العد التنازلي لإكسبو 2020 دبي

    أمس واليوم

    الفلسفة الطبيعية التي تأخرت قروناً طويلة هل أعادها الإنسان باسم الفيزياء؟

    ■ نيوتن الذي انتصر لعلم الفيزياء

    حين حضر علم الفيزياء، هذا المصطلح الناشئ الذي تفاعلنا معه لِما فيه من مبادئ نافعة لنا من حساب وفلسفة طبيعية، لهذا الكون المادي، نتساءل، هل أعاد هذا العلم لنا ما يسمى بالفلسفة الطبيعية والسيادة الكونية من جديد؟ وحين طاف الملاح ابن ماجد كل البحار، كملاح يعرف خبايا البحر، يجب أن نعلم أنه قبل كل ذلك كان عليماً بفنون وحسابات الملاحة وقياسات الأنجم والكواكب.

    والمسالك الجوية في الفضاء قبل اليابسة والبحر. فهل كان ابن ماجد في هذا الأمر ضليعاً بالفلسفة الطبيعية بمفاهيمها القديمة التي كانت معروفة قبل آلاف السنين، وقبل أن تضعف كثيراً أمام ما مر به البشر من ظروف تاريخية عديدة منعت الاستمرار في البحث والكشف عنها حتى أتى نيوتن؟

    قبل أن يتطور العلم الحديث وقبل أن يخرج الفيزياء كمصطلح وكعلم، كان العالم القديم مهتماً بعلم الكون، وما نعنيه بالفيزياء هنا هو في جانب الفلك تحديداً، ومعرفة طبيعة الكون وطاقة الحركة هناك، ليكتشف هذا العلم الكثير من الظواهر الطبيعية في الأعلى، مما نتج عنها اختراعات عدة كالرادار واللاسلكي والتلسكوب والراديو والتلفاز والأفران..

    إلى قائمة طويلة ومبهرة لنا، فلماذا إذاً توقف الإنسان القديم عن تطوير هذا العلم قبل الميلاد وبعده، رغم تقدم أبناء الحضارات الأولى في الرصد الفلكي منذ الإغريق الذين اهتموا بالطبيعيات وظواهرها والقوى المؤثرة في سير الطبيعة من خلال المعرفي، ابنهم أرسطو الذي أثار الانتباه لكل ذلك.

    التوقف عن الرصد

    أما عن توقف الإنسان عن الرصد، فهل كان بسبب عدم الاستقرار السياسي والاضطرابات الكثيرة التي مرت على البلدان، خاصة أن هذا العلم بحاجة إلى تفرغ واستقرار وأمان ودعم مادي كامل، كما كان الفلك وبشكله العملي والعلمي في الشرق لدى المصريين القدماء، بعد أن تبين ذلك من قبر المهندس «سِنِنمُوت» وهو من الأسرة الثامنة عشرة في مصر، الذي ترك بعض الآثار الدالة على مواقع الكواكب.

    وإن عدنا للحضارة السومرية ووادي السند فلا أحد ينكر أنهم توصلوا عن طريق مراقبتهم الشمس والقمر والنجوم والكواكب إلى التنبؤ وتفسير الظواهر حولهم، رغم أن تلك التفاسير كانت بعيدة عن الأدلة العلمية، كما هو علم الفيزياء اليوم، لكنهم وبجهود ذلك الزمن وضعوا أسساً وقطعوا شوطاً طويلاً وجيداً.

    نحن لا ننكر جهود الغرب في الرصد، لكننا اكتشفنا فيما بعد أن معظم ما توصلوا إليه من ظواهر سماوية كانت موجودة في بابل.

    ومع ذلك لا جدال حول ما قام به الشاعر اليوناني هوميروس، بذكره في قصائده عن مختلف الأجرام السماوية في الملحمتين الشهيرتين الإلياذة والأوديسة، والتي تستخدم حتى اليوم، لنتوصل أن الإغريق هم الأصل العلمي للفلسفة الطبيعية أو الفيزياء، لأنهم أول المفسرين للطبيعة وظواهرها بوضعهم تفسير كل ذلك، فكل شيء يجب أن يكون له سبب.

    علماء الفيزياء

    إن أتينا إلى العصور الإسلامية والمشرقة منها تحديداً، والموافق ذلك الزمن العصور الوسطى في أوروبا، فكان علماء الفيزياء مثل الكندي وابن الهيثم وابن سينا، قد كتبوا علوماً بارزة في علم البصريات، ليؤكدوا الفكرة اليونانية القديمة، من خلال رؤية العين وكيف يدخل الضوء إليها، وقد عرفوا ذلك لكن السؤال هنا: لمَ انتظر العالم حتى القرن السابع عشر الميلادي ليجدوا التفسير والشرح.

    وتلك القرون التي تعدت الخمسة أو الستة منها، ألم تكن كفيلة بانتقالنا المبكر إلى التطور الحديث للتصوير الفوتوغرافي من خلال علم الفيزياء الطبيعية الذي جعلنا نتقدم ونتنبأ للأرض والكون وما يعترينا خلاله من مناخات مختلفة كالأمطار والزلازل والرياح وغير ذلك من الظواهر الطبيعية.

    وهكذا فإن الإدراك البصري الذي حلله علماء مسلمون قد فتح باباً واسعاً أمام العلماء شرقاً وغرباً، فخرج المفسرون من ليوناردو دافنشي ورينيه ديكارت ونيوتن، ليصبح تأثير علم ابن الهيثم مستمراً، ولكنه انتظر 700 عام، كي يترجم وتصبح لدينا النظارات المكبرة والكاميرات والأفران والمايكرويف...

    فحين تحدث نيوتن قبل قرنين من الآن عن علم الطبيعة وقوانين حركتها وجاذبيتها الفيزيائية الشاملة، فكان له الفضل في أن يصبح هذا العلم، أي الفيزياء علماً مستقلاً ومنفصلاً، حتى ظهر آينشتاين في القرن ال20، والذي بنظريته النسبية قام بثورة فيزيائية في هذا القرن لتبدأ الاكتشافات التي غيرت عالمنا.

    ماذا لو؟

    وهنا نعود من جديد إلى اليونان القديمة، ونظرياتهم حول الفيزياء التي كانت تُعرف حينها بالفلسفة الطبيعية ومنذ محاولات طاليس الأولى لتوصيف المادة، إلى علم الفلك البطلمي البلوري في مصر، مروراً بعلماء الرياضيات والكيمياء والطبيعة المسلمين، وتوقف كل ذلك أو تأخر نضج هذا العلم حتى أواخر القرن الثامن عشر. فلنتخيل معاً، ماذا إن لم يتوقف؟ فليس بعيداً أننا كنا قد اكتشفنا أسرار الأكوان البعيدة كلها دون مبالغة.

    1726

    في هذا العام كتب نيوتن مذكراته، مبيناً أنه مشغول لسقوط التفاحة بشكل مستقيم، ليفكر منذ ذلك الحين بقوة الجاذبية، فصنع قصة أسطورته الفيزيائية.

    3

    في العام الثالث قبل الميلاد، اختلفت نظرية أرسطو عن العناصر الأربعة التي يُعتقدَ أنها أصل كل شيء، لكنه بقي الشخص الأول الذي أرسى مبادئ الفيزياء العامة.

    2017

    اشترك 3 فيزيائيين بجائزة نوبل هذا العام، ودارت بحوثهم حول موجات الجاذبية، إذ أكدوا فيها نظريات آينشتاين حول النسبية قبل 100 عام.

    «سننموت» وشهور السنة

    من أشهر مهندسي مصر القديمة هو العبقري صاحب الهوايات والإبداعات المختلفة «سننموت» الحاصل على ألقاب لا حصر لها من الملكة حتشبسوت، والذي بدوره خدم في عهدها وعهد والدها وزوجها ثم ابنها.

    والمهندس سننموت هو باني معبد حتشبسوت في أسوان والمعروف الآن بالدير البحري. له الفضل بتصويره النقوش العديدة والمشهورة في المعبد، لكن في سقفه قبره الملكي الذي كان من أهم تصميماته الجزء الفلكي منه، يكشف لنا مدى اهتمامه بالرصد وعلم الفلك، لذا قسم السقف إلى جزأين، ورسم السماء في جزئه الشمالي .

    وكذلك في جزئه الجنوبي وهي الخريطة الفلكية الأولى في تاريخ مصر، حيث سجل عليها الأبراج والنجوم، في سماء بقبتين، إحداها تحمل النجم الشعرى وكوكب المشتري وزحل وعطارد والزُهرة مع الآلهات السماوية وكأنها تسبح في الفضاء بداخل قواربها. أما القبة الأخرى فرسم مجموعة الدب الأكبر مع دوائر مقسمة إلى 12 دائرة وهي شهور السنة.

    بالإضافة إلى عدد ساعات اليوم، لتصبح الخريطة مفاجأة كبرى، وبكل دقتها حيث وجدت نصوص تذكر الأعياد السنوية وحسب الشهور القمرية أيضاً لا الشمسية فقط.

    ورغم أن البعض يشكك أن هذا قبره، لأنه بنى لنفسه قبرين، ولا يُعرف في أي منهما مدفون، ليبقى قبره أسفل الدير البحري هو الأكثر سلامة من الآخر الذي تم نهبه وتخريبه. أما الأهم في موضوعنا اليوم فهو الخريطة السماوية الكاملة في سقف قبره أسفل الدير.

    غاليليو العبقري مات وحيداً

    في القرن الـ 17م، تنبه الإيطالي غاليليو إلى النظريات الراسخة وأخذ يصححها باستمرار، كأستاذ ومعلم، وبشكل عملي لتلامذته في الجامعة، وقام بتدوين نظرياته الجديدة في كتاب، ليأخذ شهرته، مما أزعج زملاءه المدرسين بالجامعة ليشتكوا عليه، ومن ثم أبعد، لكنه استمر وأخذ يدرس السماء والأرض التي أكد أخيراً أنها تدور حول الشمس.

    ليناقشه بابا الفاتيكان المعجب به، لكن الشكاوى استمرت عليه حتى اتهم بالهرطقة ووضع بالإقامة الجبرية، وبالتالي مُنع من طرح النظريات، ليموت وحيداً عام 1642م. لكنه بقي نموذج العالم المنبوذ الذي لم تقترب منه أجيال عديدة في ممارسة علم الطبيعة والفيزياء.ولم تعتذر الكنيسة منه إلا عام 1983.

    فيزياء آينشتاين غيرت الزمن

    اختصر الفيزيائي ألبرت آينشتاين الكثير من العمل والجهد للعالم، لمجرد طرحه النظرية المشهورة «النسبية» مؤكداً أن قوانين الفيزياء لا تتغير أبداً، وهي ذاتها في كل مكان، فالفيزياء يجعلنا نتنبأ ونعرف أكثر عن طريق سرعة الضوء الذي هو الأسرع ولا يوجد ما هو أسرع منه، حتى دخل آينشتاين في موضوع التعدد الزمني، لتدخل نظريته في الكثير من البحوث، والتي أودت بنا إلى اختراعات لا حصر لها.

    مضى الآن قرن على نظرية آينشتاين، وهذا ما جعل حياتنا تتغير سريعاً، بعد اختراع الكثير من الأدوات التي ساعدتنا على الإسراع نحو المستقبل والاكتشاف، بعد أن توقفنا طويلاً وقروناً كثيرة.

    ابن الهيثم ونظرية الضوء المستقيم

    تم تدوين نظرية ابن الهيثم المعروفة بـ«مسألة ابن الهيثم» في كتاب «المناظير»، وأطروحته المشهورة في علم البصريات بأن الضوء رسالته الإنارة، وبالتالي درس من خلال الضوء عن الأمراض الكثيرة للعين، مثل الزيغ البصري، ليصنع قُمرة «كاميرا» مظلمة تحتوي على ثقب.

    ومنها ذهب إلى السماء وتفسير ظهور قوس قزح من خلال الضوء، إلى تفسير الكسوف والشفق وضياء القمر، كل ذلك من خلال تلك العدسة المكبرة التي صنعها، ونظريات أخرى كثيرة اعتمد العالم عليها قروناً طويلة، رغم أنه القائل: «إن الباحث عن الحقيقة لا يقرأ الكتب ليتقبلها كما هي، بل عليه استخدام عقله لا وضع ثقته فيما يقرأ كما هو».

     

    طباعة Email