الأسلحة الأولى مُتوثبة

نحت زئير الأسد في مقابض سيوف «ساروق الحديد»

بداية، علينا أن نشير إلى أن معظم مكتشفات «ساروق الحديد» في دبي متنوعة وشديدة الجاذبية حتى في غموضها، خاصة مع تلك المباخر العالية، والخلخال المحتمل أن يكون للجمال، والأصداف الصغيرة المرسوم على حدباتها رمز الشمس المعبودة بسطوعها وخطوطها، والتي بدت عالية في مهارتها الفنية، ومروراً بالأختام وقلائد العقيق الأحمر والأبيض، ورؤوس الفؤوس والسهام..

مع خناجر برونزية، وسبائك ذهبية بعد تحويلها إلى مشغولات يدوية.. والخاصة بالتزين، مع فخاريات مميزة وجرار عليها صور الأفاعي الرامزة إلى الأمن والحفظ والتجدد، إلى غير ذلك من القطع اليومية التي تعود إلى العصر الحجري، ولكن ما لفت نظري بين كل تلك المكتشفات، كثرة الأسلحة المتمثلة في السيوف، وبالأخص مقابضها البرونزية التي نحتت بعناية على هيئة أسد متوثب.

صفات

تمتاز قبضات السيوف المكتشفة في «ساروق الحديد» في أشكالها، بمنحوتات متشابهة لأسد برونزي متوثب في لحظاته الخالدة التي يكون فيها طائراً ومتوثباً في آن، أي في لحظة الارتماء وهو ينقض على فريسته، لتصبح تلك القفزة مثبتة عند أغلب نحاتي الحضارات الأولى لما في هذه المرحلة النادرة من أهمية أثناء الهجوم، فهي لحظات تتكثف فيها معاني النهوض والقوة والتمكن.

وكأنها أُمنية لمالك السيف أن يتصف بها ويرتقي بصفات هذا الحيوان الملك الذي مَلكَ القوة العضلية والجسدية الهائلة، مع الهيبة في صفاته الأخرى، مثل العفة، لكونه صياداً يأبى أكل الجيف والحيوانات النافقة، وما به من رحمة لأنه لا يعذب فريسته، وأيضاً هيبة، بمظهره الوقور وقوامه الممشوق وأنيابه، وصفة النبل لدوره الأسري السامي، وتربيته صغاره واهتمامه بزوجته، وأخيراً قيادة وحكمة... إلى آخر الصفات التي يتمنى الإنسان أن يتصف بها.

ذروة القفزة

ولأن الأسد يقتل بيده العارية الخالية من أي سلاح، تم نحته على مقابض السيوف المكتشفة في «ساروق الحديد» تحديداً أثناء وثبته الأبدية تلك، وهو ينقض على فريسته، والأجمل هو نحت الخصر الطويل نحيلاً جداً ليمنحه رشاقة فائقة، تعبيراً عن لحظات استثنائية تصبح فيها عضلاته مترابطة، للدلالة على ذروة القفزة كالسهم الطائر التماساً للصيد، هذا التصميم الجسدي الفريد للأسد الملك وبخصره النحيل، ارتقى به النحات في أن يصبح مقبضاً لليد.

منجم

ولأن السيوف في الحضارات الأولى هي من أهم صناعاتها الدفاعية، فإن صانعيها وبعد أن يقومون بتسنين الشفرة الحادة، يأتون بالتفنن في مقبضها، سعياً إلى أن يكون عنواناً لصاحبه، وبالتالي اتضحت مدى تصاميمها المدروسة على هذا الحديد الشائع في ذلك الوقت، وقد وجد المنقبون الكثير من تلك السيوف التي يميل التخمين حول المكان في أن يكون منجماً لا سكناً، بعد اكتشاف الأدوات التي تؤكد بأنه مصنع للسلاح ولأدوات أخرى.

نحت الزئير

بلا شك، إن الأسود رمز اتخذه البشر منذ آلاف السنين، حيث نلاحظ أنها تظهر في جميع الحضارات والثقافات، من آسيا وأفريقيا وأوروبا، لذا تم تمثيلها ونحتها وبأجمل حلة في أدوات الحياة المختلفة لكل حضارة، وبأجمل حلة وخاصة أثناء زئيرها، لتبيان الفك وأنيابه الحادة، أو إبراز مهارة الوثبة ليتضح لنا استراتيجيات الأسد ومهاراته، فتصبح الأسود في الحضارات المختلفة إلهاماً للقوة، ورمزاً من الرموز الثقافية الشعبية، حتى تجلت مع الوقت قوة دور الأسد في السحر، لارتباطه بالآلهة الوسيطة في عملية الهويات والعشائر، ليمضي هذا الليث إلى معان أخرى ومختلفة.

مقابض داعمة

نعود لتلك السيوف المكتشفة في دبي والعائدة إلى الألف الأول قبل الميلاد، برؤوس الأسود التي بنت تصورات عدة لدى الباحثين الآثاريين، خاصة في أن الأفراد في تلك المنطقة الساحلية والصحراوية لا علاقة لهم بالأسود، أو في أنهم لم يتواصلوا مباشرة مع الأسد كما هو مع الثور والماعز والغزال...

لكن بقيت النصوص العربية وغير العربية في الجزيرة العربية إجمالاً، من مفردات إبداعية وشعر تؤكد العلاقة بينهما ومنذ الأجيال العربية القديمة، أي قبل ظهور الإسلام والمسيحية، في أنها علاقة خلقت خصائص واقعية في الصحارى الممتدة، بقوة الأسود التي دعمت روح العربي وبأسه ونبله وحكمته، ليجسد العرب الأسود، نحتاً ورسماً، في أدوات دفاعهم، من خلال رؤوس المقابض تلك، كحالة مساندة لصاحبها لما فيها من سمات وفضائل.

من أسماء الأسد عند العرب

حرص العرب على تسمية أبنائهم بأسماء الحيوانات القوية واللطيفة والمستأنسة التي تعيش حولهم أو سمعوا عن صفاتها الرفيعة، كالفهد والنمر للذكور، وغزالة وظبية وحمامة للإناث... لكن الأسد أخذ المساحة الأكبر في أسمائهم لما له من آفاق فاقت القوة والمعنى في صفاته، لأنه بقي من الظواهر النادرة في أن يجمع بين القوة والصيد وصفة الرحمة والنبل، فكان من تلك الأسماء: باسل، حمزة، خطار، فارس، عروة، صعب، عوف، هِزَبر، فادي، ضابط، هزاع، جهبذ، قشعم، مرتد، رهيب، عِترس، حيدر، راهب، ساري، صياد، صارم، ضفاض.

نحَّام، هجَّام، ناهد، غيّار، جَسَّاس، أبو حفص، أخنس، عفرين، غضنفر، جروان، صاد، ليث، نهد، أبو فراس، أبو الحارث، سبع، شجاع، ضرغام، فرناس، همّام، شرس، رابض، ضرغامة، جيفر، دواس، داهي، خزرج، لابِدْ، مرهوب، ورد، أشهب، أغلب، شبل، عباس، عَمُوس، أسامة، هصور، أدلم، أخنس، أَلْيَس، فرفار، مُهْرِعْ، همهام، رَاصِدْ، عَزَّامْ، فَرهُود، قشعم، مُوَهْوِه، أسْحَر، سَنْدَرِيّ، نهامة، أصبح، بَسُول، شَرِسْ.

قَلوبْ، مُصامِص، هادي.. إلى الكثير من الأسماء التي تصل إلى 351 اسماً في اللغة العربية، وهذا لا يعني سوى أهمية الأسود لدى العربي بصفاتها المتميزة التي تطرقنا لها بعد أن عاش في زمن الحروب والظروف الصعبة والمختلفة للعالم القديم، كي يأخذ الأبناء من صفاتها.

7

أثناء هجوم الأسد على فريسته، فإنه يستخدم ما لا يقل عن سبع عضلات موجودة في الرقبة والأكف ليوظف كل طاقته أثناء الهجوم.

2002

في هذا العام تم اكتشاف مركز من المراكز الرئيسية لصهر النحاس وتصنيع الأدوات والأسلحة، يعود للعصر الحديدي، في موقع بدبي يسمى الآن بـ«ساروق الحديد».

20

ينام الأسد مدة عشرين ساعة يومياً، وكأنه حيوان كسول، لكنه في الحقيقة يوفر الراحة المطلقة لعضلات جسده، لأنها عضلات تعمل بأقصى حد أثناء الصيد.

قصة دانيال ووكر الأسُود

وفقاً للرواية التوراتية، فإن النبي دانيال، قد وقع في الأسر في بابل، وهو كان متميزاً بالتقوى والإيمان والصلاح والحكمة، ومشهوراً بقوة صلاته وفاعليتها، وكان شاباً حينها بعد أن خدم في البلاط الملكي، لكنه فسر حلماً لنبوخذ نصر، لم يستطع أحد تفسيره في كل بابل من مستشاريه وغيرهم، ليمنحه مكافأة بأن نصبه حاكماً على بابل.

لكن الأسر البابلي فيما بعد قد وضعه أمام وكر من الأسود، لتحرسه بدلاً من أن تفترسه، فكان الإعجاز للنبي دانيال مع الأسود كما كان للنبي يونس مع الحوت.. والقصص الأخرى المشابهة لكثير من الأنبياء غيره.

قطة نوبية

«تفنوت» هي في الديانة والمعتقدات الفرعونية، إلهة وليست إلهاً، سماها البعض بالقطة النوبية..وأنها رمز للحقيقة كونها تمثل النار بوضوحها، ولـ«تفنوت» أخ هو «شو» إله الهواء والحياة، وكلاهما: هو وأخته، يأخذان هيئة الأسد واللبوة، وبالتالي يقومان كإخوة بمهام رفع الشمس إلى السماء.

كما أتى بالميثولوجيا المصرية قديماً والخاصة بالآلهة، المكتوبة كنصوص عائدة للمملكة المصرية القديمة قبل 2700 عام، فهذه الرموز أتت بعد دراسات فلكية دقيقة، لذا بقي برج الأسد السماوي حسب علم الفلك إلى اليوم في رمزه الشمس، وكما هو.

بسالة العرب في جلب حليب الأسد

مرجح أنه كانت تعيش الأسود في جزيرة العرب وفي صحاريها وبراريها الممتدة، والتي تبدو بمساحة قارة، كما تعيش في الغابات، ولا يمكن للأقوال التي ذكرت بأن هذا الحيوان لا وجود له في جزيرة العرب، أن تكون صحيحة.

فإن عدنا إلى تاريخ العرب القديم، نجد كيف يحتل الأسد في منحوتاتهم المكانة الكبرى، وكيف كانت زاخرة جدرانهم بهذه الرسومات، خاصة أن بعض الفرسان العرب الأشداء ولتأكيد فروسيتهم، كانوا يغامرون بجلبهم حليب الأسد من تلك الأمكنة الخاصة في وديان وصحارى جزيرة العرب، إذ يجاهد ويعارك واحدهم ليثبت فروسيته التي كانت المطلب الأساسي لرجال العرب.

تعليقات

تعليقات