تحفة سينمائية بتوقيع سام منديز

لا يزال فيلم «إنقاذ الجندي رايان» للمخرج ستيفن سبلبيرغ الذي عرض في 1998، يقف على رأس قائمة أفلام الحرب، حيث لا يزال يعتبر أجملها وأكثر أناقة وسحراً، ففيه قدم سبلبيرغ آنذاك قصة إنسانية، تجاوز بها آلام الحرب، لتسكن عقول الناس ومكتبة السينما العالمية باعتبار العمل تحفة لا يمكن تجاوزها.

وبعد مرور نحو 20 عاماً، يطل علينا المخرج البريطاني سام منديز، بتحفته «1917»، ليقدم لنا جانباً من الحرب العالمية الأولى من وجهة نظر أخرى، قادرة على إرباك المتفرج، وشده حتى النفس الأخير، بدءاً من المشهد الافتتاحي وحتى النهاية، تاركاً فيه مساحة واسعة للموسيقى التصويرية، لأن تتفوق في العمل وتلعب فيه دور البطولة.

عبقرية

في هذا الفيلم الذي نال، أول من أمس، ترشيحاً في الأوسكار، تجسدت عبقرية منديز، بعد مضيه في تصوير الفيلم بلقطة طويلة، ليبدو ذلك قراراً جريئاً، ساهم في إنجاح الفيلم، الذي صور في مساحات ضيقة، مبتعداً في الوقت نفسه، عن الخوض في مواجهة عسكرية بين الطرفين، ليذهب نحو نقطة أخرى، تتمثل في استعراض النتائج وآثار الحرب، التي يقدمها منديز على شكل جثث وبيوت هدمت، وخنادق محفورة، وخراب، نلتمسه ونحن نتابع رحلة جنديين عاديين لا يتمتعان بأي صفات استثنائية هما «سكوفيلد» و«بليك»، اللذين يمضيان معاً خلف خطوط العدو، لإنجاز مهمة واحدة وهي إيصال رسالة لقائد الكتيبة الثانية لمنع هجوم كان يمكن أن يودي بحياة آلاف الجنود بحال إتمامه، حيث سيقعون بفخ الجيش الألماني.

قصص

لا يناقش منديز في فيلمه أسباب الحرب ولا مجرياتها، ولكنه يستعيض عن ذلك بسرد قصص جانبيه، تكشف عن بعض سمات الجنديين اللذين تشعر لوهلة أنهما فقدا الإحساس بالموت والخطر، وأحلامهما، وهو ما تجسد في مشهد «مقتل الجندي بليك، وحديثه مع رفيقه الذي يمضي ليجابه الموت وحيداً».

في هذا الفيلم، نجح منديز، عبر قصته البسيطة، في خلق دراما إنسانية عالية، وأن يقدم لحظات واقعية مؤثرة في النفس، مانحاً الفرصة للمتفرج لأن يعيش الحرب وكأنها حقيقة، حيث سعى إلى سردها بطريقة جميلة، على وقع إيقاع موسيقى تصويرية ثرية بتفاصيلها، ليبدو الفيلم أشبه برحلة طويلة في الحرب، تتكشف مفاجأتها، كلما أنجز الجندي سكوفيلد تقدماً ما، متجاوزاً «المصائد» التي نصبها الألمان.

يكاد الفيلم أن يكون قاصراً على الحد الأدنى من الحوار، وتلك بلا شك براعة تحسب لمنديز، الذي اعتمد على تعابير الممثلين دين تشارلز تشابمان وجورج مكاي، حيث أبديا براعة عالية في تجسيد الشخصيات، وإبراز مشاعرهما في لحظات متنوعة ..وهو ما مكنهما من التفوق على كولين فيرث وبنديكت كامبرياتش وأندرو سكوت، الذين شاركوا في بطولة الفيلم أيضاً.

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات