رواد

أحمد الأنصاري: لوحاتي مسكونة بجماليات المكان وحكاياته

رسومات الاستاذ احمد الانصاري، يناير 18، 2018، تصوير محمد الزرعوني

تحرص «البيان» على المشاركة الفاعلة في المحافل والمناسبات الوطنية، وتسهم في توثيق الإنجازات المحلية التي من شأنها تعزيز مكانة الدولة في كافة المجالات.

ومن هذا المنطلق تشارك في رعاية المعرض السنوي الذي تقيمه جمعية الإمارات للفنون التشكيلية في دورته الخامسة والثلاثين في 24 الجاري، إذ يمثل المعرض نافذة على المنتج الفني الإماراتي والمحلي، الذي وثق من خلال مسيرته لتاريخ الحركة التشكيلية في الإمارات.

وتضيء «البيان» من خلال نشر مجموعة من المقابلات مع رواد الحركة التشكيلية في الدولة، على تجارب هؤلاء بموازاة التعريف بالبدايات والتحديات في هذا الحقل، وذلك في محاولة لإظهار التطور الذي شهدته الحركة التشكيلية منذ تأسيس الدولة وحتى الآن، وسنخصص هذه الصفحة لنشر عشرة حوارات متتالية، سيتم جمعها لاحقاً في كتاب خاص، بالتعاون مع الجمعية.

يرسم لنا الواقع والبيئة المحلية لينقل لنا زمن الجدات والتقاليد ويعبر عنها بعفوية وبساطة، وقد يجلس أحياناً في المرسم ولكن لا يرسم لأن الفن لديه، كما يقول، حالة إبداعية يتحكم فيها مزاج الفنان. هكذا هو الفنان أحمد الأنصاري، صاحب الشخصية الديناميكية المحلقة في عوالم الإبداع والقوية التي اكتسبها من خلال عمله في المجال العسكري.

وبالرغم من عمله الشاق إلا أن ذلك لم يمنعه من توفير وقت لتجسيد مهاراته وحسه الفني والإبداعي، فقد خصص غرفة في مكان عمله ليكون مرسماً يضع لمساته وألوانه وتصوراته على اللوحات وعلى أوراق المطبعة العسكرية التي كان يديرها في الوقت نفسه، ومع بقائه لأوقات متأخره في العمل، حرص على ممارسة الفن ليبقى على تواصل مع لوحاته وألوانه ويشرف على العمل بصورة متكامله، وكما هو مطلوب منه.

مجموعة ألوان

ونبدأ الحديث مع الفنان، أحمد الأنصاري، أحد رواد الفن التشكيلي في الإمارات حيث رحّب بـ «البيان» خلال جلسة ضمن بيته الثاني الذي كان له دور كبير في تأسيسه: جمعية الإمارات للفنون التشكيلية. ويقول عن بداياته: عرضت أعمالي للمرة الأولى في حقبة السبعينيات من القرن الماضي في فعاليات افتتاح إذاعة الشارقة .

والتي كان موقعها آنذاك بمنطقة القاسمية. ومن ثم اجتزت في دراستي الثانوية الصف الحادي عشر وتم قبولي في كلية زايد العسكرية.. ولكن انطلاقتي الحقيقية كانت من خلال المدرسة والحصص الفنية. وقد لقيت التشجيع من الوالدة رحمها الله، ومن أخوالي. ولا بد من الإشارة هنا إلى أن لوحاتي تعكس عشقي لمفردات المكان "دولة الإمارات" وقصصه وجمالياته.

صديق الطفولة

ويقول أحمد الأنصاري عن أهم الحكايات في حياته، والتي كانت سبباً في تأسيس جمعية الإمارات للفنون التشكيلية: كنت أتمنى، مع صديق الطفولة الفنان د.محمد يوسف، أن يصبح لدينا في الشارقة نادٍ يجمع تحت مظلته الفنانين ويمد يد العون لهم في ما يتعلق بمستلزمات الرسم والإرشاد وإقامة المعارض المنتظمة لهم.

حيث كانت تصلنا مجلات أسبوعية، من دول خليجية وعربية. وكنا نسمع أن هناك جمعيات متخصصة في الفن، وسعينا بأن نكون مثلهم، والحمد لله في سنة 1980 وبجهود الفنانين.

وتحديداً الفنان د.محمد يوسف، أسسنا جمعية الإمارات للفنون التشكيلية، وكنت من ضمن مجموعة فنانين تم دعمنا من الجهات الإعلامية وإرسالنا للمشاركة في الكويت بمعرض الشباب العربي والمغرب آنذاك، وكان يصل عددنا تقريباً إلى 5 أشخاص.

«المعرض الحدث»

ويستطرد الأنصاري في حديثه عن القصص الكثيرة التي يحملها لنا في ذاكرته: لم أحكِ هذه القصة من قبل، وهي حصرية لـ «البيان»، إذ، وبعد معرضي الأول في افتتاح إذاعة الشارقة، الذي أشرت إليه، كتبت رسالة إلى الشيخ أحمد بن حامد آل حامد، رحمه الله، وكان وزير الإعلام حينها، وكنت لا أزال طالبا، وبعثتها بالبريد وشرحت له بأني رسام وأريد الدعم من الوزارة، وبعد فترة وأنا ألعب كرة القدم في «الفريج».

جاء إلي شخص ليبلغني بأن مكتب أبوظبي في الشارقة والذي يقع في شارع العروبة آنذاك، يطلبونني للمقابلة، وقد تبين لاحقاً أنه تم السؤال عني من قبل أولاد الفريج حتى استطاعوا الوصول والتعرف إلي، وذهبت للمقابلة وكان الشاعر حمد بوشهاب، رحمة الله عليه، مدير المكتب الإعلامي لأبوظبي في فرع الشارقة.

وقد شاهدت الرسالة وفيها توجيهات للمعنيين في المكتب بالذهاب إلى منزلي ومساعدتي فيما أحتاج، مع مشاهدة أعمالي وإذا ما كانت الأعمال تستحق وذات أهمية وتخولني لأن أحصل على الدعم فأقوم بمراجعتهم في أبوظبي.

وقد ذهبت لمكتب الراحل حمد بوشهاب، كما اتفقنا في اليوم المحدد، وركبت معه في السيارة ولم أكن أقود السيارة بعد، وأخذتهم إلى منزلي، أعجبوا بلوحاتي وبعدها بأيام، جمعت لوحاتي وذهبت إلى أبوظبي، وقابلني هناك الأستاذ عبدالله النويس وكيل وزارة الإعلام حينذاك. ثم أخذوا لوحاتي إلى المسرح الوطني لوضعها هناك، وأرسلني النويس إلى هناك مع رسام بحريني اسمه أحمد الجوري..

وكان يوجد شخص يعمل على ديكور المسرح، فرفض وغضب ولم يقبل بأن توضع لوحاتي بجانب المسرح، وبعد ذلك تم وضعها بأمر من عبدالله النويس، ولكن للأسف لم أحضر الافتتاح لعدم وجود سيارة توصلني من الشارقة لمكان الحدث، وكنت في تلك الفترة قد أنهيت دراستي وبانتظار القبول من كلية زايد العسكرية.

ويتابع الأنصاري: بعد هذا المعرض، وفي عام 1979، طلب مني أن أنظم معرضاً آخر في فندق الهيلتون بأبوظبي، ونفذت 30 لوحة تقريباً وقد كنت وقتها أنهيت دراستي في الكلية العسكرية وأصبحت ضابطاً، وكان يعتبر المعرض الرسمي الأول لفنان إماراتي، وقد كتبت مجله الصياد عنه بأنه «المعرض الحدث»، وكان عمري حينها، 24 سنة تقريباً.

«الشحات» لوحة مهّدت لتأسيس «جمعية الفنانين»

لم يتخيل أحمد الأنصاري أن تكون لوحة «الشحات» التي رسمها سنة 1978، سببا يسهم بتأسيس جمعية الإمارات للفنون التشكيلية، ويتحدث عن ذلك: رسمتُ، مرة، لوحة مكنونها البصري يلامس القلب قبل العين.. وكنت أظنها ستمر مرور الكرام، لكن المفاجأة أن صدقها الفني العميق كان سبباً في انطلاقة جمعية الإمارات للفنون التشكيلية.وهي لوحة لرجل فقير وضرير يطلب المساعدة.

ويضيف الأنصاري: في أحد الأيام استأذن الفنان د. محمد يوسف بأخذ اللوحة لينظم جولة بها على المؤسسات الحكومية، لتساعدنا على تأسيس جمعية للفنون التشكيلية، وتفاعلت جهات بمنحنا الأثاث والمساعدات المادية، وذلك إلى أن سمع صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة، عن الموضوع، فبادر سموه إلى منحنا كل الدعم وتم استئجار منزل لتأسيس مقر الجمعية.

تجارب ومحطات ممهورة بالإبداع والعطاء

يتطرق أحمد الأنصاري إلى مرحلة مهمة من مراحل حياته فيقول: حين وصلت إلى رتبة رائد في صفوف القوات المسلحة اختاروني أن أكون مديراً للمطبعة العسكرية، وكانت أكبر مطبعة عسكرية في الدولة آنذاك وقمت بإدارتها بدعم وتوجيه من القيادة العامة للقوات المسلحة، وتعلمت الكثير من المتخصصين بالمطبعة، وأدرتها طوال 14 سنة، ثم طبعنا مجلة «درع الوطن».

ومجلات أخرى مختلفة متخصصة في المجال العسكري كانت تصدر شهرياً. إضافة إلى المجلات الدورية والمطبوعات العسكرية، وذلك بعد أن كانت تطبع في مطابع خارجية، وكانت المجلات بالتعاون مع فريق التوجيه المعنوي، وكان الهدف من إنشائها المحافظة على جودة المطبوع والمحافظة على سرية الكلمة وسرعة الإنجاز، وبعد هذه المرحلة من الانجازات تقاعدت.

ينتقل أحمد الأنصاري ليحكي عن ملامح إبداع وعطاء أخرى في مشواره: أنجزت لوحة عن قلعة الجاهلي في العين، مزودة بخلفية دوائر مطعمة باللون الأخضر، تبدو وكأنها تدور حول القلعة.

وهي ترمز إلى دورة الحياة، كما رسمت بيت النابودة من خلال تصور خاص يعكس الأحاديث التي سمعتها من الناس والأهل عن المنطقة وعرضت لوحتي تلك في بينالي الشارقة عام 1990.

وحصلت إحدى لوحاتي على جائزة العويس الأولى، واللوحة هي عبارة عن امرأة تحمل جرة على رأسها وأخرى في يدها وتمشي على صخور والظل العاكس يعطي انطباعاً بارتفاع الحرارة، وهي تعبر عن التعب والمعاناة في الحياة سابقاً. وقد أطلق عليها المحرر الصحفي ماجد الحاي اسم «يدتي موزانة».

ومن المؤسسات التي تحتفظ بلوحاتي شركة أدكو التي تحتفظ بـلوحتي «قلعة الجاهلي»، وهناك نادي الضباط، وأكثر الفترات التي كنت منتجاً فيها للوحات هي خلال فترة إدارتي المطبعة العسكرية، ذلك نظراً لمكوثي هناك فترة طويلة وبعيداً عن أهلي وأصدقائي، حيث لم أكن أعود إلى الشارقة من أبوظبي إلا في نهاية الأسبوع.

طائر النورس و«ثيمة» الألم والإبداع

تملّك الفنان أحمد الأنصاري هاجس فني يتصل بطائر النورس كحالة إبداعية يمر بها كل الفنانين، ويقول حول ذلك: يعتبر رسم طائر النورس حالة فريدة من نوعها امتزجت لدي خلال الرسم عبر «ثيمة» الألم والإبداع معاً لأنتج إثراءً بصرياً مموسقاً على مستوى اللون والإيقاع في اللوحة، وذلك بشهادة النقاد. إن اللوحة عبارة عن ورقة بلون زرقة السماء رسمت عليها طائراً أبيض.

ويتابع الأنصاري في تعليقه على اللوحة: هذا الطائر يفيض بالمعاني العميقة التي أسرتني روحانياً لأنه يطير عبر الأراضي الروسية، ويأتي إلى الإمارات. و

ما دفعني لرسمه هو رغبتي في نقل دهشتي بهذا الطائر، الذي يعبر عن عالم خفي لا نعرفه، إلى عوالم إنجاز وعمل فني ينقل تعابير ذات دلالات بليغة، وقد نصحني النقاد بالاستمرار في هذه النوعية من الرسم، ولكنني لم أكمل لأن هذا النوع من اللوحات يتطلب مني الكثير من الدقة والمهارة.

 

 

 

 

تعليقات

تعليقات