تاريخ السينما العالمية، الأشكال السينمائية تكتسب الدقة وتنبذ التهريج

السبت 3 صفر 1424 هـ الموافق 5 ابريل 2003 في هذه الحلقة من كتابة تاريخ السينما العالمية يأخذنا ديفيد روبنسون حيث تحولت الكاميرا الى الطبقة الوسطى كما أنها ستركز على إلهاء العامل، عن عالمه الحقيقي، وقد جاء جمهور الطبقة الوسطى الجديد بحاجته الى عروض اكثر صقلا وحنكة، فاندلاع الحرب الأوروبية غير من طبيعة الحياة الاميركية ونظرة الاميركيين الى انفسهم والى العالم بعض الشيء، ثمة ثقة بالذات ونزعة مادية جديدتان. قبل الحرب، تماهت ماري بيكفورد وبطلات افلام جريفيث مع نماذج المرأة البريئة المتفائلة. اما في 1916 فقد ظهر نموذج جديد جسدته على الشاشة ثيدا بارا 1890 ـ 1955. كانت ثيدا بارا في واقع الأمر فتاة هادئة اسمها ثيودوزيا جودمان، غير ان دعاية فوكس احاطتها بعالم من الغموض والاساطير، زعمت انها تنحدر من اصول شرقية واضفت عليها طابعا شهوانيا مفترسا واطلقت عليها اسم «مغوية الرجال» لتأكيد هذا الطابع. وهكذا قدمت بارا نموذج المرأة القاتلة في أكثر من اربعين فيلما، أولها «كان هناك احمق» 1916 من اخراج فرانك باول، وهو يصور كيف يتخلى ثرى أميركي مرموق عن أسرته وثروته وصحته، وحياته ذاتها في النهاية، في سبيل مفاتن بارا بعيدة المنال. وبشكل حاسم ونهائي فرضت افلام بارا الجنس بوصفه شيئا لازما للفيلم الأميركي، من خلال موتيفات ثابتة مثل العلاقات غير الشرعية، الخيانة الزوجية، والمثلث الغرامي الشهير. وعلى درب ثيدا بارا انطلق حشد من بطلات السينما يقدم هذا النموذج الدنيوي للمرأة، وكانت ابرزهن الممثلة الروسية الا نظيموفا اول افلامها «عرائس الحرب» من اخراج هربرت بيرنون 1916. ومع هذا النوع الجديد من النساء جاء أبطال رجال جدد، اكثر رقة ولا مبالاة من نموذج ابطال افلام ما قبل الحرب الذي كان رصينا وفي الاربعين من العمر عادة. هذه الانماط الجديدة قدمها ممثلون مثل ويليس ريد، جيه. وارنر كيريغان، ودوجلاس فيربنكس الذي شق طريقه الى النجومية بسرعة. اكتسبت كل الاشكال السينمائية مزيدا من الصنعة والدقة كي تشق طريقها. فأنماط التهريج والنكات التي قدمها جون باني فيما بين عامي 1912 و1915 صارت الآن شيئا من الماضي. والى جانب بعض عروض سينيت التي تفرغت باسراف وتلذذ لمعارضة كافة موروثات الفيلم القديم «لين بتنويعات»، «العم توم بدون الكوخ» فقد نشأ نوع من الكوميديا قائم الى حد بعيد على حساب العادات القديمة الطيبة للمدن الصغرى. ومن النماذج النمطية لهذا الاتجاه الكوميديات المحبوبة التي مثلها تشارلز راي، وسلسلة هارولد لويد الاولى «لوك المستوحش»، كان ثمة جماهيرية لنوعية من المعارضة اكثر صقلا مما قدم سينيت.. اثنان على الاقل من افلام فيربنكس الاولى ـ «جنون مانهاتن» 1916 و«بري وعنيف » 1917 ـ كانا اشبه بقذائف تدميرية موجهة ضد اسطورة «الغرب الاميركي». وقد كانت من قبل حذرة بسبب ما يشوب سمعتها من شوائب، تشجعت السينما الآن على تناول موضوعات «جريئة» كالطلاق وتحديد النسل والامور المتعلقة بالجنس بشكل عام. وبعد ان كان العري مقصورا على بعض الافلام الفرنسية التي تعرض في دور عرض خاصة وللرجال فقط، صار مألوفا ـ وان يكن بمعايير سيتم تهذيبها لاحقا هذه السينما الجديدة كانت بحاجة الى طراز جديد من المخرجين، وفيما بين 1912 و1918 ادخل الى الميدان عدد كبير من الفنانين الشبان ليحلوا محل اساتذة المهنة القدامى الذين عاصروا البدايات ايام «مصنع الافلام». يذكر لويس جاكوبس انه في الايام الاولى للسينما الاميركية كان هناك ثلاثة مخرجين، وفي عام 1908 اصبحوا عشرة تقريبا. وفي 1912 ثلاثين، وقبيل 1918 كان عدد المخرجين العاملين بالسوق أكبر من التحديد والحصر. ولسوف نشير في الفصل التالي الى انجاز بعض من هؤلاء القادمين الجدد. أمر حتمي ان تضيف الحرب مشهدا جديدا لعملية الانتاج السينمائي، حيث كانت بذاتها حدا فاصلا في الحياة القومية والاجتماعية له تأثيره العميق على محتوى الافلام الاميركية. قبل الحرب كان المزاج العام يميل الى النزعة السلمية، ولكن المشاعر انقلبت بعنف مع عام 1916، وهكذا جاءت افلام مثل «المدينة» و«عرائس الحرب» «الذي اوقف عرضه بالفعل» و«التعصب» «الذي ربما كان السبب الرئيسي لفشله التجاري هو عدم توافقه مع المزاج النفسي العام لتلك الفترة» بعيدة عن المشاعر الاميركية بوجه عام. دخلت الولايات المتحدة الحرب في 5 ابريل 1917 لينهمر طوفان من الافلام الدعائية والعدوانية الطابع. انتاج على نطاق موسع لافلام الكراهية، افلام المعارك والبطولة، افلام تندد بالقابعين في بيوتهم، افلام لاستثارة كراهية المهاجرين الالمان الاصل ضد وطنهم وشعبهم السابقين، افلام لمواساة اسر قتلى الحرب. وكان ذلك في وقت قد تجاوزت فيه سينما البلدان الاخرى المشاركة في الحرب ـ فرنسا وانجلترا والمانيا ـ مرحلة هذه الموضوعات وبدأت جماهيريا تطالب بأفلام تهرب بهم من الواقع.

طباعة Email