فرحت بتكريمها وعرض زوربا بالتلفزيون المصري، اليونانية إيرين باباس : الفن لا يملك غير كلمته في مواجهة الآلة العسكرية

الاحد 21 شعبان 1423 هـ الموافق 27 أكتوبر 2002 صعب على من يلتقيها أن يتخيل أنها تجاوزت الخامسة والسبعين، فملامحها وروحها يظهران شبابا في منتهى الحيوية والإنطلاق. وعلى أن من يرصد مشوارها الفني، ويتتبع أعمالها سيتوهم أن هذه المرأة عاشت ألف عام. اليونانية «إيرين باباس» ممثلة من نوع خاص،ونادر الوجود، فهي قادرة على توصيل المشاعر والمعاني لمشاهديها بكل مليميتر في جسدها، إضافة إلى إمتلاكها لقدرات غير عادية في التعبير عن المشاعر والأحاسيس العميقة، من دون أن تنطق بكلمة. تعبر بعينها، وبحركة رموشها، وتوتر ملامحها، وإيماءاتها، وحركات جسمها التي تنطق بما يعجز اللسان عن النطق به، لكل ذلك كانت صاحبة البصمة الأكثر اثرا في كل الافلام التسعة والستين التي شاركت بها حتى ولو لم يتجاوز دورها في بعضها بضعة مشاهد، تنطق خلالها بجملتين أو ثلاث على الأكثر. صاحبة التاريخ الحافل التي يكرمها مهرجان القاهرة السينمائي الدولي لهذا العام، حيرتني كثيرا في اختيار النقطة التي ابدأ منها الحوار، وأخيرا قررت أن تكون البداية من فيلم زوربا اليوناني الذي عرضه التليفزيون المصري قبل تكريمها بيومين. ـ سألتها عن كيفية اختيارها لتشارك «أنتوني كوين» في هذا الفيلم فأجابت: ـ قبل هذا الفيلم بتسع سنوات تم اختياري لأداء دور جوكاستا قسطنطين في الفيلم الاميركي تكريم رجل سيء كان ذلك في العام1955 وفي العام 1961 شاركت في الفيلم الاميركي مدافع نافارون ـ الذي حقق نجاحا جماهيريا كبيرا. هذا الفيلم كان عن الحرب العالمية الثانية وقد قمت فيه بدور ماريا بافوديموس لذلك حين جاء طاقم فيلم زوربا إلى اليونان وقع اختيارهم علي كإسم معروف للعالم لأقوم بدور الأرملة اليونانية التي أحبها الكاتب فيقتلها أهل الجزيرة، وهذا الفيلم المأخوذ عن رواية لكازانتزاكس والذي أخرجه مايكل كوكايانس، كان- بحق ـ بداية شهرتي العالمية، وقد كنت سعيدة جدا لأنني تعرفت عن قرب بأنتوني كوين. ـ هناك بالطبع أفلام يونانية شاركت فيها قبل أن يقع عليك الاختيار لتشاركي في الفيلم الاميركي تكريم رجل سئ ، فهل تحدثينا عنها ؟ ـ وأنا في سن صغيرة بدأت حياتي الفنية كممثلة منوعات، لكن أول ظهور لي في السينما اليونانية كان عام 1951 في فيلم عنوانه: «المدينة الميتة» وانتظرت بعده عامين، ثم شاركت في أربعة أفلام يونانية مرة واحدة عام 1953، إضافة إلى فيلم إيطالي عنوانه رجل من القاهرة للمخرج راي انرايت، ثم شاركت في فيلمي تيودورا ـ إمبراطورة بيزنطة ـ و آتيلا عام 1954. نعود لزوربا الذي شهد بداية أدوارك مع إنتوني كوين.. ـ مقاطعة: أحب أن أشير هنا إلى أنني أنا التي أخترت أنتوني كوين لبطولة فيلم زد «Z»، وذلك فور قراءتي للرواية التي كتبها اليوناني فاسيلي فاسيليكيوس، ووقتها سافرت مع المخرج كوستاجافراس إلى نيويورك لنعرض عليه الدور.. فوافق مثل بالطبع، فيما ظهرت أنا في أحداثه من خلال لقطات محددة، لم أنطق خلالها بأكثر من ثلاث جمل. ـ يستوقفنا في مسيرتك الفنية أنك قبلت في عدد كبير من أفلامك القيام بأدوار صغيرة جدا، ألم تكن لمساحة الدور أهمية بالنسبة لك ؟ ـ التمثيل هو التمثيل، ولقطة واحدة مثل مائة لقطة، المهم هو إجادة الممثل لدوره وقدرته على إقناع المشاهد وإيهامه بالشخصية التي يؤديها، وأن يستطيع التعبير عن المشاعر والأحاسيس التي يتطلبها الدور. ـ بعد «زد» شاركت أنتوني كوين في فيلمي «الرسالة» و«عمر المختار» الذين أخرجهما المخرج العربي مصطفى العقاد، فهل تحديثنا عن هذين الفيلمين؟ ـ في فيلم «الرسالة» أو «محمد رسول الله» اختارني مصطفى العقاد لأقوم بدور هند بنت عتبة زوجة أبي سفيان والتي حرضت وحشي على قتل حمزة عم الرسول لأنه قتل أباها وعمها وأخاها في غزوة بدر، وهذا الفيلم ـ كما تعلمين ـ تحويل درامي لأصول الدين الإسلامي وملئ بالمشاهد الملحمية وتدور أحداثه في حوالي الثلاث ساعات. أما فيلم «أسد الصحراء» أو «عمر المختار» فأقوم فيه بدور المرأة العربية مبروكة التي تشارك في النضال ضد الاحتلال الإيطالي لدولة ليبيا في عصر موسوليني. ـ وكيف كان شكل التعامل بينك وبين مصطفى العقاد، وأين تضعينه بين المخرجين الكبار المختلفين الذين تعاملت معهم ؟ ـ لقد تعلمت من العقاد الكثير، تماما كما تعلمت من كل مخرج عملت معه، لكن الذكرى الوحيدة التي أحملها لأي مخرج أو فيلم تتمثل في إحساسي بالخوف والقلق وشعوري بأن أنظار العالم كلها معلقة بالدور الذي اقوم به، وأن المشانق سوف تنصب لي لو لم أكن على المستوى المطلوب. هذه فقط هي المشاعر التي ترتبط عندي بكل الاعمال التي شاركت فيها وبكل الممثلين والمخرجين الذين تعاملت معهم. ـ دعيني أسألك إذن عن نوعية الادوار التي تفضلين أداءها ؟ ـ هل تكون مفاجأة بالنسبة لك لو قلت أنني لا أعرف كيف قمت بأداء الادوار التي لعبتها ؟ أن التمثيل أصبح عبئا علي الآن، فهو كالامتحان.. ولا يمكن أن يعيش الإنسان طوال عمره وهو تلميذ يستعد لدخول الإمتحان، لذلك أسأل نفسي دائما : كيف إستطعت أن أصبر طوال كل السنوات التي مضت على وضع بهذه الصعوبة، أنني مازلت أشعر بالخوف والقلق كلما وقفت أمام الكاميرا، لذلك فأنا استفز جدا عندما أتابع ما تنشره الصحف عن الفنانين وأراه مقتصرا على فضائح نجوم أو حفلات آخرين.. مما يجعل الجمهور يعتقد أن حياة الممثلين سهلة ومريحة وليس بها غير الحفلات والفضائح، بينما الواقع العملي يؤكد أن الفنان ليس لديه أي وقت ليفكر في نفسه، ولا يستطيع الإستمتاع بحياته! ـ النجمة الكبيرة إيرين باباس، هل تسمحين لي بسؤالك سؤالا به بعض القسوة ؟ - تفضلي.. ـ لاحظنا أنك في عدد من أفلامك، منها مثلا فيلم كابتن كورللي أنك تقومين بدور أم. كيف استطعت أن تلعبي الدور بهذا الإتقان وأنت لم تكوني «أما» في يوم من الأيام ؟ ـ أنا فعلا لم أنجب، لكنني بالأساس ممثلة، وعليك أن تنظري للدور من منطلق هل نجحت فيه أم لا ؟ ومن صيغة سؤالك اعتقد أنني نجحت وربما لهذا السبب فإنني أرشح دائما لأداء دور الأم أو الجدة،وربما تلاحظين أيضا أنني لا احب الكآبة، ورغم ذلك قمت كثيرا بأدوار حزينة، أن الممثل ممثل كما سبق وقلت لك ، وأعتقد أن الممثل الجيد يستطيع أن يؤدي أي دور يعرض عليه طالما كان مقتنعا به وملما بتفاصيل الشخصية. ـ ونحن الآن في القاهرة طبيعي أن أسألك عن السينما العربية ـ مقاطعة: للأسف الشديد فإن علاقتي بالسينما العربية ضعيفة جدا والذنب ليس ذنبي وإنما ذنب الموزعين الذين يحرموننا من الافلام العربية والألمانية والصينية والإيرانية وغيرها، فنحن في اليونان حالنا ليس أحسن من حال بقية دول العالم، فالسينما الاميركية تحكم قبضتها ولا تترك أي مساحة لأي سينما أخرى غيرها. تصمت إيرين وتضيف: بإستثناء فيلمي «الرسالة» و«عمر المختار» لم اشاهد أفلام عربية إطلاقا لكنني آمل أن أشاهدها في المستقبل. ـ وماذا عن الإتجاهات السينمائية في اليونان ؟ ـ السينما اليونانية لا تمثل إتجاهات أو مدارس، صحيح أن بها شبابا موهوبين جدا لكن السينما الاميركية للأسف تقتل أي قدرة على الاختلاف والتميز ، حتى السينما الإيطالية التي قدمت كثيرين من عباقرة الفنانين، أين هي الآن ؟ وأين السينما الفرنسية ؟.. إن علينا أولا أن نفلت من هيمنة السينما الاميركية، وأعتقد أنه ستظهر إتجاهات سينمائية جديدة وجيدة في كل دول العالم. ـ بعيدا عن الفن، هل تتابع إيرين باباس الأوضاع السياسية في العالم؟ ـ بالطبع،لكن الفن لا يملك غير كلمته أمام الآلات العسكرية ورغم ذلك فأنا فخورة بموقف بلادي تجاه فلسطين وتجاه كوسوفو فنحن رفضنا ضرب كوسوفو من أراضينا بناء على استفتاء شعبي، كما أن غالبية الشعب اليوناني يرفضون ما يحدث من مجازر للشعب الفلسطيني. ـ وأخيرا، كيف استقبلت نبأ تكريم مهرجان القاهرة السينمائي لك؟ ـ كنت فرحة للغاية، وزادت فرحتي حين جئت إلى القاهرة ورأيت هذا الاستقبال الرائع، كما أشكر التليفزيون المصري على لفتته الطيبة، وقيامه بعرض فيلمي «زوربا اليوناني». والحقيقة أنني لم أكن أدري أن لي جمهور كبير في هذا البلد الرائع ذي الحضارة العريقة. كذلك فقد فوجئت بأن القاهرة تحتضن هذا التجمع السينمائي العالمي، الذي يضع مهرجانها في مصاف المهرجانات الدولية الكبرى. القاهرة ـ نيرة صلاح الدين :

طباعة Email
تعليقات

تعليقات