«فتاة الحليب» خدمت التاريخ والمجتمع - البيان

أغنى لوحة في عالم الفن برموزها ودلالاتها الإنسانية

«فتاة الحليب» خدمت التاريخ والمجتمع

أنجز الرسام الهولندي يوهانس فيرمير لوحات عديدة تعنى بالتفاصيل اليومية، والشاهد أنها كلها أثارت إعجاب النقاد منذ وفاته في القرن السابع عشر وإلى يومنا هذا، وعلى رأسها لوحة «فتاة الحليب»، والتي يسميها البعض :«خادمة الحليب»، والتي هي مجرد امرأة تصب الحليب، لكنها حملت من الفضائل الكثير، لتأخذ اللوحة تفاسير مختلفة عن فكرتها ومغزى رسمها مروراً بدلالات حركاتها، ووصولاً إلى استعمالها في قصص محكية، حتى تحولت إلى رواية تتراقص فيها نصوص مبطنة بأفكار فلسفية ودينية وتفسيرات إنسانية، وجرى تداولها بين القراء ومتذوقي الفن، منذ ذلك الوقت وإلى يومنا هذا.

الدفق

لم يعش الرسام الهولندي يوهانس فيرمير طويلاً، وبالتالي إنتاجاته لم تكن غزيرة لكنها كثيرة مقابل سنوات عمره القليلة التي عاشها، ومع ذلك لم تخل لوحاته من قراءات مستغرقة في تفاصيل صمتها المضمر، لتهتز الذاكرة ويتحرك التاريخ المجمد من بين تلك الألوان، ونرى في «فتاة الحليب»، تلك الفتاة المستغرقة في صبها للحليب بأناة وتؤدة، للوقاية من سكب هذا الحليب خارج الإناء كي تضمن سلامة عملها، ليبدو هذا البياض الدقيق المنسكب ثميناً أثناء الصب وهي محيطة بعملها بانتباه ويقظة.

فقد أثنت أكمامها الغليظة إلى الأعلى، لتتحرر أثناء حملها لإبريق الحليب، وها نحن نتصور خشيتها في وجهها وهي في سباتها العميق من الحيطة، خاصة بعد وضع شالها الأزرق على الطاولة، وكأنه شال يحمي الطاولة من الاهتزاز، ويثبت سطح المكان المشبع بالرضا، ليرتد الشال إلى حبكة زرقاء تنبه رؤية الفتاة بالتمهل والروية والرفق في هذا الدفق الأبيض، وهو يسيل بين يديها أمام الخبز وسلة النعيم.

بوسعنا أن نسأل الآن: هل الفتاة في سكونها تحاكي نفسها؟ أم تباري إحساسها المنزلق في ومع إيقاع سكب الحليب؟ لتسح الأسئلة مع هذا المنظر وتلك الدلالة كلما نظرنا إلى اللوحة، وكأنها تذرف شيئاً والمرأة فيها تفرغ الإبريق عما به.

المراجع الثابتة

بعض الروائع مبهمة، فالخبز والحليب هما ألذ إفطار تشترك من خلالهما الإنسانية وعلى مستوى أغلب سكان الأرض، وكأنها علاقة أخلاقية موحدة، فهل قصد بها فيرمير بأنهما جوهر كل منزل؟ أم أنه روتين السائل المنهمر لنعيش منذ ذرف الحليب الأول للأم؟ هل يجري فينا أم ماذا؟

لتلك المغازي برأيي دلالات عدة لمراجعنا الثابتة كوننا بشراً، والتي لا يجب الاختلاف عليها، فالفتاة في اللوحة تلك تواجهنا ومنذ قرون كثيرة كما هي، لتتشابك حولها الحكايات بالأسئلة في هذا المطبخ البسيط، وتظهر شعبيتها أمامنا كما يبدو من وجهها، وكأنها تتلو علينا حكاية عن العزلة المقدسة لوظيفتها التي لا بديل لها كل صباح مع خروج النور، لتنادي على الشبع فالعمل.

هذه الفتاة الشابة التي ترتدي الكتان على ما يبدو، أنه ثقيل وسميك من أجل حماية بنيتها القوية من البرد، قد وضعها الرسام في منتصف اللوحة، وكأنه تعمد تثبيتها وللأبد وأمامها الوعاء، كي نذهب إليها وبلا دعوة إلى مذهب الزهد والاعتدال أمام جريان هذا النقاء من النبع الأبيض للانسحاب من نعيم الحياة، والتفكر في ما نملك أمام عملنا الشاق.

الاكتفاء والطمع

إن إشارات التكوين في تعبيرات المرأة في اللوحة عالية، خاصة في حدة ملامحها لكونها حريصة ومتمسكة بعملها الصباحي الشديد الأهمية لها، لتفتح شهية الأسرة، وكأن فيرمير يرسم ليروج للبساطة والنقاء وللحظات الصفاء من خلال مظهرها المتقشف أمام حرص الإنسان الشديد على شرهه، أو كأنها حكاية لقاء بين الحرص على الطمع في أباريق واسعة الفم والحرص على الاكتفاء، من خلال الخيط الدقيق للحليب المنسكب.

في هذا المكان الذي يوحي بأنه شبه مطبخ، في تلك الغرفة الجانبية ربما التي يتم التحضير فيها... هنا يعتني فيرمير برمزية المكان كونه شبهاً أو احتياطاً لا أصل، تماماً كما الفتاة الخادمة التي لا حضور لها في المجتمع إلا في الظل حيث الخدمة، وكأنه يتعمد رسمها بنصف وجه، ليبدو النصف الآخر في الظل؟ ونستمر في تأملها لإيجاد كثرة المتقابلات في اللوحة بين النور الخارج من النافذة المكسورة والظل.

ويتمدد المعنى العتيق في الألوان من الأبيض إلى الأصفر والأزرق، لتنساق مع الملابس البالية بكتفيها المدورتين وبقياس جمالها البسيط وهي تقف أمام النافذة لترى جيداً ما على سطح الطاولة، وتبقى خلف كل شيء رغم أهميتها كونها شخصاً حقيقياً في تلك الغرفة التي من الممكن أن نستشعر رطوبتها السيئة، مقابل طاولتها وبمفرشها الجميل لنرى النعيم والفقر، ويصبح هذا العمل ناضجاً بتجليات مبطنة.

كل من يزور متحف «ريكز» في العاصمة الهولندية أمستردام، ستقابله لوحات عدة ليوهانس فيرمير، الذي عاش 43 سنة فقط، تاركاً لوحات مهمة لهولندا والعالم، ولم تخرج عبقريته للناس والنقاد إلا بعد وفاته، ليفسر الجميع مدى اهتمامه رغم سخاء أجوائه وألوانه بالطبقات الوسطى والبسيطة جداً وبتفاصيل لا يلتفت إليها أحد.

وبقيت لوحة «خادمة الحليب» الشهيرة، يزورها الناس من كل أنحاء العالم، وهي ما زالت تسكب الحليب منذ رسمها الفنان في عام 1658م، أي منذ 360 عاماً وبتفاصيلها الإنسانية لأبعد مدى، والشاهد أن فيرمير كان بارعاً ومتقناً في تأثيرات الضوء التي تداخلت مع رؤيته الفلسفية الإنسانية، وبدلالاتها المفتوحة على كل الظلال، والغريب أنه كرس الظلال على نصف وجهها، مقابل ضوء متنفذ على كل التفاصيل، لتزدحم بطلة اللوحة بالخصوصية والغموض، وكأن فيرمير أرادَ لها فتح حكايات ودراسات وأبحاث لا تنتهي، وأصرَّ على ألا تهدأ يوماً، أو كأنه لم يشأ أن تعلق في زاوية ما كبقية اللوحات من «بورتريهات» ووجوه شخصية تزداد يوماً بعد يوم.

فيرمير

رمز وتفريط بين الاهتمام والإهمال

ربما أن الصندوق خلف المرأة في اللوحة، وبعد التخمين حول ماهيته، إما مصيدة للفئران، وإما مدفأة القدم المهملة. إن تلك الإشارات والتشكيلات في اللوحة تجسيد لقيمة الخادمة التي ما زالت تعمل كونها أهم نموذج في كل المجتمعات..متحدية أي تهميش وانتقاص من مكانتها. والمثير في الأمر هنا، أن الرسام فيرمير رسم الأجساد البطولية الإغريقية أو اليونانية المعروفة على مربعات السيراميك أسفل الجدار، وكأن التبادل واضح وقريب لا بعيد، بين الاهتمام والإهمال، كونه علاقة رمزية مستمرة من عصر إلى عصر.

إضاءة مدروسة من نافذة مكسورة

نافذة تضيء الطاولة ونصف وجهها، تعبير عن هذا الرمز البصري المكسور في قطعة منه، لنتأكد من إهمال المكان وما فيه ليمضي الرسام للإيقاع بنا وبضيائنا المزيف والمهمل في تصدعه وهو يدخل بنية الغموض ليسقط على بعض الأشياء، من النحاس المعلق اللامع والثمين لمنحه المزيد من البروز، إذاً نحن حيال توقفنا كوننا بشراً ومنذ العصور البدائية على الاهتمام ببعض التفاصيل ثم إنكارها رغم رؤيتها، لنراها ولا نراها وكأنه قرار أبدي.

الجدار.. بين الوجود والوجع

مع حزن الفتاة الشفيف، التي يفسرها البعض على أنها السيدة مريم العذراء، يرى هؤلاء أنه ما الحليب سوى رمز لانسكاب دم المسيح، وبقيت المسامير المهملة على الجدار الخلفي رمزاً للصليب كما رأى كثيرون، فهناك بعض الحفر الأخرى لمسامير تم قلعها، تبدو صغيرة في بعضها وكبيرة في بعضها الآخر، وكلها في أعلى الجدار وبين الفضاء فوق رأسها، فهل يبقى الجدار المتألم مستيقظاً في تلك الحفر كونها علامات لفكرة بقيت في سباتها العميق لفكرة الخادمة ووجودها الموجع والمنتشر حد الغياب.

1800

افتتح في هذا العام متحف «ريكز»، الأجمل والأقدم بأمستردام، وبطلب من شقيق نابليون بونابرت لوضع الأعمال النادرة فيه للفنانين الهولنديين، من أمثال: فيرمير ورامبرانت.

1675

توفي فيرمير في هذا العام. ولم يكن معروفاً في حياته، وترك لوحات كثيرة تفخر هولندا بها..ومنها مايحمل تفاصيل محزنة، كلوحة «الفتاة ذات القرط اللؤلؤي».

37

مجمل أعمال الفنان فيرمير لا يتعدى هذا الرقم، بفعل حياته القصيرة، لكنها أعمال كبيرة الأهمية تناولتها دراسات وأبحاث نوعية تمس المجتمع الهولندي.

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات