد على ثقافة ذاته وتطويرها، يخلق المعرفة التي يحتاجها هو ومجتمعه، لأن الفرد وتكوينه الثقافي أهم عامل يمكن الاستثمار فيه لخلق مجتمعات ثقافية ذات قيمة حقيقية باقية.

واقع

وبينت منال أن تحقيق ذلك، لا يتأتّى إلا بمعرفة الماضي والتعايش مع ما يتيحه لنا الحاضر بواقعه المظلم والمشرق.

وقالت: «التعايش بقوة العطاء والاستمرار في طرح الممكن والمناسب والمؤثر لنا كأفراد ومجموعات، تسعى لرفع قيمتها الثقافية بهدف تمييز كيانها الفكري والإبداعي وتعزيز هويتها الثقافية، علينا أن نفهم وندرك حقيقة أن الهدف الأسمى للثقافة هو ترك أثر بملامح أصيلة للقادم الذي لا يعرف أحداً كيف سيكون، كل ما نعرفه مجرد توقعات، ولكن يمكن أن يكون لنا نصيب من المستقبل الثقافي المقبل، من خلال الإخلاص في بذل الجهود والاستمرار في تنمية الذات الثقافية للفرد والمجتمع».

 

همّ ذاتي

وأكدت الكاتبة مريم مسعود أن الثقافة والوعي هما المستقبل لأي أمة. وقالت: «التركيز أو السعي للنهوض بهذا الجانب هو هاجس يجب أن تفكر به الشعوب جميعها، لكي تستطيع الاستمرار». واعتبرت أن الهمّ الثقافي ليس هماً ذاتياً للمثقف فقط، وإنما يجب أن يكون هاجساً بنطاق أوسع من المثقف نفسه، أو المعني بالثقافة فقط بل يجب أن يكون خريطة ترسمها الأمم لمستقبلها.

وأضافت: «مستقبل الشأن الثقافي العربي، يبدو بأنه يتأرجح ويميل نحو السوء بسبب ظروف وعوامل عدة تؤثر بشكل أو بآخر على المثقف، ورغم ذلك أرى أن الانفتاح الذي تعيش به العقول المفكرة، والواهبة للشأن الثقافي والأدبي مواده، يجب أن يستغل من قبلهم بشكل أفضل، وأقصد هنا بالانفتاح التواصل مع الثقافات الأخرى والوصول للمعرفة».

ونوهت إلى أنه يجب على المجتمعات أن تقوم بالتركيز بشكل أفضل مع الثقافة. وقالت: يجب أن يتم التعاطي مع الثقافة، على أنها العمود الفقري لأي أمة، وبالتالي فإن النهوض بها يعد واجباً لتستمر وتبقى على قيد حياة.

واعتبرت أن الانحدار بالشأن الثقافي هو بمثابة مؤشر خطير للاندثار، فمن الطبيعي إن كانت المواد التي تُطرح أو تتداول دون المستوى المطلوب، فإنها ستؤدي بالتالي إلى نفور المتلقي وستواجه الرفض، وبالتالي الاندثار.

وتابعت: «أي أمة تريد لنفسها البقاء يجب عليها الاهتمام بالشأن الثقافي الذي يسطر مسيرتها، ويعمل على تحريك المجتمع الذي يعيش داخلها». وواصلت: «لا تصور حقيقياً لدي للمستقبل، لكن أتمنى أن يتم الاهتمام بهذا الشأن المهم بالحياة، والذي يخلق توازناً حقيقياً داخل أي مجتمع، لأن الثقافة هي العمود الأمم الفقري لأي مجتمع، وهو الذي يسندها للنهوض والبقاء».

طباعة Email
تعليقات

تعليقات