كأس العالم 2018

جذور

الجلندى شخصية عابرة للتاريخ والأمكنة يكتنفها الغموض

يعدّ الجلندى من الأسماء المشهورة في تاريخ شبه الجزيرة العربية منذ ما قبل الإسلام؛ وذلك لما مارسه صاحبه من دور في التاريخ والتراث القديم، ونظراً لما تمتّع به من شهرة ومكانة في التاريخ العربي القديم. نتعرف في هذه السطور إلى ما اكتنف هذا الاسم من الاختلاف في مسماه، ومن هو صاحبه الذي تسمى به، وبعض الحقائق التاريخية المتعلقة به على العموم، سالكين في ذلك سبيل البحث الدقيق والمقارنات، والمناطق التي ينسب إليها، ليكون ذلك إضاءة ثقافية تراثية على شخصية عرفت في منطقتنا ولكن حقيقتها غامضة بالنسبة للكثيرين.

الاسم والمسمّى

أمّا اسم «الجلندى» فقد اختلفت المصادر في رسمه وفي معناه: فَمِن حيث الرّسم توجد له أكثر من صيغة، هي: «الجلند» وهذا الرّسم ورد ضمن رواية عن عبد الله بن عبّاس رضي الله عنهما أنّ: رسول الله صلّى الله عليه وسلّم كتب إلى حيّ من أحياء العرب يدعوهم إلى الإسلام فلم يقبلوا الكتاب ورجعوا إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فأخبروه فقال: «أَمَا إنّي لو بعثتُ به إلى قوم بشطّ عمان من أزد شنوءة، وأسلم لَقَبلوه». ثمّ بعث النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم إلى الجلند يدعوه إلى الإسلام فأسلم. وورد برسم: «الجلندا»، أو «جلندى»، أو تكتب: برسم: «جلندي». أو«الجلندي»، أو برسم: «جلنذا». والأرجح هو برسم: «الجلندي» أو «الجلندى» الذي يظهر في كثير من المصادر، و«الجلندى» مقصور من «جلندا»، والقصر فيه هو المشهور.

لقب أو اسم؟

ويتردد الأمر بين كونه لقباً لِمَن يحكم عمان عموماً، وكونه اسماً لشخص بعينه كان ملكاً في المنطقة؛ فمثلاً يرى بعضهم أنّه كان يوجد ملك بعينه يدعى بهذا الاسم، وهو الذي خلّف الإمرة لولديه جيفر وعبد. ونسب جيفر: جيفر بن الجلندي بن المستكبر بن الحراز بن عبد العزّى بن مِعولة بن عثمان بن نصر بن زهران الأزديّ العمانيّ. وهذا ما تورده أغلب المصادر، ما يعني أنّ أباهما لم يدرك الإسلام.

يأخذ كلّ سفينة غصباً

وقد ورد في بعض المصادر أنّ الملك الوارد ذِكره في سورة الكهف على أنّه الملك الذي يأخذ كلّ سفينة غصباً، يدعى: مسدلة بن الجلندى بن كركر من ولد مالك بن فهم، أو هو الجلندى بن المستكبر، أو هو ابن المستنير بن مسعود بن الحرار بن عبد العزّى بن معولة بن شمس بن غانم بن عثمان بن نصر بن زهران بن كعب الأزدي، ويورد الميداني مثلاً: «أظلم من الجلندى»، ويعقّب عليه بقوله: هذا مَثل مِن أمثال أهل عمان، ويزعمون أنّه جرى ذِكره في القرآن الكريم في قوله عزّ وجلّ (وكان وراءهم ملك يأخذ كلّ سفينة غصباً).

ولارتباط هذه المسألة بموضوع استيلاء الملك على سفينة المساكين بغير وجه حقّ، قيل: إنّ أوّل فساد ظهر في البر كان ظلم الجلندى. وقول الميداني المتوفّى عام 518 هـ، إنّ أهل عمان يزعمون أنّه الملك الذي يأخذ كل سفينة غصباً يدلّ على شيوع ذلك بين أهل عمان في فترة تسبق عصر الميداني. وأنّه غير الجلندى الذي هو أب عبد وجيفر الذي كان قبل الإسلام بقليل. وقيل: أدرك الإسلام وولداه. وقصّة السّفينة في زمن موسى عليه السّلام، وبين موسى ونبيّنا محمّد صلّى الله عليه وسلّم سنون كثيرة معلومة في كتب التواريخ. كما أنّ الوصول إلى بحر العرب والخليج العربي يتطلّب وقتاً طويلاً بل ربما شهوراً، وموسى عليه السّلام بحاجة أن يبقى بجوار قومه، ولعلّ صحبة موسى للخضر عليهما السّلام استغرقتْ يوماً واحداً.

ويورد السالمي أكثر من اسم محتمل للملك المبهم الوارد في سورة الكهف: الأوّل: أنّه مسدلة بن الجلندى بن كركر الأزدي من ولد مالك بن فهم، وهو جدّ الصفاق، ومن ولده ملوك مرو. والثّاني: هو الجلندى بن المستكبر، والثّالث: المستنير بن مسعود بن الحرار بن عبد عزّ بن معولة بن شمس.

بينما ورد في المصادر الأخرى في ما يتعلّق بالملك المبهم في قوله تعالى: (أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدتُّ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءهُم مَّلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا) «سورة الكهف: الآية: 79»، أنّ اسمه: الجَلنْدى أو الجلندا، وكان بجزيرة الأندلس، يعني قرطبة، وقيل اسمه: جلندى بن كركر، وقيل: منواه بن جلندى الأزديّ وكان بجزيرة الأندلس، وقيل: منوار أو منولة بن جلندى الأزدي. أو مبدلة بن جلندى، وقيل: هو الجلندى، أو متوله بن جلندى الأزديّ. وقيل: اسمه منولة بن الجلندى بن سعيد الأزديّ، وقيل: مندلة بن جلندى بن سعد الأزديّ، وقيل: هو منواه بن جلندى الأردنيّ. وقيل: جلندى بن كرك ملك غسّان أو هو مضواد بن سعيد الأرديّ وكان بالأندلس. ودعاه بعضهم: الجلندي اليماني. وقيل: هو الجلندى ملك غسّان، وقيل: اسمه: جيسور الغساني، أو هو جلندا بن كركر ملك غسّان، وقيل: هو الجلندى بن المستكبر بن الأرقم بن الأزد ملك غسّان، وقيل: هو جيفر بن الجلندى، وقيل: هو المنذر بن جليد أو هو المنذر بن جلندى الأزديّ وكان بأنطاكية، وكان عربيّاً. ودعاه الأصمعي: الجلندي بن كربر بن السّعير بن مسعود من بني نصر بن الأزد. وقيل: كان ملكاً متجبّراً، وهو نفسه الذي عناه الأعشى.

ولِمناقشة مثل هذه الافتراضات، نبدأ أوّلاً: بِمَن قال: إنّ الجلندى كان بجزيرة الأندلس، وهو قول ربّما ينطلق مِن رواية بعضهم أنّ الصّخرة التي لجأ إليها موسى عليه السّلام وفتاه هي طنجة وتُعرف أيضاً بصخرة سبتة. بمعنى أنها عند مضيق جبل طارق، حيث التقاء البحر المتوسّط بالمحيط الأطلسي.

ثانياً: من المؤكّد أنّ أحداث القصّة ولقاء موسى عليه الصّلاة والسّلام بالخضر عليه السّلام جرتْ في مناطق بعيدة عن عُمان، وهي لم تخرج عن إطار شبه جزيرة سيناء والسّواحل الشّماليّة للبحر الأحمر. إضافة إلى البُعد الزّماني بين عهد موسى عليه السّلام وبين ظهور الجلندى في عمان. كما أنّ اختلاف العلماء في رسم الاسم وصيغته ومكان وقوع الأحداث تلقي ظِلالاً من الشّك على كلّ هذه التّحديدات والتّعريفات. وفيما يبدو أنّ القول بأنّ مالك بن فهم أو الجلندى المقصود بالملك المذكور في سورة الكهف، مردّه إلى ما رُوي مِن أنّ القرية التي أتى إليها موسى والخضر عليهما السّلام، وفيها أقام الخضر الجدار، هي بلدة الأُبُلّة المشهورة الواقعة في جنوبيّ العراق، وبالتّالي فعلى المبحرين القادمين من جهة البحر الأحمر أوّلاً المرور بإحدى المدن العمانيّة، وهي هنا حسب الرّوايات التي يوجد فيها الملك، ومِن ثمّ ينطلقون إلى الخليج العربي فالأُبُلّة. وممّا يُبعد كونها الأُبُلّة أنّه ورد في إحدى روايات البخاري قوله: حتى إذا ركبا في السّفينة وجدا معابر صغاراً تحمل أهل هذا السّاحل إلى أهل هذا السّاحل الآخر، وفي رواية: فركبا سفينة يريدان البرّ. و«المعابر» هنا: السّفن الصّغار، فهي إذن ليست من سفن الأسفار التي تبحر في البحار العالية. أمّا كيف تولّى بنو الجلندى الحكم في عمان فقد قيل: إنّ المُلك ظلّ في أولاد مالك مدّة من الزّمن ثم انتقل المُلك إلى آل الجلندى بن المستكبر، وهو من معولة بن شمس. ولكن لم يتبيّن لنا كيف انتقل الحكم إلى آل الجلندى؛ هل بعد تفرّق كلمة أولاد مالك ووقوع الخلاف بينهم والتّناحر، فاستغلّ الجلندى المؤسّس الأمر وأعلن نفسه ملكاً، وظلّ المُلك فيهم حتّى مجيء الإسلام؟

تسلسل مجهول

ويقدّم الشّيخ سليمان بن خلف الخروصي عرضاً تأريخيّاً لحكم آل الجلندى، وهو عرض يبدو مقنعاً، ولكن لا تؤيّده النصوص التّاريخيّة القديمة، وهو أنّ مالك بن فهم أنشأ دولته في عمان بعد انتقاله إليها من العراق وتمكّنه من حكم الإقليم وطرد الفرس منها، ودام سلطانه فيها سبعين عاماً. ويقول: إنّ التّاريخ لم يحدّد مدّة دولته في عمان ثم تلاه بنو الجلندى، وأوّل ملوكهم عبد عز بن معولة، ومن ملوكهم الجلندى بن كركر، والجلندى بن المستكبر، وأخيراً جيفر وعبد ابنا الجلندى. وحسب رأي الشّيخ الخروصي فيمكن أنّه وُجد في سلسلة ملوك آل الجلندى: الجلندى الأوّل، والجلندى الثّاني، والجلندى الثّالث.. وهكذا، إلا أنّ هذا الافتراض مع ميلي إليه لا تدعمه النّصوص القديمة. وفي الحقيقة، وكما قال صمويل مايلز، إنّ معرفتنا بتسلسل الأسر الحاكمة في عمان منذ وفاة مالك بن فهم حتّى قدوم السّاسانيين تكاد تكون معدومة.

رحيل الأعشى

كانت مسألة علاقة آل الجلندى مع الدول المجاورة واضحة من حيث بقائهم في الحكم، وفي الوقت نفسه لهم حضور ملكي أسوة بمَن في البحرين والحيرة، فكانوا يهبون الشّعراء ويكرمونهم، وهذا ما يُفهَم مما جاء في أبيات للشّاعر الجاهلي المشهور الأعشى قالها حين همّ بالرّحيل وأبدتْ ابنته تخوّفها على أبيها من كثرة أسفاره.

وهناك أيضاً، قول الشّاعر المسيّب بن عَلَس الضّبعي في جلندى عمان:

يا جلندى يا مُستَكِير

يا خير مَن يمشي مِن الذّكور

معانٍ

يوجد للفظ الجلندى أكثر من تفسير في اللغة، فقد تعني: الجلادة والصّلابة والفجور وما يناقضها: «العجز»، هذا في حالة أنّ الحرف الثّلاثي للكلمة: «جلد» أو «جلندد». ويرى جون ويلكنسون أنّ «جلندى» منصب يقاس بمنصب «الإصبهذ» في إقليم البحرين.

وممّا يُلمِح إلى ذلك أيضاً قول الشّاعر الجاهليّ الأعشى:

وجلنداء في عمان مقيماً

ثمّ قيساً في حضرموت المنيف

والشّاعر هنا يفتخر بصحبته لملوك العرب في غسّان والحيرة، ومن ضمنهم صاحب عمان الملقّب بالجلندى. ويعني بقيس: قيس بن معدي كرب الكنديّ.

وفي عجز بيت يقول فيه الشّاعر الجاهلي المتلمّس:

إلى ابن الجلندى صاحب الخيل جيفر

القوي المتحمل

مما يشير إلى كون: «الجلندى» لقباً: أنّ عمرو بن العاص لمّا خاطب جيفراً، قال له: يا جلندى مع أنّه يعلم اسمه، وهو أصلاً قد أُرسِل إليه. وهذا أيضاً ما يُفهَم من قول أحدهم: إنّ عمرو بن العاص أُرسِل إلى الجلندي صاحبِ عمان، وهنا اكتفى باللقب ولم يذكر اسم الملك مع أنّ كتاب الرّسول عليه الصّلاة والسّلام كان موجّهاً لجيفر وعبد.

وتوجد إشارات في عدد من كتب اللغة إلى أنّ «جلنداء» تعني القويّ المتحمّل وبه سُمّي ملك عمان، ويصرّح المؤرّخ جواد علي أنّ «الجلندى» لقب لكلّ مَن مَلكَ عمان، وأنّ لهذه اللفظة صلة بلقبين آخرين هما: «قيْل» و«كاهن»، ويُفهَم من عبارة جواد علي أنّ الكهانة تندرج ضمن مهام وأعمال الجلندى. ويورده الجواليقي ضمن الألفاظ المعرّبة.

تعليقات

تعليقات