المفاهيمية.. في التشكيل الإماراتي المعاصر..تجارب واتجاهات

لا تزال المفاهيميّة خجولة الحضور في الحيوات التشكيليّة العربيّة المعاصرة مقارنة بالأساليب والاتجاهات التقليديّة. الأمر نفسه ينسحب على حركات الفن في الدول التي أوجدتها، بل على العكس، بدأ حضورها فيها يتقلص لصالح الاتجاهات الواقعيّة الكلاسيكيّة.

في عالمنا العربي، اشتغل عليها عدد لا بأس به، بعضهم انغمس فيها حتى النهاية، وغالبيتهم جربوها لفترة، ثم هجروها عائدين إلى وسائط التعبير التقليّدية. هذه الحالة تنسحب على التشكيل الإماراتي الذي تميزت فيه تجارب مفاهيميّة كثيرة تتقدمها تجربة الفنان الراحل حسن شريف، وعنه وبتأثيره، خاض غمارها عدد من الفنانين منهم أخوه الأصغر حسين شريف، محمد يوسف علي، محمد كاظم، محمد أحمد إبراهيم، عبد الله السعدي، ابتسام عبد العزيز.. وغيرهم.

صانع الفن

وكان قد بين الفنان الراحل حسن شريف، في الخصوص، أنه ليس ضد أي اتجاه في الفن، وبأنه تعرّف إلى أعمال الفنان الطليعي مارسيل دوشان فوجد ضالته فيها، سيّما بعد أن وجد جملة من القواسم المشتركة التي تجمع بينهما، ودوشامب أحد أقطاب الدادائيّة، ومن خلاله دلف الفنان شريف إلى المفاهيميّة التي اشتغل عليها حتى رحيله، مؤكداً أن الفن ليس كرتوناً، أو حبالاً، أو علباً، أو عملاً فنياً. وليس الفنان هو صانع الفن.

الفن هو إلى أي مدى يستطيع الفنان بأدواته أن يخلق أشخاصاً في مجتمعه، يؤدون من خلال وعيهم وإدراكهم وأعمالهم دوراً تحريضيّاً: بصرياً وفكرياً وحسياً في المجتمع، مُشيراً إلى أن الفن مفهوم وإدراك وموقف.

أما أبرز التشكيليين الإماراتيين الذين اشتغلوا على المفاهيميّة وأبرز تمظهراتها فهي القناني والعلب الفارغة عند عبد الله السعدي، والأسلاك والكراتين عند حسين شريف، وأكوام التربة وقطع الحطب عند محمد كاظم، والبناء الحجري في منطقة خورفكان عند محمد أحمد إبراهيم، وأعماله هو من ضمنها.

تحرر من الثوابت

يهدف الفن المفاهيمي بحسب الفنان محمد كاظم إلى التحرر من الأصوليات والثوابت، وما يحصده الفنان المعاصر هو نتاج مرحلة حوّلت العالم إلى مستهلك كبير، ومع المبادئ الجديدة في الفن، أصبح الفنان المفاهيمي يجمع في عمله بين عدة أنظمة فنيّة، وبين مواد وخامات كثيرة، ما حوّل هذا العمل إلى خلطة تجمع بين الرسم والمسرح والموسيقى والتصوير الضوئي الثابت والمتحرك، والحفر، والطباعة، والرقص. أي أصبح العمل الفني المفاهيمي نوعاً من الاستعراض السمعي البصري.

كسر القوالب

الفنان محمد يوسف علي، حاول من خلال الفن المفاهيمي، كسر القوالب، لكن دون أن يكون قاسياً مع المتلقي والمشاهد الذي يحرص على منحه طرف الخيط، ثم يقوم بإدخاله تدريجياً في اللعبة المفاهيميّة التي تختلف لديه عن تجربة حسن شريف الذي يُسخّر الكثير من المواد والخامات في إنجاز عمله المفاهيمي، بينما هو يُركّز على الأشياء الموجودة حوله، في محيطه المباشر والبعيد، وهي في العادة من نتاج البحر والبر والصحراء.

دوائر خورفكان

تبدت النزعة المفاهيميّة لدى الفنان محمد أحمد إبراهيم، عندما أبدى رغبته الجامحة بتلوين جميع جبال مسقط رأسه خورفكان، بألوان زاهية. فالفن كما يراه، بعثرة متناغمة للألوان، وهو شخصياً يعشق اللون الأزرق والأحمر والأخضر والألوان الأساسيّة والمتممة، ويحترم جداً الفنانين المجددين، مثل: أوسوالد، جوهانس راتن.

يُعتبر عمله «دوائر خورفكان» من أبرز تجاربه المفاهيميّة، وهو مؤلف من مجموعة دوائر متباينة الأحجام، رسمها فوق التراب، ثم قام بتنفيذها من الأحجار الصغيرة والحصى، وبهاتين الخامتين أطّر الدوائر، كاشفاً عن لون التراب. هذه الدوائر الست التي أنجزها بمساعدة ابنه، بوساطة دراجة هوائيّة، تشكّلت من حركة الدراجة، وحركة الفكر، وحركة الإنسان في نقل هذه الأحجار الصغيرة من مكانها إلى مكان آخر، بالإضافة إلى الانفعالات والأحاسيس الذي رافقت هذه العملية: كل هذه العناصر مجتمعة، شكّلت عملاً فنياً مفاهيميّاً هدف منه الفنان إبراهيم هندسة الفكر، وهذه هي برأيه وظيفة الفن.

خارج السائد

كان الفنان عبد الله السعدي على علاقة وثيقة بالفنان حسن شريف، ومن خلاله ولج إلى عالم المفاهيميّة، مستخدماً كل ما تقع عليه يداه من مواد وخامات في انجاز أعماله.. ولديه تجربة مفاهيميّة معروفة باسم «رحلة قمرقند» قام فيها بزيارة المنطقة الشرقيّة من الإمارات وسلطنة عُمان، برفقة كلبه وحماره الذي أخذت الرحلة اسمه «قمرقند» وثّق خلالها بالصورة الضوئيّة وأشرطة الفيديو والألوان المائيّة، المناظر الطبيعيّة التي شاهدها. ومن تجاربه على هذا الصعيد «الحذاء الحجري».

أفق مفتوح

ينفي الفنان حسين شريف انسداد الأفق أمام الفن المفاهيمي، مؤكداً بأنه لا يزال له رواده ومريدوه في العالم، وقد حقق ولا زال يحقق قفزات هائلة في عالم الإبداع. والعرب «بحسب قوله» تعرفوا إلى هذا الفن عن طريق الغرب، وغاص وتعمق الكثير من فنانيهم في دقائقه وتفاصيله، مُشيراً إلى وجود محاولات مفاهيميّة عربيّة جادة..وكذا توجد تجارب أخرى على الصعيد، لا تحمل من المفاهيميّة إلا النيات.

طاقة سيكولوجيّة

(أصل الإبداع هو لحظة تحل، أو رؤية تأتي للفنان مرة واحدة، وعلى غير موعد): هكذا تنظر الفنانة ابتسام عبد العزيز للآليّة التي يتحقق من خلالها العمل الفني. اشتغلت على الاتجاهات والأساليب الفنيّة المختلفة، ولها عدة تجارب مع الفن المفاهيمي، من ذلك تجميعها أشياء كثيرة مهملة، مصنوعة من مواد وخامات مختلفة، تقوم بعدها بتنضيدها ضمن أسطوانة زجاجيّة، أو تجمّعها إلى بعضها البعض. إذ تستنهض الفنانة هذه الأعمال الفنية المهملة في عمل يروي قصة من الحياة اليوميّة. ولأن هذا العمل يحمل قوة شكليّة، وطاقة سيكولوجيّة تعبيريّة، على المتلقي القيام بفك رموزه ودلالاته بطريقته الخاصة.

وسائط

مواد طبيعية ومصنوعة تعانق فكرة ومضموناً جوهريين

اتفق غالبية الباحثين في علوم الفن المعاصر على أن الاتجاه المفاهيمي يمثل ذروة التحوّل الذي طال وسائل تعبير العمل الفني ومضامينه وكل شيء جوهري فيه، فقد اهتم هذا الاتجاه بفكرة ومضمون هذا العمل، وأباح للمشتغل عليه استعمال ما يشاء من وسائط طبيعيّة وصنعيّة، «بما فيها النفايات» في عملية بناء وتشكيل منجزه الفني، ما دفع البعض للاعتقاد بأن المفاهيميّة التي ولدت من رحم الدادائيّة، هي شهادة وفاة للفن بمفهومه التقليدي، كما أعادت وبقوة، طرح السؤال القديم - الجديد حول ماهيّة الفن، هذه الإشكاليّة المفتوحة منذ تعرف الإنسان لأول مرة إليه وحتى اليوم.

ورغم أن نقاداً كثيرين كان لهم موقف رافض لهذا الفن بتوجهاته المتنوعة، لم يتأخر رواده ومناصروه عن متابعة الإبداع في عوالمه حتى باتت مكانته رفيعة وباتت مهامه ورؤاه وأفكاره غاية في الأهمية في التصدي لقضايا متنوعة بحياتنا.

رواد

مسيرة فنية انطلقت أواخر  ستينيات القرن الماضي

بدأت المفاهيميّة مسيرتها أواخر ستينيات القرن الماضي، مستفيدةً من أعمال عدد من الفنانين منهم: غاسبر جونز Jesper Johns، وإيفز كلين Yves Klein، وروشنبيرغ R. Raushenberg وغيرهم. واتسمت المفاهيميّة بالغموض، والاعتماد على الفكرة، والفوضى، والعبث، والعدمية، وجماليات القبح، وحيز الفراغ، والضد، والإحساس بالضياع، وهيمنة الآلة، والاهتمام بالمنتجات الصناعية، والتطور التكنولوجي، وقد لجأ غالبية فنانيها إلى توظيف الكثير من إفرازاتها في أعمالهم.

وحازت تجارب الفن المفاهيمي في عالمنا العربي، خصوصية فرضتها طبيعة تلقفها وتجسيدها من قبل المبدعين العرب باتجهاتهم المتنوعة، وهو ما تجلى فعلياً في الفن المفاهيمي في دولة الإمارات العربية المتحدة.

 

تعليقات

تعليقات