الأسطورة في الشعر العباسي..أخيلة وصور

يُشكِّلُ كتابُ «المنحى الأسطوري في الشعر العبَّاسي»، الصادر عن دار العرَّاب، لمؤلفته الدكتورة ريما إسماعيل الدياب، محاولة لإبراز المكوّن الرمزي في الشعر العباسي بمعناه الفني، الذي يظهر في صور شتى، تشي بإمكانية دراسة هذا الشعر في سياق المعرفة الأسطورية، التي تبدَّتْ ظواهرها على هيئة رموز فنية في نتاج شعراء ذلك العصر.

الخيال البشري

تتوقف الباحثة عند مفهوم الأسطورة، والمراحل التي مرت بها عند العرب القدماء، وتداخلها مع مصطلحات أخرى، كالخرافة، والحكايات الشعبية، وحكايات السحر، والملّْحمة، وعلاقتها بالأدب، كما تتوقف عند العلاقة الوطيدة بين الأسطورة والأدب، مشيرة إلى أن «الرابط الأساسي بين الاثنين هو الخيال البشري الذي ينتج عنه كل إنتاج أدبي».

وتكمن ذروة العلاقة التي تربط الأسطورة بالأدب - حسب الباحثة - في استخدام لغة واحدة، هي الرمز، هذه اللغة التي لا ترمي إلى إمتاع القارئ فحسب، بل تسعى إلى تقديم الحكمة له بطريقة بعيدة عن المَلَلْ، وتجذبه إلى فك الرُّموز، ليجد ما يعتمل فيها من حكم ومواعظ.

رموز

وتستعرض الباحثة الأثر الذي تركه الفكر الأسطوري الموروث في الشعر العباسي، بوصفه سياقاً فنياً ترتد إليه جملة من المكونات التصويرية الفنية، وعليه استخدم الشعراء الرموز التي تعنى بصورة أساسية بالجانب الفني، في بُعده الأسطوري، أي من جهة مرجعيته، وما يحوط ذلك من معارف أسطورية، تفضي إلى تعميق التفكير الشعري المعتمد أساساً على المعاني النمطية. مشيرة إلى استفادة أغلب الشعراء من تاريخية الفكر العربي في جانبه الأسطوري.

وتبيّن الباحثة أثر الجانب الأسطوري في تفكير الشعراء العباسيين، ولا سيما المعري وعند أبي الطيب المتنبي وابن المعتز والبحتري وأبي نواس وابن الرومي، على نحو خاص، إذ صبَّ الجانب الغالب فيها في مصلحة المحاكاة. وإلى كثير من المرموزات الأسطورية في شعر العباسيين، كالهامة والعنقاء والغراب والنسر، ولكل رمز دلالاته الفكرية.

رؤية جمالية

وتعرض الباحثة أيضاً إلى لجوء بعض الشعراء إلى استحضار شخصيات تداخلت أسماؤهم مع الميثولوجيا، وبقيت تؤثر في بنية الحياة العباسية على مستوى الأدب، كما شكّلت رؤية جمالية، من خلال توظيفها ضمن النص الشعري، بما يتناسب مع المعنى.

وتورد في هذا السياق «أن الشخصيات الرمزية كونت أساساً مكيناً للمعاني الشعرية في القصيدة العباسية، إذ تحولت تلك الرموز إلى بنى فكرية عميقة، من شأنها ربط الشعر بالفكر، لأن الأسطورة فكر، والترميز وسيلة، فصار الشعر العباسي لهذا السبب متمكناً في باب الفن، لأنه حاز الفكر والأسلوب الأمثل للتعبير عن ذلك الفكر تعبيراً أدبياً جميلاًَ».

وتشير الباحثة إلى اتصال المنحى الأسطوري في الشعر العباسي بالبيئة العربية القديمة، بكل ما تحتويه وتتصف به، فلم يخرج الشعراء العباسيون عن إطار هذه البيئة مع لمسة الخيال، إذ عكست الكثير من الرموز الأسطورية في أشعارهم.

تخلص الكاتبة إلى أن شعراء العصر العباسي، وإنْ كانوا بقوا في مضمار البيئة العربية، إلا انهم ابتكروا معانيَ أسطورية جديدة من وحي الحياة الحضارية، ووظفوا هذه المعاني بطريقة جديدة لم يتسنَ لسابقيهم توظيفها.

تعليقات

تعليقات