المدرسة التعبيرية وإسهامات فريتس لانج ومورناو

السبت 16 ربيع الاول 1424 هـ الموافق 17 مايو 2003 في هذه الحلقة من كتاب تاريخ السينما العالمية للمؤلف ديفيد روبنسون نتواصل مع تطور العمل الفني السينمائي وصولاً الى المدرسة التعبيرية، وقد كان ابرز المخرجين الطالعين من المدرسة التعبيرية هم فريدريك فيلهلم مورناو وفريتس لانج، غير ان اكثر الشخصيات تأثيراً في تلك الفترة كان هو الكاتب كارل ماير (1944 - 1894) التزم ماير في بداية اعماله بالتعبيرية لوقت قصير، وبقيت عناصر منها في كافة اعماله فيما بعد (خاصة في طريقة الكتابة). وفي 1921 دشن ماير بفيلمه «السلم الخلفي» الذي اخرجه ليوبولد جيسنر وبول ليني، ظاهرة (فيلم القصص الحياتية ٌٍينٌميَِّْمٍٍفً) الذي سيصبح هو مؤلفه ومنظره الاساسي، وقد صيغت موضوعات هذه النوعية من الافلام في اطار الحياة اليومية والمعاصرة، والتزمت بالوحدات الثلاث. ويعرف كراكاور هذه الافلام باعتبارها افلام «الفطرة» وتتسم غالباً بتناولها للاثار التي لا تقاوم للقدر الاجتماعي. بدلاً من تطرف الاسلوب التعبيري يبرز هنا التمثيل المقتصد الخفيض، الواقعي، وان كانت الافلام تبدو على نحو ما امتداداً للطرق التعبيرية حيث تلعب المناظر والديكورات دوراً درامياً جوهرياً. بعد «السلم الخلفي» (الذي يعتبره كراكاور «مفرط البساطة») كتب ماير ثلاثية وصلت بفيلم القصص الحياتية الى قمته: «شقفات» (1921)، عن مأساة عامل سكة حديد يقتل رئيسه في العمل الذي اغوى ابنته «سيلفستر» (1923)، حيث يساق رجل الى الانتحار بسبب التنافر بين زوجته وامه. والفيلمان من اخراج لوبو بيك، ثم «الضحكة الاخيرة» (1924) الذي يعتبر واحداً من اعظم الافلام في تاريخ السينما الصامتة، وهو عن قصة حمال بأحد الفنادق يفقد وظيفته وزيه ويفقد معهما احترامه لنفسه وكبريائه، وقد اخرجه إف. مورناو. بعد هذا انتقل ماير الى مرحلة جديدة في تطوره، حيث حاول التخلص من جميع عناصر التمثيل لصالح عناصر المنظر وحده، متماهياً بهذا مع مدرسة «الموضوعية الجديدة». وقد اسفر هذا الاتجاه عن فيلم «ُّلفَََُُّّّّْا ْمَى ميَُوٍِ؟َّ ،َيٌْم» (1927) الذي اخرجه والتر روتمان، والذي ابتدأ تياراً من الافلام التسجيلية المبنية على المونتاج سيظل لثلاثين عاماً او اكثر فيما بعد يثمر «سيمفونيات مدائنه».مورناو (1888 ـ 1931) واحد من مبدعي السينما السامقين، ومن العاشقين للمسرح بجنون منذ طفولته. بدأ الكتابة للسينما بعد عودته من الاسر في نهاية الحرب.وفي 1919 اخرج اول افلامه (مفقود)، وفي 1920 تناول للمرة الاولى نصاً لكارل ماير «َيْم»َفُّ ميل لَِّ مهيًٌكِّ ْم» ونصا ليانوفيتش معدا عن دكتور جيكل ومستر هايد. واستمر مورناو، يتراوح بين اعمال خفيفة تجارية محضة واعمال تجريبية لماير، حتى قدم في 1922 تحفته الشخصية الاصلية الاولى «ُِّّفْمنََُّ». والفيلم اعداد غير مباشر (ودون اذن) عن دراكيولا، وفيه تتضح رؤية مورناو العنيدة الخاصة للتعبيرية، حيث يمزج الاضاءة المركبة المدروسة بعناية والمناظر الحادة الخطوط والزوايا مع اماكن التصوير الواقعية. كما كان لمورناو اسهامه الخاص في مجال فيلم القصص الحياتية مع ماير، فعلى النقيض من بساطة لوبو بيك الشديدة في اخراج نصوص ماير، يبدو «الضحكة الاخيرة» لمورناو عملاً يتسم بمهارة تقنية هائلة. هذه المهارة التقنية، والقدرة على الابتكار، تصل الى حدود ابعد في «المنافق» (1925) الذي ابرز العلاقة الوثيقة بين كوميديا موليير والحياة المعاصرة، ثم في «فاوست» 1926)، تحفته الفنية المدهشة واخر فيلم الماني يقدمه.ولد فريتس لانج بفيينا في 1890. بدأ حياته المهنية مهندساً معمارياً، وعقب تسريحه من الجيش لاسباب صحية اثناء الحرب الاولى بدأ في كتابة الافلام لستوديوهات دي ني سي إل آيه، وتخصص في القصص البوليسية، اما اولى محاولاته المهمة في الاخراج فكانت في «العناكب» (1919). ثم ساهم لانج بعمل رئيسي في بداية التعبيرية وهو «القدر» 1921)، الذي انطبع باحساسه الرفيع بالعمارة، وهو من تأليف زوجته ثيافون هاربو، التي سيتعاون معها كثيراً فيما بعد.ثم في «د. مابوسه المقامر» (1922) مزج لانج بين الاساليب التعبيرية واسلوب افلام فانتوماس البوليسية وبين الافتتان الالماني المتزايد بفكرة الانسان الخارج (السوبر مان)، التي تجسدت في صورة المجرم الخارق في هذا الفيلم. كما ساهم لانج اسهاماً متميزاً في مجال اساطير القرن العشرين الالمانية باعادة تقديم اساطير سيجفريد في «َمهٌَِّمقيَ مى» (23-1924)، وهو فيلم من جزءين رائع من الناحية التشكيلية روعة لا تقارن، بمناظر غاباته البديعة ونماذج التنين نافخ النار التي بنيت جميعها داخل الاستوديو برؤية معمارية جميلة.بعد ذلك تعاون لانج وفون هاربو في الفيلم الفانتازي التنبئي «متروبوليس» (1926)، الذي صور مدينة ناطحات السحاب في القرن الحادي والعشرين حيث يعيش جنس من السادة وطبقة من العبيد، يتصالحان في خاتمة غير مقنعة، والمزاعم الفلسفية للفيلم اقل تأثيراً على الجملة من انجازاته الفنية. اما اخر افلامه الصامتة بعد «مترو بوليس» فقد جاءت دون مستوى ما قبلها، وكأن لانج اصابته عدوى الشعور العام بالانهيار الذي حط على السينما الالمانية بعد سنوات الانتصار من 1920 الى 1925. ومع هذا فقد شهد عام 1925 انتاج فيلمين يمثلان ذروتين من ذرا السينما الالمانية في فترة ما بعد الحرب. فيلم «إي. دوبون» «التشكيلة» الذي ادخل الى ميلودراما السيرك المألوفة كل مبادئ فيلم القصص الحياتية والكاميرا الحرة، واستقبل في العالم اجمع باعتباره تحفة سينمائية. وفيلم اخر ربما اكثر جودة هو «الشارع الكئيب»، والذي اعلن ظهور موهبة جديدة مهمة.. المخرج جورج فيلهلم بابست (1885 ـ 1961). جاءت واقعية بابست الاشتراكية مختلفة تماماً عن اسلوب فيلم القصص الحياتية التجريدي المتكلف. ففيلمه «الشارع الكئيب»، ورغم بعض عناصر ميلودرامية فيه، استطاع ان يظهر واقع التضخم الاقتصادي في المانيا بلغة وثائقية صلبة حيث الفقر والدعارة وطوابير الخبز «ما جدوى المعالجة الرومانسية»، يتساءل بابست، «والواقع المعيش رومانسي بما يكفي وفظيع بما يكفي؟!». وهكذا من خلال التزامه بالموضوعية الجديدة نجح بابست نجاحاً عبقرياً في تقديم صورة سينمائية لحالة تحليل نفسي في «اسرار النفس» (1926)، كما استجاب لما يتمتع به اتجاه افلام الشارع من جماهيرية وقدم «صندوق باندورا» (1928)، عن مسرحية «لولو» لويدكيند، مع الممثلة الاميركية الذكية الجميلة والتراجيدية الملامح لويز بروكس. اما فيلمه «غرام جين ناي» (1927) المأخوذ عن رواية لايليا اهرنبرغ فيصور قصة حب بين فتاة فرنسية وضابط سوفييتي على خلفية بانورامية لاوروبا ما بعد الحرب. ساهمت مدرسة الموضوعية الجديدة، الى جانب موضة افلام المونتاج التسجيلية التي ابتدأها روتمان بفيلم «برلين» في 1927، ومع تأثيرات السينما السوفييتية الجديدة، في اجتذاب مخرجين اخرين الى افلام الواقعية الموضوعية. فقد اشترك عدد من المخرجين الذين ستلمع اسماء كثير منهم لاحقاً ـ يوجين شفتان، بيللي وايلدر، فريد زينمان، موريتس سيلر، ادجار اولمان، روبرت سيودماك ـ في تقديم فيلم «بشر يوم الاحد» (1929) الذي صور بتعاطف حياة الشرائح الدنيا للطبقة الوسطى وما فيها من فراغ، ذلك الجانب الذي تجاهلته السينما الالمانية بوجه عام. كما استعار كارل يونجهانس نجمة فيلم بدوفكين «الام»، فيرابارانوفسكايا، وكذلك اساليب السينما السوفييتية في «هكذا تكون الحياة» (1924) حيث يصور تعاسة حياة وموت غسالة برلينية. كذلك قدم بايل يوتزي في فيلمه «ًكصٌه ََّيُّْوفن ََّمَِّّفًْ ْمٍُُِّّّ» (1929)، المعد ببراعة عن نص لهنريك زيل، وصفا للمأساة الرثة لأحياء الفقراء بطريقة لم تعرفها السينما الا مع الواقعية الجديدة الإيطالية بعد سنوات عديدة تلت. كما ظهرت تقنيات اكثر طليعية في فيلم ارنوفرنر «سطو» (1929) الذي صور حكاية ساخرة عن احدى سرقات الشوارع. هذا ولم تكن الافلام الالمانية كلها في العشرينيات منتمية الى مدرسة الرعب التعبيرية او الواقعية الحزينة لاتجاهات فيلم القصص الحياتية او الموضوعية الجديدة. فقد كان هنالك الى جانب هذا انتاج متواصل للأفلام التجارية الكوميدية والبوليسية.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات