واسطة عقد الإبداع الإماراتي وعروسه في المحافل عاصمة الثقافة الإسلامية 2014

الشارقة.. درة المدائن ومحج المعرفة

المشرب الذي تعتاده الخيل لا تكدره الدلاء عادةً، تثير النقع وهي تؤم الماء، تماماً كمشارب المعرفة والثقافة والفكر، وجهة هادئة، مترعة بصخب حافل، فيهِ للهمس صدى وللصوت ارتداد أعمق. مدينة الشارقة، درة المدائن، ومحج المعرفة، وواسطة عقد الحراك الثقافي الإماراتي وعروسه في المحافل الدولية، تركت صدى ثقافياً محلياً وعربياً ودولياً واسعاً، لصداه رنين الفن ونفَسُ الثقافة ولرائحته ألق الحبر، شكلته عقود زمنية من التعاطي الفكري وتراكماته، ومخزون ضخم من الخبرة في إدارة الفعاليات الثقافية، توجته باختيارها عاصمة للثقافة الإسلامية 2014.

هوية ثقافية

هذا الاختيار ليس بغريب على الإمارة التي تقصدها ركبان المعرفة من كل حدب وصوب، إمارة كرست هويتها الثقافية الممتدة توجهات ورؤية قيادتها، فصاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة، هو ربان سفينتها الثقافية، يتابع عن كثب منجز المدينة، ويوجه الشراع إلى حيث مرسى المعرفة.

هذه الهوية الثقافية، التي توصف بها، رسختها على مر السنوات كأيقونة حية في الأذهان وفي الواقع، وعلامة ثقافية أسست لنمط حياة عرفت به الإمارة، لم يأت اعتباطاً، فمحركات المدينة الثقافية تدور منذ فترة لرسم هذه الهوية، مستمدة زخمها من وفرة الأنشطة وتنوعها في نسيج معرفي متجانس، يختلط فيه المسرح بمعارض الكتب، والفن التشكيلي بالموسيقى، والنحت والزخرفة والخط بعروض الباليه والفنون الأدائية الراقصة.

درة المدائن

اختيارها عاصمة للثقافة الإسلامية 2014، من قبل المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة "الإيسسكو"، هو شهادة واعتراف من جهة دولية مُحكمة، واعتراف بذلك المنجز، كونها قبلة معرفية تحفل سنوياً بمئات من الأنشطة والفعاليات الثقافية النوعية، فمعرض الشارقة الدولي للكتاب طوى 32 سنة من التعاطي في رحاب الكلمة المقروءة، وما زال شغف الكتاب مستمراً.

كما تعد أيام الشارقة التراثية وجهاً حيوياً من وجوه التراث الإماراتي، وعرساً فولكلورياً، كما تعد أيام الشارقة المسرحية، والتي مر عليها 29 ربيعاً زاخراً، تظاهرة مسرحية ثقافية خرجت أجيالاً من المسرحيين والممثلين والمخرجين المميزين.

ويكمل الصورة في بعدها المشرق مهرجان الفنون الإسلامية الذي تأسس في عام 1998، ويعنى بمنجز الفن الإسلامي في بعديه الحضاري والراهن، مشكلاً كرنفالاً ثقافياً يستعرض التاريخ الحافل للفنون الإسلامية في كافة سياقاتها التراثية والفنية وفسيفساء ذلك الموروث، وغيرها من الأنشطة والفعاليات الدورية والسنوية التي تنظمها الإمارة.

وعدا الأنشطة والفعاليات الخارجية، فقد نظمت دائرة الثقافة والإعلام في الشارقة خلال العام الماضي فقط في الشارقة والمنطقة الشرقية 2454 نشاطاً ثقافياً، تعزز مشروع الشارقة الثقافي الريادي، حيث بلغت المعارض الفردية والجماعية 175 معرضاً، كما بلغت العروض والأنشطة المسرحية المتنوعة 118 نشاطاً، أما الأمسيات الشعرية والتراثية وعروض الفنون الشعبية، والمهرجانات والملتقيات فقد بلغت 350 نشاطاً، إضافة إلى 874 فعالية أسبوعية ودورية مثل منتدى الأحد الثقافي وغيره، كما تبين الإحصاءات زيادة نوعية لعدد الأنشطة والبرامج الثقافية، وخاصة برامج الطفل التي بلغت 483 نشاطاً، كما أصدرت الدائرة 908 إصدارات في مختلف مشارب المعرفة.

واستكمالاً للدور الثقافي الريادي انتهجت الشارقة مجموعة مبادرات وجوائز لدعم العمل الثقافي، مثل جائزة الشارقة للإبداع العربي، وجائزة الشارقة للبحث النقدي التشكيلي، وجائزة الشارقة للأدب المكتبي، وجائزة الشارقة للشعر العربي.

استحقاق

إن تتويج الشارقة عاصمة للثقافة الإسلامية 2014، لم يكن الأول، فقد سبقه اختيارها عاصمة العرب الثقافية في عام 1998، من قبل منظمة (اليونسكو)، في متواليات لنتاج طبيعي لحراك ثقافي، وتوسع فضاءات المدينة الجاذبة للفن، فالمباني العمرانية ذات الصبغة التاريخية، وصروح واجهة المجاز المائية، والمسارح وحراك الأنشطة على الخشبات، ومعارض الفنون والنحت والاهتمام المنقطع النظير بما يتعلق بالموروث الإسلامي في فني الخط والزخرفة، كلها عناصر أهلتها للعب دور ثقافي مهم في نشر الثقافة الإسلامية والإنسانية، انطلاقاً من رؤية صاحب السمو حاكم الشارقة في بناء مجتمع يسوده الأمن والأمان والمحبة والتعاون، يقدم رسالة إنسانية، في إطار القيم المستمدة من ديننا وحضارتنا الخالدة، استطاعت المدينة بجلاء التعبير عنها عبر المؤسسات الثقافية والعلمية المنتشرة في أرجائها.

ثقل ثقافي

وقد تنقل برنامج عواصم الثقافة الإسلامية، في مجموعة من المدن، ضاربة في العراقة والتاريخ، فمنذ إقراره كمشروع من قبل المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة عام 2001، واعتماده في المؤتمر الإسلامي الثالث لوزراء الثقافة في العالم الإسلامي، والذي دعا الدول الأعضاء في منظمة المؤتمر الإسلامي إلى ترشيح مدن، لـ (الايسيسكو) الحق في اختيار 3 مدن منها كعواصم للثقافة الإسلامية سنوياً، وتمثل المناطق العربية وأفريقيا وآسيا.

وجاء اختيار الشارقة بعد مصادقة المؤتمر الإسلامي الرابع لوزراء الثقافة الذي انعقد بالجزائر في ديسمبر 2004، كشهادة عن ذلك المنجز، تبوأت من خلاله دوراً محورياً على الصعيد المحلي والإقليمي والدولي، حفرت أسسه توجهات قيادتها، التي تصل الليل بالنهار، لتنشيط الفعاليات العلمية والثقافية والأدبية والفنية، وتوسيع دائرة المنافع في توجهاتها وامتداداتها، ورفد الساحة بعروض نوعية حية، واستقطاب المفكرين والأدباء والكتاب والفنانين، وإيجاد بيئة مستدامة للتظاهرات والفعاليات الثقافية، ما جعل منها قبلة للباحثين والمهتمين في مجالات العلوم والثقافة والمعرفة.

وإن كان برنامج العواصم الثقافية يحتفي بالمدن الثقافية التي لها تاريخ ثقافي بارز وآثار مادية وفكرية تستحق التنويه والتعريف، فمخزون الشارقة في الصناعة المعرفية، وثقلها الثقافي المحلي والدولي، أهلها باستحقاق، لنيل هذا الاختيار، لمساهمتها المتميزة في الثقافة العربية والإسلامية وفي الثقافة الإنسانية، من خلال الأعمال العلمية والثقافية والأدبية والفنية، المتراكمة عبر السنوات، والمستمرة عبر فضاءات حاضنة مستدامة.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات