الترجمة.. كتابة جديدة توازي التأليف - البيان

تركز على توصيل المعنى دون تشويه النص الأصلي

الترجمة.. كتابة جديدة توازي التأليف

في مكتباتنا العربية الكثير من الكتب المترجمة، التي تُعرّف القارئ بفكر وثقافات الشعوب الأخرى، ولكنها بذات الوقت قد تضعه في حالة من المقارنة عند قراءة الكتاب بلغته الأصلية بعد قراءته مترجماً، من بعدها يُطلق حكماً بأن هذه الترجمة كانت جيدة، أو أنها دون المستوى المطلوب، بل تُشوّه النص الأصلي أحياناً. وقد يستطيع القارئ معرفة أن الترجمة رديئة من عدم الترابط في النص، ومن اللغة الضعيفة المستخدمة، ولهذا يميل الشغوفون بالقراءة إلى اختيار كتب لمترجم بعينه.

ومن هنا، تبدو الترجمة مسؤولية تتفوق على مسؤولية التأليف نفسه، لأنها إعادة كتابة للنص، مع الأمانة في نقل المحتوى بنفس الوقت، وربما لهذا السبب علّق الشاعر التركي الشهير ناظم حكمت عندما ترجمت قصائده إلى لغة أخرى بأنها «أصبحت قصائد المترجم».

حول هذا الموضوع الشائك التقت «البيان» عدداً من الذين خاضوا تجربة الترجمة، والذين أجمعوا على أهمية توصيل الفكرة والمعنى، دون الإساءة للنص الأصلي.

 

ترجمة الشعر

الدكتور شهاب غانم الذي أصدر أكثر من 80 كتاباً، وتخصص في ترجمة الشعر، أشار في بداية حديثه لتخصصه الأصلي في الهندسة والإدارة والصناعة. وقال: الشعر شغف وهواية منذ الطفولة، والترجمة أيضاً ليست تخصصي، ولكني استفدت من معرفتي باللغتين العربية والإنجليزية لأترجم بعض قصائد الشعر العربي المعاصر المتميزة، وأقدمها لقارئ الإنجليزية. في محاولة لتعريف الآخر بما لدينا من إبداع شعري. وكذلك ترجم للعربية الكثير من القصائد المتميزة في لغات عديدة وخصوصاً الإنجليزية والهندية، من خلال ترجمات إنجليزية جيدة. وأضاف: أردت تعريف القارئ العربي الذي لا يعرف الإنجليزية، بما لدى الشعوب من قصائد راقية. أي حاولت أن أكون جسراً ثقافياً بمجال الشعر بين الشعوب.

وتابع: ركزت على ترجمة الشعر لاعتقادي أن الشاعر عموماً أقدر على ترجمة الشعر، فلست مُضطراً لأن أعمل بالترجمة كمهنة ومصدر للدخل، وإنما أقوم بذلك للمتعة وللتواصل الحضاري بين الشعوب كرسالة إنسانية وهذا يتيح لي الاختيار. وقد ترجمت بعض القصائد الموزونة المُقفّاة، إلى قصائد موزونة مقفاة موازية باللغة العربية، وكانت نسبتها قليلة. وهذا ليس سهلاً ويتطلب نوعاً خاصاً من التفاعل والاندماج مع القصائد الأصلية. كما اكتفيت في معظم القصائد التي ترجمتها، بنقل المعاني والأفكار والصور والمشاعر وأجواء القصيدة قدر الإمكان.

وقال: ينبغي على المترجم أن يكتب نصاً موازياً للنص الأصلي، لا أن يترجمه حرفياً ليتمتع القارئ بالنص المترجم. ويجب أن يكبح جماح نفسه، فلا يضيف أشياء لم يقلها الشاعر صاحب النص الأصلي. وإذا حذف شيئاً من الأصل فعليه أن يوضح ذلك في الحاشية ويبين السبب. وتابع: إذا التزم المترجم كل ذلك ففي رأيي تنتفي الخيانة في الترجمة.

واستدرك: ينبغي أن يكون المترجم متمكناً من اللغتين التي ينقل منها والتي ينقل إليها، وأن يكون مُلماً بالثقافتين، وأن يكون عارفاً -إن أمكن- بخلفية النص، وأن يتجنب ترجمة كلام لا يفهمه. ونوّه إلى أن فهم الشعر أحياناً يكون صعباً، وخصوصاً بعض النصوص الحداثية. ورأى أنه يمكن بهذه الخطوات تجنب الترجمات الشعرية الضعيفة. وتابع: قد تكون الترجمة أحياناً أفضل من النص الأصلي، عندما يكون المترجم متميزاً. واختتم بالتأكيد على حاجة النصوص العلمية المتخصصة، لمترجم يعرف المصطلحات ويلم بالعلم الذي يترجم نصوصه.

 

نافذة الآخر

أما الدكتور محمد ياسر شرف الذي أصدر 90 كتاباً، وترجم أعمالا مهمة منها «دراسات في علم النفس» لبيتروفسكي، ورواية «أحداث موت معلن» لماركيز، فأشار إلى أن أسس الترجمة تختلف من مجال لآخر بصورة جزئية، يفرضها العمل نفسه. وقال: دقة فهم المقصود، والحرص على اختصار العبارة، واستخدام ألفاظ التخصص نفسه، هي أهمّ ما يجب على المترجم أن يتمسك به، لأنّ هذا يوفر «بيئة خاصة» للعمل المنقول من لغة لأخرى. وتابع: القدرات الشخصية تملأ حجماً واسعاً من عالم المترجم، لاسيما في علم الاجتماع والفلسفة وعلم النفس والأنثروبولوجيا والمنطق. وأضاف: يجب أن يحرص المترجم على بلوغ رتبة توصيل «كامل» الفكرة لقارئ اللغة الثانية، وأن يبتعد عن استخدام الألفاظ متعدّدة الدلالات كي لا تختلط المفاهيم.

وأردف: لم أستمر في ترجمة الكتب الكاملة، فقد صرفني عنها الإقبال على إنجاز كتبي الخاصة، التي أعتمد فيها على نصوص أجنبية، بمثابة مصادر ومراجع لا غنى عنها للباحث المختصّ. وتحدّث عن رأيه في بعض ما ترجم من مقالاته وكتبه الأدبية والفكرية فقال: في إصداراتي «أدب الحب المؤلم، الدواوين الشعرية، مستقبل الشعر، مشكلات في النقد الأدبي» ابتعدت مضامينها عن الأصل؛ لأن الكلمة الواحدة في الأدب متعدّدة الدلالة بسبب الترادف والمجاز وغيرهما. وواصل: أما كتبي الفكرية مثل «ابن طفيل في موقفه الفلسفي، توجيه صراع الحضارات، حركة التصوف الإسلامي، فلسفة التصوف السبعيني» فكانت أقرب للأصل العربي.

ورأى أن أكثر الأغلاط التي يرتكبها المترجمون تعود إلى «عدم التخصص» الناتج عن أمور كثيرة، منها حرص الناشرين على تكليف أشخاص غير مختصّين بمجال مؤلّـف الكتاب. مؤكداً أن الترجمة تُعد «خطرة» على القارئ حينما لا تطابق الأصل، لأبعد حدّ ممكن. وهذا قد يحدث أحياناً بالنسبة للمترجمين الضعفاء، فيكون على حساب المحتوى، مشدداً على التعاون بين القطاعات المتنوعة ذات الصلة بالنقل إلى اللغة العربية ومنها، حيث يجب تعاون جميع الأطراف بهذه العملية، التي هي نافذة معرفة «الآخر» بصورة صحيحة أو محرّفة، فقد تنشأ عنها أخطار بمجالات ثقافية واقتصادية وسياسية متعددة.

حرفية ونوعية

وقالت الناقدة والشاعرة الدكتورة أمينة ذيبان: يوجد نوعان من الترجمة، الأول الحرفية شديدة القسوة، والترجمة النوعية الجيدة التي تأخذ النص من قفص المعنى لفصحى جديدة في اللغة. وتابعت: النص المترجم الذي يسير باتجاه نوعي، يجعل القارئ يُقبل على القراءة بطريقة مُيسرة، وهي بهذا الاتجاه مفيدة، مع العلم بأن المترجم، قد لا يكون متقيداً بالنص 100% لكنه يفتح خانات جديدة في المعنى والتذوق.

وأكدت أن الترجمة هي إعادة كتابة للنص، وقالت: المترجم يترجم لقارئ جديد، ولهذا قد تبدو الترجمة رديئة أحياناً، عندما يوزع النص على مجموعة مترجمين، ومن ثم يجمع ويكتب اسم مترجم واحد. وأضافت: هناك الكثير من الترجمات التي أفقدت المعنى، ولاحظت هذا عندما قرأت بعض النصوص بلغتها الأصلية مثل الإنجليزية، ووجدت أن الترجمة أفقدتها معناها. وذكرت: من أشهر الكتب التي ترجمت للعربية «الاستشراق» للمفكر الراحل إدوارد سعيد، وكان هناك اختلاف كبير بين النص الأصلي والترجمة، ما جعل سعيد يقول: «هناك ثغرات في هذه الترجمة لا تعبر عن كتابي». وأوضحت: الترجمة أُفق من الجمال والنوعية، والتفنّن وفكرة وجود مترجم هي نوعيات، منهم الناجح والفاشل مثل وجود شاعر متميز وشاعر فاشل أو قاص متميز وآخر فاشل.

ولفتت إلى أن أخطر أنواع الترجمة هي الفلسفة والشعر، فقالت: في الفلسفة هناك فكر وتحتاج إلى فكر منفتح ونظيف لا يخضع لـ«تابو» التقطيع، من أفكار سياسية أو دينية أو أخرى لا تعجب المترجم فيقتطعها من النص الأصلي، ليأتي نصه غير مقنع، وكذلك الشعر فهو نهر متدفق وترجمته صعبة للغاية. وواصلت: خضت تجربة الترجمة خلال دراستي للماجستير، وترجمت للأديبين طه حسين ونجيب محفوظ، وكان هذا في مساق الدراسة. وتابعت: لم أستمر لأن الترجمة تحتاج لمجهود كبير، وأنا أميل للانطلاق بالكتابة.

 

فرص التغيير

السعد المنهالي، رئيس تحرير مجلة «ناشيونال جيوغرافيك» العربية، وإحدى عضوات صالون «بحر الثقافة» قالت: في «بحر الثقافة» نناقش كتباً مختلفة وأعمالاً أدبية كلاسيكية ومعاصرة ترجمت من لغتها الأصلية للعربية. وأضافت: كوننا نتشارك أفكارنا وانطباعاتنا حول ما نقرأه، نناقش مستوى الترجمة وجودتها، ونقاط قوة المترجم ومكامن ضعفه، ويحدث أن نوصي بروايات مختلفة لمترجم معين لجودة ما يقدمه.

وتابعت: نعلم تماماً «بعد تجربة طويلة» بقراءة الأعمال المترجمة أنه لا يمكن أن تكون الترجمة أمينة 100%، فلا بد من التأثير الثقافي والاجتماعي للمترجم على روح المادة المترجمة، ولذا أنا مقتنعة بمقولة إن «المترجم خائن». وفسرت: يحدث ذلك بلا وعي أو تعمد، تأثراً بمكنونه الثقافي الغالب. وتابعت: في الأدب تبدو فرص «الخيانة» وافرة مع المساحة الكبيرة للصور البلاغية والتشبيهات وغيرها من فرص، تجعل المترجم وخصوصاً لو كان أديباً يتدخل في النص المترجم لتجميله -حسب اعتقاده- ما يغير من النص الأصلي. واستطردت: صعب جداً الوصول لترجمة دقيقة وخصوصاً بالأعمال الأدبية، فهذا سيجعلها خشبية جافة ويفقدها جمالياتها.

وتابعت: يمكننا أن نقبل و«خصوصاً كمتلقين يحبون قراءة الأدب العالمي ويفضلونه بالعربية» عدم التطابق إذا تمكن المترجم من إضافة جمالياته بشكل محبوك في النص، فلا يشعرنا بأنه أقحم نفسه فيه. وأتمنى من دور النشر اختيار المترجمين من أصحاب التجارب الإبداعية وممن لديهم مصداقية وأمانة بالنقل لترجمة الأعمال الأدبية، وأن تحرص على التعاون مع بعض المدققين للتأكد من سلامة النصوص، وخصوصاً عندما تتعامل مع مترجمين حديثين.

 

من الإمارات للعالم

‎الكاتبة فاطمة المزروعي التي تُرجمت بعض أعمالها، قالت: إنها تجربة جميلة وخاصة أن ترجمة هذه الأعمال للغات مختلفة إضافة للإنجليزية، ستساهم بتعريف الآخر بقيمة الأعمال الأدبية الإماراتية. وأضافت: هو ما يساهم بنشرها على نطاق أوسع، ونقدها من وجهة نظر أخرى. وتابعت: إطلاع الآخر على أدبنا سيفتح باب الحوار بينا وبينه، لمناقشة الأعمال الأدبية، وفرصة تعرفهم على أدبنا تتيح لهم التواصل معنا ومعرفة تقنيات العمل وحبكته وشخصياته. وهذه المعرفة تفيدنا كثيراً وأتمنى أن تتكرر هذه التجربة على جميع المستويات وأن تشمل أعمالاً إماراتية أكثر، وأن تتوسع للغات أخرى كالهولندية والروسية وغيرهما.

وأردفت: استطعت قراءة كتبي المترجمة للإنجليزية، وكانت جيدة، لكن بالنسبة للترجمة إلى لغات أخرى مثل الأوردو والفرنسية وغيرها، فهي لغات لا أجيدها ولكن حتماً وصل معنى قصصي للمتلقي.

وأضافت: في فترة تم ترجمة قصص لكتاب وكاتبات إماراتيين، وكنت منهم لصالح مجلة «ذا كومون» الأمريكية. وتابعت: تُرجمت قصتان لي، وكانت التجربة جيدة لأن المترجم كان يتواصل معي أثناء ترجمته القصص، للسؤال عن بعض الأمور التقنية أو موضوع القصة أو الاستفسار عن كلمات وردت في النص. واختتمت بالقول: مع اختلاف اللغات يبقى الهدف واحداً، وهو تعريف الآخر بما لدينا من أدب يستحق أن يطلع عليه ليتناوله النقاد.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات