مفرداته المجسدة في أبرز المعالم ترسّخ الهوية وتنثر عبق الماضي

تراث الإمارات.. جمال يسكن القلوب ويزين الحاضر

عندما يمتزج الماضي بالحاضر والحداثة بالعراقة والتجدد بالأصالة والكلاسيكية بالنمط العصري الآسر، تتجه الأنظار مباشرة إلى الإمارات، دولة التوليفات الساحرة، وعندما تصبح زيارة كثير من معالمها ومطاعمها وفنادقها الفاخرة وأبراجها الشاهقة، رحلة سياحية استثنائية إلى ربوع الماضي الجميل وحياة الأجداد، فإنه لا بد من رفع القبعة لهذه الدولة العبقرية التي تتكئ على مخزون تاريخي وثقافي وإنساني، وتعتمد على مؤسسات طموحة تعي أهمية دورها في تعزيز الجوهر الإبداعي للهوية الوطنية، وذلك عبر إدارة تراثها وتوظيفه بما يتيح للمشاريع العملاقة المتنوعة استلهام هويتها العصرية الخاصة من «زمان أول»، بما يمكن الدولة من حفظ تراثها وثقافتها وصونه وترسيخه، وتقاسم المعرفة مع المقيمين والزوار، ونقل الموروث الشعبي القيم إلى الناشئة.

جهود

يشكل التراث مصدراً غنياً لكثير من حقول المعرفة الأدبية والفنية والثقافية وغيرها من المجالات، وعند الحديث عن صون التراث المحلي يبرز مركز حمدان بن محمد لإحياء التراث، حاضنة وطنية للموروث الشعبي الأصيل، حيث استطاع على مدار سنوات طويلة أن يجمع بين مفهوم الجمع والتدوين التقليدي للتراث، إلى جانب توظيف التقنيات الحديثة لتقديم التراث بصورة عصرية، وذلك ووصولاً إلى بث الروح في التراث من جديد ليكون كائناً حاضراً في حياة أبناء وطنٍ لا يعتزون بشيء كما هو اعتزازهم بهويتهم الإماراتية، ولأن التراث الوطني جزء لا يتجزأ من الهوية الوطنية الإماراتية، فقد حرص مركز حمدان بن محمد لإحياء التراث على توثيق تراث وطني بالاعتماد على الدراسات والأبحاث العلمية والفعاليات التراثية المعبرة عن شعب الإمارات وبيئته، بما يمكّنه من نقله بين الأجيال وتأصيل قيم التراث في المجتمع والتوعية بها إقليمياً وعالمياً، وذلك إيماناً من المركز بأن التراث بكل معطياته التاريخية والثقافية وتفاعلاته الاجتماعية، لا يمكن أن يكتب له الاستمرار والتأثير إن لم يتم تنشيطه واستعماله، لذلك يسعى المركز دائماً إلى إطلاق ودعم مبادرات تتفاعل تفاعلاً تاماً مع البيئة المحلية بكل ما فيها من قيم تراثية، وإضاءات واتجاهات معرفية، ومهارات عملية تتجسد في منافسات حماسية تستقطب الصغار والكبار وتكرم المبدعين والموهوبين في مجال التراث.

مركز الجليلة

وأكدت موزة الرقباني، نائب مدير إدارة العمليات والمسؤول عن الاستراتيجية والمستقبل في مركز الجليلة لثقافة الطفل بدبي، أن مركز الجليلة لثقافة الطفل بدبي، يعد من الوجهات الفنية الترفيهية والتعليمية التي تهدف إلى بناء جيل مبدع ومبتكر، وذلك في ضوء رؤية القيادة الرشيدة نحو بناء جيل طموح ومبدع، يشارك في إنجاح خطط التنمية الشاملة، وقالت لـ«البيان»: يشكل تراث الشعوب الإطار التاريخي الذي تنطلق من حضارة أي شعب، فهو بمثابة الوعاء الذي يجمع بين جنباته الحصيلة الإنسانية لكافة جوانب تطور هذه الشعوب ونموها، ومن هذا المنطلق فإن «الجليلة لثقافة الطفل» يلعب دوراً كبيراً في تعزيز الهوية الوطنية لدى الناشئة، لاسيما وأن غالبية الأنشطة وورش العمل تستلهم من التراث وأصالة الماضي رؤى فنية عصرية تعتمد على التراث الشعبي في رسم ملامح المستقبل، وذلك بما يضمن استدامة وحفظ التراث للغد.

واستطردت: إننا نقطف من حدائق التراث الغناء، الحقيقة التاريخية والأحداث والمواقف، ونزرعها بفن في نفوس ووجدان الصغار، وذلك ضمن بناء قيمي يسمو بتدرج وتكامل في إطار الخصوصية الثقافية، والامتداد الإنساني الفسيح.

التراث والطلبة

أما الهنوف محمد، المستشار الثقافي لاتحاد كتاب وأدباء الإمارات، فعبرت عن فخرها بالجهود الوطنية المبذولة من أجل الحفاظ على التراث الثقافي المحلي، والوفاء له، وإعطائه الوجاهة التي تليق به، في ظل الانفتاح الكبير على الشعوب والثقافات، وأكدت أنه مع تطور مستوى الريادة الوطنية عالمياً، تضاعف قيادتنا الرشيدة اهتمامها بالبطولات التراثية والمهرجانات الشعبية، كما تدعم الحِراك الإعلامي لنشر الفنون التراثية المختلفة بأساليب عصرية تواكب المستجدات التكنولوجية والتقنية. وقالت: تلعب المدارس والمؤسسات التعليمية دوراً كبيراً في تعزيز روح الولاء والانتماء للوطن، عبر تدريس التراث والتاريخ الوطني والدراسات الاجتماعية ضمن المناهج الدراسية، وذلك إيماناً منها، بأن التفريط في صون وحفظ التراث ضياع للهوية وموت للذاكرة الوطنية.

وأضافت: إن مدارس الدولة بكل ما تمتلكه من أدوات الفعل والتأثير، قادرة على الإمساك بخيوط التراث، وفرز ألوانه الزاهية، وتوظيفه في قوالب منهجية توفر للطلبة المتعة العقلية والحوار الواعي، بدليل أن غالبية الفعاليات التراثية والوطنية تستقطب الطلبة من الجاليات والجنسيات الوافدة أيضاً للتحضير لها والمشاركة فيها جنباً إلى جنب مع أبناء الإمارات.

متاحف مدرسية

من جانبها، قالت مريم الشحي، الباحثة المتخصصة في (السنع الإماراتي): التراث حصيلة ثقافة كانت في الماضي وفي عصر مضى، وخلف كل تراث مادي هناك تراث معنوي يتجسد في الآداب والأخلاقيات والسنع والقوانين التي يجب نقلها إلى الأجيال الحالية بأساليب عصرية، بحيث تمكننا من مواجهة تراكم الثقافات في عصر العولمة المليء بالتحديات.

ودعت الشحي إلى ضرورة منهجة التراث في المدارس، لافتة إلى أن المدارس الحكومية تعزز التراث المحلي وتدعمه وتبذل كثيراً من الجهود، ولكن بصورة غير ممنهجة، وقالت: لا بد من الإشادة بتفاعل المدارس الحكومية مع المناسبات الوطنية والاحتفالات التراثية العالمية عبر إقامة القرى التراثية وتنظيم لوحات الفنون الشعبية، ولكن يجب الإضاءة أيضاً على ضرورة إلزامها بإقامة متاحف تراثية دائمة، لاسيما وأن إقامة هذا النوع من المتاحف اختياري وليس إلزامياً في الوقت الراهن.

وتابعت الشحي: المتحف التراثي مؤسسة تعليمية، وأحد أهم المعايير التي تستخدم لقياس الغنى الثقافي للدول، حيث أصبحت المتاحف انطلاقاً من مفهوم التربية المتحفية، وسيلة من وسائل التعليم وإكساب الطلبة مهارات الزيارة العلمية والبحث العلمي، وربط المعلومات النظرية التي يتعلمونها عن التراث، بأمثلتها الحسية، ولا بد من التأكيد على أن إنشاء المتاحف وتطويرها، وتنويع أغراضها يشكل استجابة واعية ومسؤولة لخدمة المجتمع وتنميته، وذلك من خلال إبراز هويته الثقافية في خضم المداهمات المستمرة التي تتعرض لها من ثقافات أخرى.

تواصل

وأكدت الشحي أن المتاحف التراثية، غالباً ما تقتصر على عرض المقتنيات والأدوات الأثرية وحسب، وقالت: تعكس المتاحف الأبعاد التاريخية للمجتمعات، ويجب أن تعكس المتاحف المدرسية بعمق الإسهامات المحلية في ركب الحضارة الإنسانية، وذلك بما يجعلها رمزاً من رموز استمرار الحياة وعروة قوية من عرى التواصل بين الماضي والحاضر.

معالم عصرية بتصاميم تراثية

التراث روح الأماكن في الإمارات وهواؤها النقي الذي ينعش زوارها أينما وجدوا، ويمتد توظيف الجوانب الجمالية الكامنة في التراث في التنمية والنهضة المعاصرة، نحو المراكز التجارية والفنادق والموانئ والمطارات وأماكن الترفيه، وعلى سبيل المثال لا الحصر، فإن بلوغ قمة برج خليفة، ناطحة السحاب العملاقة الأطول عالمياً، لا يتحقق إلا بالمرور أولاً عبر مدخل تراثي مبتكر، تقدم جدرانه عروضاً بصرية أخاذة تروي روعة التراث وإنجازات الأجداد وقصة دبي بين الأمس واليوم، وذلك بما يمهد للمشاهدات العصرية التي سيحظى بها الزائر لاحقاً.

وليس هذا وحسب، بل إن فندق جي دبليو ماريوت مركيز دبي، أطول فندق في العالم، يمتاز بتصميمه الرائع المستوحى في شكله من النخلة، أما فندق «البيت» في الشارقة فهو أول فندق تراثي 5 نجوم لتعزيز التراث الثقافي والمعماري وكرم الضيافة العربية، في حين أن سلسلة مطاعم الشهيرة «الفنر»، تقدم الثقافة الإماراتية بشكل متكامل، ما جعلها بمثابة متاحف رائعة، فعلاوة على الطعام التقليدي والديكورات الكلاسيكية ذات الطراز القديم، فإنها تبهرك بعنايتها بأدق التفاصيل التراثية. في حين أن سلسلة مطاعم «هم يم» تعكس الحياة القديمة ببساطة متناهية من خلال جلسات تراثية وسيارات كلاسيكية متداخلة مع التصميم الداخلي وإكسسوارات شاع استخدامها في الماضي، بينما تعد سلسلة مطاعم «أريبيان تي هاوس» في قلب منطقة الفهيدي، من الوجهات الشعبية الرائعة، وغيرها الكثير من الوجهات الفريدة في الإمارة.

بطولات تراثية

تعد بطولات سمو الشيخ حمدان بن محمد بن راشد آل مكتوم، ولي عهد دبي رئيس المجلس التنفيذي، للصيد بالصقور، والغوص الحر، والرماية المفتوحة للجنسين، واليولة، والصيد بالسلق، إضافة إلى ماراثون الهجن، مبادرات استثنائية متفردة، نظراً لقدرتها على جعل الموروث الثقافي الإماراتي نقطة التقاء للحضارات الإنسانية المختلفة. وقد وفّرت الصحراء المترامية الأطراف لدولة الإمارات على مر العصور مكاناً مثالياً لممارسة الرياضات لأفراد القبائل التي سكنت هذه المنطقة، وتضرب العديد منها في عمق تاريخ دولة الإمارات الذي يعود لآلاف السنين، وتوارثتها الأجيال حتى وصلت إلينا في صورتها الحالية.

تعليقات

تعليقات