«ولادة».. احتفاء بالحياة والشهداء

صورة

ينحاز المخرج الإماراتي عبدالله أحمد حسن في أعماله للسرد الواقعي، وهو من أولئك الذين يجنحون إلى البساطة في أعمالهم وعدم التكلف والمبالغة، فتأتي أعماله براقة، حاملة فكرة خالصة، قادرة على إجبار المتفرج على أن يفتح خياله وأن يسافر بعيداً في التفكير، وهو ما يبدو جلياً في تجربته الروائية الطويلة الأولى «ولادة»، تلك التي يحتفي فيها بالشهادة والميلاد في الوقت نفسه، يقدم خلالها نماذج حية، مستقاة من واقع المجتمع المحلي، وحياتنا اليومية، يحتفي بنقيضين هما الموت والحياة، وتأثير كل واحد منهما على النفس، ففي الوقت الذي يعتز به الناس بالشهداء، يزغردون فرحاً كلما أطل أحد بالحياة.

هذا الاحتفاء ليس غريباً على صاحب «تنباك» (2007) و«بنت النوخذة» (2008) الذي يبدو أنه غادر في فيلمه «ولادة» أراضي الأفلام القصيرة، ليبدأ بتقديم تجارب جميلة، قادرة على دعم مسار السينما الإماراتية، متسلحاً ببصمته وأسلوبه الخاص في الإخراج، وهو الذي حاز عن ذلك جوائز كثيرة.

أخبار

عبدالله وفي «ولادة»، الذي يعرض حالياً في صالات السينما المحلية، ويلعب بطولته العُماني صالح زعل، وخالد البناي وعلي جمال وأشواق ونورة العابد، والولد عبدالرحمن المرقب والبنت عائشة السويدي، يقدم عملاً يستحق الوقوف أمامه طويلاً، حيث يمضي فيه عبر ثلاث كتل مشهدية سردية، لكل واحدة منها خصوصيتها، وأبعادها، وإيقاعها الهادئ، فهناك «أم عبود» التي تقاسي آلام الحمل، ولا تتوقف عن التفكير في مصير «الناقة» الحامل هي الأخرى، تتطلع لأن تضع حملها بسلام، في وقت تضج فيه «حارات» القرية بأخبار الشهداء الذين ينتظر الجميع وصولهم، ليتم تشييعهم نحو مثواهم الأخير.

ورغم بيئتها «القاسية» والمحاذية للجبل، تتمكن «أم عبود» من التكيف والعيش بعيداً عن صخب المدينة، تفضل العيش بهدوء، هي تراقب ولدها «عبود» وبعضاً من «شقاوته»، ليشكل الولد كتلة سردية أخرى، تبين مدى تعلقه بالنجم الرياضي «رونالدو»، وبكرة القدم، فلا يكاد يخلع عن كاهله الصغير تلك «البلوزة» الحاملة رقم (7)، حتى يعاود ارتداءها، يستعد دائماً للمباراة الكبرى، التي يمني نفسه بأن يحصل فيها على الكأس و«مئتي درهم» كجائزة، ولكن مساره يبدأ بالتغير مع اقتراب يوم الشهداء، وخروجه مع جده نحو الجبل، حيث تتفتح عيناه على عوالم جديدة، يدرك من خلال «تعب» جده في كسر الحجارة، واستحسان أفضلها من أجل تحويلها إلى «شواهد» لقبور الشهداء، مدى أهمية ما صنعه أولئك الذين ضحوا بأرواحهم من أجل الوطن.

توتر

في رحلته مع جده، نلمس بعض التوتر «المشوب بالحذر» ولكن ذلك ينتهي بحالة من التصالح بين الطرفين، ونسيان ما مضى، والتفرغ في مراسم الدفن لشهداء الإمارات، في وقت، ينشغل «أبو عبود» في البحث عن مكان مناسب لتضع فيه «الناقة» حملها، ولكنه يتورط مع رجل صامت، لا يستطيع التعبير عن وجعه، ليظل «البكاء» سبيله في ذلك، ورغم ذلك يتمكن في النهاية من حل إشكالية «رفيقه الصامت» وأن يتهيأ هو الآخر للمشاركة في مراسم الدفن، ليقدم لنا المخرج عبدالله في الأثناء، مشهداً جميلاً، يوصف فيه لحظة الفخر بتشييع الشهداء.

تلك المشهديات الثلاث، يذوبها عبدالله حسن أحمد، في لقطة تمهد نحو الختام، يقدم فيه العائلة وقد اجتمعت في سيارتها ترافقهم الناقة، ليبدو لنا أن الجميع قد استطاع التخلص من أعبائه الفردية المقلقة، ليبدأوا جميعاً طريقاً جديداً، يكسرون فيه الحزن، ويستعدون للفرح، مع قرب ميلاد طفل جديد، لتبدو هنا ما تميز به السيناريو الذي كتبه يوسف إبراهيم من جماليات لافتة، تؤكد أن الموت والحياة يدوران في فلك دائري، فهما لعبة الأقدار وهما البداية والنهاية.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات