«وضوء».. فكرة جريئة تفيض بسحر السينما

صورة

بين الحياة والموت بكل ما فيهما من تناقض، يتأرجح المخرج الإماراتي أحمد حسن أحمد، في فيلمه القصير «وضوء»، الذي يعد الأول في مسيرته الإخراجية، بعد أن ظل لسنوات طوال متمترساً خلف كواليس معظم الأفلام الإماراتية، حيث خبأ اسمه وراء مسمى «المدير الفني» لمعظمها، حيث منحها مشهداً بصرياً أخاذاً، معتمداً في ذلك على نظرته الفنية عالية المستوى، تلك النظرة التي غلف بها مشاهد فيلمه «وضوء» الذي تتلمس بين جنباته سحر السينما، وجرأة الفكرة.

حيث نعاين خلال أحداثه فكرة فلسفية صرفة، تدور خطوطها حول شقيقين، يجسدان صوراً واضحة من التناقضات، فـ«باهيت» (الممثل سالم العيان) يعمل طاهياً ويقضي ساعات يومه بين تذوق الطعام صباحاً، وتذوق روائع الموسيقى ليلاً، بمرافقته للعود وأوتاره، بينما تعمل شقيقته «باهية» (سميرة الوهيبي) في مهنة تغسيل الأموات، وإعدادهم وتكفينهم، حيث تعيش لحظات يومها بين العطور والروائح والكافور، والتي تعد من لوازم طبيعة عملها اليومي الذي تعايش خلاله كافة معاني الموت والرحيل عن الدنيا، لتظل الاختلافات بينهما في الآراء ووجهات النظر شاسعة، رغم إقامتهما تحت سقف واحد، حيث يقدم كل واحد منهما نظرته الخاصة للحياة والموت.

ملامح

على امتداد نحو 22 دقيقة، هي طول الفيلم الذي يبدأ رحلته في مهرجانات السينما العالمية، يلعب أحمد حسن أحمد، على وتر التناقضات التي تخلفها معتقدات الموت والحياة، ويقدمها ضمن قالب فلسفي ساحر، معتمداً على سيناريو أحمد سالمين، الذي يبدو أنه مغرق في طرح فكرة الموت والحياة، ليقف على حدود الخط الفاصل بينهما.

بينما نجد أن أحمد في فيلمه قد منح البطولة الكاملة للصورة، من خلال تركيزه في عدة مشاهد، لا سيما الافتتاحية منها، على ملامح الوجوه، ليظهر لنا ما تحمله من حزن وفرح، فعلى قدر فرح «باهيت» يأتي حزن «باهية»، ليستمر في ذلك وصولاً إلى منتصف الفيلم.

حيث ينفض كل واحد منهما ما بداخله من كلمات، تعبر عن توجهاته في الحياة، ففي حين يؤمن «باهيت» بأنه يمنح الحياة للمجتمع من خلال الموسيقى وإعداد أطايب الطعام، تؤمن «باهية» بأن الموت فيه خلاص من ذنوب الحياة.

ولعل مشهد قطرات المياه المنسابة على خشبة «التغسيل» إنما يبرز قوة الأدوات التعبيرية التي امتلكها أحمد في فيلمه، والتي تبرز جلية في المشهد الذي تتولى فيه «باهية» مهمة وضع حاجز قماشي بينها وبين شقيقها، في دلالة على «القطيعة» بينهما، ورغم ذلك، فقد شكل هذا الحاجز طريقة لفتح قلبي «باهية» و«باهيت» على بعضهما بعضاً، حيث يقدم كل واحد منهما رؤيته للحياة.

تعابير

وبقدر اهتمام المخرج بتجسيد فكرة الفيلم بحوارات قليلة وتعابير كثيرة، فقد نجح أيضاً في الاهتمام بشخصياته الرئيسة والثانوية على حد سواء، فكان لكل منها حضوره الخاص في المشهد العام للفيلم.

ورغم عدم توغل المخرج في تاريخ وتفاصيل كل شخصية، إلا أن ذلك لم يمنعه من إبراز طبيعة العلاقة فيما بينها، وإرادة كل واحدة منها، وطبيعة ما تمتلكه من قوة أو ضعف، وهو ما تجسد في الحوار الصامت بين «الجزار» و«باهيت»، حيث بدا أن للثاني حضوراً طاغياً على الأول، وهو ما منح الفيلم طاقة درامية عالية، تفيض بالحيوية، حتى وإن كانت تلك العلاقات عابرة.

 

تعليقات

تعليقات