00
إكسبو 2020 دبي اليوم

حضارة وجغرافيا

ت + ت - الحجم الطبيعي

أثار الزلل المعرفي، الذي جادت به سليقة الباحث يوسف زيدان أخيراً، جملة من الأسئلة الملتبسة، والتي لا تزال سوح الثقافة العربية متوحلة فيها، وكان قمينا بها أن تتجاوزها من زمان، لأنها ليست وجبة فكرية عسيرة الهضم.

إن «مفهوم الحضارة» مثلاً لا يمكن أن يبقى مبلبلاً هكذا إلى الأبد، ليسهم أمثال زيدان ، بوعي أو بدونه، في تعميق التباسه عبر التعاطي بلا مسؤولية مع مسلمات أكاديمية منجزة في الحقيقة، لا بل يزيد الرجل الطين بلة، حينما يربك تقصي علاقة الحضارة بالجغرافيا؟

الحضارة باعتبارها، نظاماً اجتماعياً يتعايش فيه النّاس ليشكّلوا معاً طريقة حياة مشتركة، انما هي حضارة الإنسان، وليست حضارة المكان، وذلك لسببين، أولهما لأن معطيات المكان إنما هي أداة أو موارد يوظفها الإنسان لصنع حضارته، رغم أنه كلما كان المكان أكثر عطاء كانت «حضارة الإنسان» أكثر ثراء وتنوعاً، ولكن ذلك لا يكفي لأن ننسب الحضارة إلى الجغرافيا.

وثانياً لأن إنسان الحضارة قد ينتقل من مكان إلى آخر حاملا معه سمات ومنجزات حضارته التي نشأت في مكان آخر، كما حدث بالفعل في انتقال حضارة «الإنسان الأوربي» إلى شتى بقاع العالم بما فيها الولايات المتحدة مركز حضارة العالم اليوم.

ومن هنا فإننا نشفق على زيدان الواقع ضحية هذا الخطل، حينما استخف بجبال من الحقائق وقال «عمر المنطقة دي ما كان فيها حضارة»، فهو بذلك يربط الحضارة بالمنطقة وليس بإنسان المنطقة، الذي هاجر إلى مصر والمغرب والشام ناقلاً حضارته ومضيفاً إليها. وهو الذي أسس قاهرة المعز والقيروان وبغداد الرشيد والأندلس، أم أن فاقد الحضارة يمكن أن يعطيها؟ ثم هل الحضارة بالضرورة حجر؟ ، لتصبح اسهامات زيدان نفسه خارج سياق الفعل الحضاري؟ يا للهول.

طباعة Email