العازف

صورة

وثب عازف البيانو الأسمر على خشبة تشبه المسرح وانتظر قليلاً قبل العزف..

فقبل ثوان من تلك اللحظة كان صديقه الصحفي، يجلس على طاولة صغيرة منزوية في انطفاء مستبد، ينتظر عازف المساء كما يسميه، أو يقال بأنه ينتظر النادلة الصبية التي تهتم بأمره، تحادثه بلطف قبيل طلب الشاي، وبالتأكيد يتجافى عن سماع صوت المغنية البيضاء التي لا يطرب لها، لا تأسره بغنائها كما قال للعازف ذات مساء.

كانت لحظة قليلاً ما يحصي فيها أيام وسنوات حياته ومنذ أن ارتاد هذا «الكوفي شوب» الواقع في بهو فخم بقلب الفندق.

في الآونة الأخيرة تمادى في جلوسه مع عازف البيانو ولم يعد يجالس أصدقاء اعتاد مجالستهم وارتشاف الشاي معهم، واكتفى بالجلوس لوحده حين ينسحب العازف إلى آلته لإمتاع الجالسين الذين يستقي الود منهم.

وفي لحظة مباغتة يبدأ العازف بإزالة القماش الناعم عن وجهها المطلي باللون الأحمر الخشبي، ويبدأ يمسد أصابع النغم البيضاء والسوداء، يظهر مفاتن جلية لها وهو يدندن من دون لحن، كان يستدرج إليها الروح، ويهيئ الجمع للبدء في سماع له شفافية وعذوبة وللآلة جسد يجعل أنوثتها تخفق بترانيم جميلة لا تبارح حلمه.

وكعادته اليومية يبدو العازف منتشياً مبتسماً يعبر بين ممرات «الكوفي شوب» الضيقة، يلاطف أصدقاءه بمتعة متجذرة في عزف المساء الجميل، لينتهي به المطاف عائداً إلى طاولة صديقه الصحفي، يصافحه بابتسامة من القلب، تشبه شفافية الستائر المطلة على البحر فلا يلحظ الصحفي سوى الحروف الداكنة وصلب الدخان الذي ينبض باشتهاء آخر.

يستعيد وقت المساء، لا شيء سوى اللحظات تجدف بالبحر نحو الهدوء، لكن هناك ما يغلب الحوار بينهما وهما أمام تسربل الوقت وارتباكها بين انعتاق رائحة البحر وتهيؤ العازف نحو استكمال معزوفته والمغنية تطل بالنغمات على أسماع الحضور.

يقول الصحفي.. لا هدوء في الكون ولا سكينة فكيف لك العزف يا صديقي؟

كيف تعد أصابعك للضربة الأولى؟

لا تشعر وعلى الضفاف الأخرى من الحياة غربة تلفظ أمواجها بما تبقى من أرواح الصغار؟ كيف لك العزف والحياة تشهد بمعاناة جسيمة تتشرد منها الإنسانية؟

وجم عازف البيانو الأسمر وجوماً تمنى لو تجاوز إلى الطاولة المقابلة، حيث يتحدث مع أصدقائه عن مدينة حين كان بولاية «جوروجيا» لكن دفعة التساؤلات جرته ليتحدث مع صديقه الصحفي بهدوء العازف قائلاً: فعلاً الحياة قد تجردت من رونقها الجميل وما بدأ يتجسد هو الجنون والفوضى فحين كنت بولاية «جورجيا» نقول لا معاناة تشبه معاناة السود وتاريخ نضالهم من أجل الحرية، تلك القسوة التي ولدت ثورة التحرر.

هذه ثورة العزف من أجل العالم الذي تتملكه الحرية فلا تخشى ولا تنسى بأن العالم بات في حالة الغاب ينتمي إلى تعرية الجسد وثورة الجنس وأخفقت الحياة من جانب الحب والإنسانية وأصبح الإنسان محاصراً ومجوفاً من داخله لذا لولا دعوة أبوظبي لظللت أعاني من مهزلة أسمها عاطلاً عن العمل ولظللت أستجدي المارة عند الصباح والمساء من أجل لقمة العيش ولظللت من البؤساء الأشقياء أعاني من النفي المستبد من شارع إلى آخر ومن مدينة إلى أخرى.

ورغم هذا لم يكن بالحسبان أن ينتهي بي العزف إلى هذا الفندق الفخم والمعتاد من ضيوفه من كبار الشخصيات إلا أن بعضهم ترك وطنه بسبب الثورات التي تجتاح الشرق الأوسط فبسبب ثورات الشعوب رحلوا شرقاً أو غرباً أو ها هم يستمعون إلى عازف مثلي من طبقة مهمشة فكم هذه اللحظة مدهشة بالنسبة لي.

فلا بد أن يبدأ فاصل العزف ويؤجل الحديث حيناً فالمغنية بدأت تأخذ مكانها وسط القاعة فهي دون سواه لأن تنطلق حنجرتها صادحة إلى عناء القاعة فما لبثت لحظات البدء طويلاً حتى انطلقا سوياً هو يعزف ما اتفقا عليه وهي تردد أغاني شهيرة، فقد اعتاد المغنون والعازفون من أمثالهم أن يقتاتوا من غناء غيرهم إلا أن معاناتهم لا تقل عن أي مهنه فالمغنية تتأنق قبل الغناء ولا بد لها من طقوس محفزة فهي تتأهب بما يبقي على طبقة صوتها قابلة للغناء.

جلس الصحفي يكتب مادته الصحفية مستمتعاً بعزف صديقه وهو يرتشف الشاي وينتظر اللحظة التي يفرغ منها العازف فلم تعد الاستراحة بعيدة ولعله لم يعرفه حق المعرفة أو لم يبادر لذهنه أنه كان عاطلاً عن العمل في وطنه وهذا ما أبقى التجاذب الفكري في الحوار الصحفي يأخذ متسعاً ما بين متقاعد مثله وعاطل مثل صديقه.

فهو يقاوم التقاعد بالكتابة الصحفية التي متعتها الاستماع إلى أصدقاء من طبقات مختلفة، والأجمل من ذلك أن صديقه يعزف بجمالية متناهية وكل له فلسفة ولا يزال يكتب عن حواره القديم المتجدد معه وعن قضيته في الحياة أن يصبح العالم نباتياً فوجه الشاحب يدل على إصفرار كعادة النباتيين.

ولكن ما تميزه قبعة أفريقية التي تمنحه صفة ربما دينية ربما يواري خلفها فلسفته التي وظفها في حواره الصحفي فكان يدعو البشرية إلى نبذ اللحوم الحمراء والبيضاء وإبقاء الحيوانات آمنة لأنها مخلوقات تستحق العيش ولأنه يود طمس رغبة البشر، يقول هذه حيوانات تتغذى على بقايا وقاذورات لا تناسب طبيعة البشر فقال له الصحفي يا صديقي لكن جسدك بات يميل إلى الإصفرار والخمول والضعف الباين، ولن تجدي معك النباتات شيئاً وأنت تعلم أنك تتقاسم معها ما تتغذى عليه من ديدان وحشرات.

بغرفته في الفندق يستمر الحوار الصحفي كانت غرفة جميلة لو لا أسماله الغريبة وحاجات قديمة.. كقطع من خشب وحجر، ولم يخطر بعقل الصحفي أن العازف ينفرد بفلسفته بين أركان الغرفة الأنيقة وعلى شاشة التلفاز عرض ما احتفظ به من تسجيل على مرأى ومسمع من صديقه الصحفي وحين انتهى العرض لم يشعر الصحفي بأهمية ما عرض.

وتنامى لديه شعور بإقناع صديقه لأنه صحافي ولربما نشر بأن البشر يجرّون الحياة نحو دمار الكون، دمار الإنسانية فعليه إيصال ما يقوله الفلاسفة الذين يؤيدهم في طريقة حياتهم ويقتدي بهم ويقول على لسانهم إن دمار الخليقة على يد صانعي هذه القرارات المدمرة وأن قوة الاقتصاد تحتقر ضعف الإنسان وتدمر الطبيعة وتسحق كل شيء جميل.

أصاب الصحفي الضجر وفتح باب الغرفة خارجاً، دعاه من أجل أن يمد خطواته معاً نحو البحر والعازف يستمر في حديثه وبفلسفته: فمن رائحة عطرهم تخلق معاناة الشعوب وبعضهم يقيمون بالفندق يستمتعون بالعزف بعضهم الآخر بات مشرداً أو يتقمص الذات التائهة، لكنهم جميعاً لا يشعرون بحياة الآخرين، بل يستمتعون بحياتهم ويتلذذون بطرب الغناء الأنيق، يستحضرون أغاني «وتني هيوستن» و«ليون رجي» و«بيلي اوشن» يقتلون الوقت يستشعرون الحياة من جمالية الموسيقى وفي لحظة نشعر بأن العالم تستقيه روح العزف.

بات صديقه الصحفي يستوعب حديثه جيداً ويتحاور معه بهدوء قائلاً له: يا صديقي أنت عازف جميل لو أنك تعمقت في آلة العزف تبدو أجمل من البحث عن فلسفة خاوية من الصواب، ولتنبذ أقوالهم وفلسفتهم واستمتع بعزفك أينما كنت مشرداً أو في فندق جميل، عش كما أنت ولو لوهلة قليلة من حياتك، ستشعر بسعادة الروح فالحياة لا تحتمل البؤس والشقاء بات ينظر إليه وما عصف به من كلام جره إلى الصمت.

لم يعد يشعر بجداول الدمع المنهمرة من عينيه وهو ينظر إلى معشوقته آلة البيانو يود لو يده تطال أصابعها كي يعزف ما تبقى بذاكرته من ألم، قال لصديقه الصحفي اكتب في صحيفتك ما أنا سوى عازف مشرد متشبع بالمواقف فمن العراء جئت وإلى العراء اتجه، ليس من عجينة نفسي هذه الفلسفة، ولا من أحلامي ولا هذا الطعام النباتي الفاخر يعرف رائحته لأنفي.

عاد الصحفي ليجلس في اليوم التالي وفي ذاكرته ابتسامة صفراء ولقاء صحافي رصين ووجوه أمامه جاءت من حياة رغد مثلما قال العازف فعاد الأفريقي الأصل الأميركي الجنسية إلى وطنه بولاية جورجيا وكتب له على هاتفه لا بد أنك نسيت عزف الحياة المحبب إليك، لكن لم ننس يوماً كنت هنا تحث على طبق نباتي ولا تأكل، تحث على فلسفة الحياة بينما لك فلسفتك الخاصة، أما هنا في بهو الفندق ما زالت الوجوه تنتظر العازف الآخر ربما لا يعرف أنك نباتي وإذا ما علم سيعزف منفرداً.

أديب إماراتي أصدر عدة مجموعات قصصية وروايات وحصل على العديد من الجوائز الأدبية

طباعة Email
تعليقات

تعليقات