قراءة في آخر اعماله السينمائية، محمد توفيق.. نجم من الزمن الجميل اجاد الشخصيات الاستثنائية

الثلاثاء 12 ربيع الاول 1424 هـ الموافق 13 مايو 2003 طغت أحداث الحرب على العراق عالميا ومحليا على كل ماعداها بما فيها الفقد المتواصل لرموز الحركة الفنية المصرية ففي فترة الحرب فقدنا المخرج حسن كمال ومن بعده عملاق التمثيل «محمد توفيق» دون أن يصاحب فقدهما الاهتمام المعتاد بالنسبة للشخصيات العامة وخاصة في أجهزة الإعلام المرئية. «محمد توفيق» صاحب مدرسة التمثيل المعتمد على الأداء الحركي أكثر من اعتمادها على الأداء الصوتي القريب من فن «البانتوميم» الصامت ونجد هذا الأسلوب بوضوح في «عفاريت الأسفلت» الفيلم السينمائي وهو العمل الأول للمخرج أسامة فوزي والأخير للراحل الكبير «محمد توفيق» أدى فيه دور الجد بأسلوب بديع ظهر فيه وكأنه لا يمثل بل يؤدى دوره بطبيعية دون أن يبدو أنه بذل جهدا في التمثيل، دون أن ينطق بكلمة، كان حضوره طاغيا مضيفا لروعة أداء كل فريق الفيلم بداية من البطل سائق الميكروباص «محمود حميدة» والممثلة «سلوى خطاب»، وعايدة عبد العزيز، جميل راتب، حسن حسني وعبد الله محمود. في المشهد الافتتاحي نشاهد الجد «محمد توفيق» نائما في غرفة حفيدته «سلوى خطاب» تبدأ يومها بمداعبته ثم تحمله كابنها ليتناول مع بقية أفراد الأسرة طعام الإفطار يبادره ابنه «جميل راتب» بعرض سيجارة لتدخينها عليه وتؤنبه عايدة عبد العزيز زوجته فيقول إن أباه هو الذي شجعه على التدخين منذ الصغر، كل هذا والجد «محمد توفيق» صامت يحرك يده للإمساك بلقمة الطعام، يحشرها في فمه على دفعات صغيرة بأداء مميز مشكلا بحركته الصامتة ملامح الشخصية التي يدعمها تعليقات أفراد الأسرة. المشاهد التي ظهر فيها «محمد توفيق» في الفيلم لم تتجاوز ثلاثة مشاهد وكانت مشاهد فائقة فالكاتب «مصطفى ذكري» أبدع في كتابته لسيناريو الفيلم مثل مؤلفي الأعمال الموسيقية الكبيرة الذين يفردون مساحة محددة لكل شخصية لكي تظهر إبداعها، حيث أفرد ثلاثة مشاهد كانت البطولة فيها لشخصية الجد. فالإضافة للمشهد الافتتاحي هناك مشهد تقوم فيه «سلوى خطاب» بعمل حمام للجد وهي تغسله فعليا وتدعك جسده بلوفة تصب المياه الساخنة، و المايسترو المخرج أسامة فوزي معتنيا بكل التفاصيل مؤكدا على العلاقة الخاصة بين الجد «محمد توفيق» وحفيدته «سلوى خطاب» التي تتسمع مناقشة خاصة بزواجها فتترك الجد عاريا وتخرج لتعبر عن رأيها في أمر الزواج، قسوة المشهد وخوفنا الشديد كمشاهدين على الجد «محمد توفيق» الذي يرتعد من البرد يشكل إرهاصة بموته الذي سيحدث في مشهد لاحق بين يدي الحلاق «حسن حسني» ليكون المشهد من أروع مشاهد الموت في السينما، وتكمن روعته في الأداء الفذ للراحل «محمد توفيق» الذي خدمته الإضاءة الفنية لمدير التصوير المبدع «طارق التلمساني» والذي حصل على جائزة التصوير من مهرجان «سالزبورج» بجنوب إفريقيا عن «عفاريت الأسفلت». عاش الفنان «محمد توفيق» عمرا مديدا حيث ولد في مدينة طنطا بوسط الدلتا عام 1908 وتوفي هذا العام 2003 «خمسة وتسعون عاما أمضى منها سبعين عاما في فن التمثيل محققا أكثر من مئة فيلم بدأها مع المخرج محمد كريم واستمر في عطائه في الأربعينيات وفي الخمسينيات قام ببطولة «لك يوم يا ظالم» مع فاتن حمامة للمخرج صلاح أبو سيف، ومع هذا الفيلم وضحت طريقة أداء «محمد توفيق» المعتمدة على النبرة الصوتية الهادئة وإجادته للشخصيات الاستثنائية وخاصة دور «المدمن» الذي أداه في فيلم «الأخ الكبير» ليواصل مشواره مع الأجيال المتعاقبة ويختمها بفيلمين كبيرين «أرض الأحلام» للمخرج داوود عبد السيد ثم «عفاريت الأسفلت». منحه الرئيس جمال عبد الناصر وسام الفنون من الطبقة الأولى بعدما أخرج النص العربي لمشروع «الصوت والضوء» كما حصل على شهادة تقدير من الرئيس محمد أنور السادات وكرمه التلفزيون المصري بإنتاج حلقة عنه في سلسلة وثائقية «نجوم من الزمن الجميل» وكان تلقائيا شديد الصراحة في حديثه كشاهد على عصور متعاقبة من فن المسرح والسينما والأعمال التلفزيونية الذي اتجه للعمل فيها في «الستينيات» تلك الفترة الخصبة في الحياة الثقافية المصرية في كل المجالات حمل شعلتها رجال من نوعية الفنان القدير «محمد توفيق». القاهرة ـ صفاء الليثي:

طباعة Email
تعليقات

تعليقات