من تاريخ السينما العالمية (الجذور)، ارتباط أصول الكاميرا الفوتوغرافية بالفانوس السحري

الثلاثاء 16 شعبان 1423 هـ الموافق 22 أكتوبر 2002 يواصل المؤرخ السينمائي ديفيد روبنسون تتبعه لتطورات الآلات المستخدمة في بدايات السينما العالمية مثل جهاز الزويتروب والبراكسينوسكوب. تقدم القرن، كان هناك قدر كبير من الابداع للحصول على احساس بالحركة عن طريق استخدام شرائح فوانيس ميكانيكية، كان بمقدورها من خلال أذرع تحريك وسقاطات مسننة وعدد من الشرائح الزجاجية المنزلقة ان تعطي انطباعاً بالرسوم المتحركة. ومنذ ستينيات القرن التاسع عشر قام الفانوسيون بمحاولات متعددة للوصول الى هذه التأثيرات بطريقة أكثر دقة. وكانت ظاهرة «استمرارية الرؤية» والتي تعد المبدأ الفيزيائي الأساسي الذي تقوم عليه السينما، معروفة بالفعل منذ وقت طويل، حيث عرف ان شبكية العين تستمر في رؤية صورة الجسم الذي تراه لجزء من الثانية بعد اختفائه. وهكذا، على سبيل المثال (وكما يعرف الاطفال جميعهم) فإنه شعلة تحرك دائرياً بسرعة في الظلام ستبدو للرائي كما لو كانت دائرة متصلة من الضوء. وقد كانت الظاهرة موضوع أبحاث علمية للفيزيائيين البريطانيين بيتر مارك روجيه وفاراداي والبلجيكي جوزيف بلاتو والنمساوي سايمون ستامفر. كما تم اختراع العديد من لعب الاطفال التي توضح هذا المبدأ العلمي. بل ان بلاتو وستامفر ابتكر كل منهما، بمفرده، فكرة قرص ترسم على حافته سلسلة رسومات تمثل المراحل المتعاقبة لفعل واحد محدد متكرر، بما يشبه الرسوم المتركة. بحيث يدور القرص على محور وتتم مشاهدة الصور في مرآة عبر فتحات. على محيط القرص تسمح برؤية لحظية وساكنة للصور المنفصلة. وكان التأثير الذي يحدث هو دمج هذه الصور المنفصلة بتحريك القرص لخلق انطباع بحركة متصلة. ثم جاء شكل آخر أكثر ملاءمة لهذا الجهاز البسيط، ابتكره هورنر في 1834، وهو الزويتروب. في هذا الجهاز كانت الصور ترتب على شريط أو حزام داخل اسطوانة، ومع دوران الاسطوانة بسرعة تتم مشاهدة الصور عبر فتحات طولية مشقوقة بالنصف الأعلى للاسطوانة في مواجهة كل صورة. وأصبح الزويتروب لعبة لها شعبية بعد 1860، غير ان المبدأ الذي يقوم عليه عمله تطور تطوراً كبيراً على يد اميل راينود (1814 ـ 1914) في جهازه العبقري البراكسينوسكوب في 1876. فبدلاً من الفتحات التي لم تكن تسمح سوى بقدر ضئيل من ضوء الصورة الى العين، استخدم راينود اسطوانة مضلعة من المرايا تنعكس عليها الصور المرتبة على اسطوانة خارجية اخرى، وعند دوران الجهاز كانت المرايا تقدم للعين متوالية سريعة من الصور تعطي ايهاماً واضحاً ورائقاً بالحركة. وواصل راينود ادخال التحسينات والتعديلات على جهازه حتى بلغت ذروتها في البراكسينوسكوب العارض. فالصورة هنا شفافة ينفذ خلالها ضوء شديد، والصورة المنعكسة في المرايا الدوارة يتم تمريرها عبر عدسات عارضة الى شاشة. وفي 1892 قدم راينود في باريس عرضاً متقناً أسماه ايمائيات مضيئة، حيث وصل عن طريق عرض شريط متواصل من الصور الى مرحلة أقرب الى السينما. فقد انعكست على الشاشة اسكتشات صغيرة تمثل أشخاصاً متحركين بطريقة لم تعد مقيدة بفواصل تقسيم الفعل الواحد الى مراحل. مع «الايماءات المضيئة» كانت السينما قد أزفت. فلم يعد ناقصاً سوى عنصر واحد فحسب. فراينود شأنه شأن صانع أفلام الرسوم المتحركة الحديث، كان عليه ان يرسم صوره اطاراً باطار. والفيلم بالمعنى الضيق للكلمة لابد له من التصوير الفوتوغرافي. ترتبط أصول الكاميرا الفوتوغرافية ارتباطا واضحاً بأصول الفانوس السحري. ففي الفانوس السحري يضاء جسم داخل صندوق ويعرض من خلال انعكاس الاشعة على شاشة في غرفة مظلمة (خارج) الصندوق. بينما في «الكاميرا المظلمة»، كما وضعت لأول مرة، يضاء منظر اضاءة قوية ويعرض عن طريق انعكاس الاشعة على شاشة (داخل) صندوق مظلم أو غرفة مظلمة. وقد استفاد الفنانون كثيراً خلال القرن الثامن عشر وأوائل التاسع عشر من «الكاميرا المظلمة» باستخدامها لعرض منظر ما مصغراً على شاشة ليقوموا بتحديد خطوطه الخارجية بالقلم الرصاص. وكان من الطبيعي ان يبحثوا عن وسيلة لتثبيت الصورة المعروضة ميكانيكياً أو كيميائياً للتخلص من عناء تحديد خطوطها يدوياً. وانشغل عدد من الكيميائيين بهذه المشكلة، من بينهم الانجليزي توماس ويدجوود، ولكن جوزيف نييبس (1775 ـ 1833) كان على ما يبدو أول من نجح في تثبيت صورة على سطح محسس، في 1826. وكان نييبس قد اشترك مع داجير(صاحب الديوراما)، واستمرت التجارب خلال ثلاثينيات القرن التاسع عشر وحتى بعد وفاة نييبس 1833. ولكن اتقان التصوير الفوتوغرافي، وكما هو الحال مع السينما ذاتها، كان أقرب الى سباق لحل مشكلات معروفة منه الى الاختراع. وفي 1839 اشترت الحكومة الفرنسية طريقة داجير للتصوير الفوتوغرافي، وذلك بعد أسابيع قلائل من اعلان هنري فوكس تالبوت عن طريقة «الكالوتايب». وبمرور السنين خلال القرن التاسع عشر تم دمج وتطوير مزايا هاتين الطريقتين لزيادة كفاءة وسرعة وحساسية التصوير الفوتوغرافي. وفي وقت مبكر يرجع الى 1849 كان بلاتو قد اقترح استخدام طريقة داجير للتصوير مع جهاز فيناكيستيسكوب، غير انه لم ينجح أي اختراعات وابتكارات ستينيات وسبعينيات القرن التاسع عشر في التوصل الى حل لمشكلة كيفية خلق سلسلة صور فوتوغرافية متتابعة بسرعتة تسمح بعرضها كصورة كلية متحركة لحدث ما. فجهاز الفازماتروب الذي ابتكره هييل وعرض في فلادلفيا 1870 كان يعتمد على صور فوتوغرافية تم الحصول علهيا بطريقة مضنية حيث يصور الحدث مجزأ الى مراحل يمثلها الموديل مرحلة مرحلة. ثم جاء حل المشكلة في النهاية على يد عدد من العلماء والمصورين ممن لم يكن لهم أدنى اهتمام لتخليق الصور بتتابع يعطي احساساً بالحركة، بل كانوا ببساطة يبحثون عن وسيلة لتحليل الحركة. كان ايدويرد مايبريدج (1830 ـ 1904) انجليزياً هاجر الى الولايات المتحدة في خمسينيات القرن. وبدّل هناك اسمه الاصلي الأقرب الى المألوف، ادوارد جيمس ماجردج، واستقر به المقام مصوراً فوتوغرافياً. وفي 1873 طلب منه حاكم كاليفورنيا عمل بعض صور فوتوغرافية سريعة لواحد من أحب خيول السباق لديه. ورغم ما كان ما يبريدج يعانيه من اضطراب في العمل، نظراً لاتهامه وقتها بقتل عشيق زوجته، إلا انه واصل مهمته بسلسلة طويلة من التجارب. حتى توصل قبيل 1877 الى حل عن طريق وضع مجموعة مترابطة من الكاميرات على طول مسار الحصان بحيث يتم تحرير غوالقها واحداً بعد الآخر مع مرور الحصان أمام كل كاميرا ووطئه حبلاً على الأرض متصلاً بالغوالق كان هدف مايبريدج في الأصل هو الحصول على صور سريعة منفردة، أما كونها متتابعة سريعة فقد جاء عرضاً. وخلال السنوات القلائل التي تلت قام مايبريدج بانتاج ونشر سلاسل صور فوتوغرافية عديدة لجميع أشكال الحركة لدى الحيوان والانسان. ثم قام في بداية الثمانينيات بخطوة أخرى لاعادة تخليق تحليله للركة، وذلك بعرض المقاطع الحركية القصيرة التي سجلها مستخدماً فيناكيستيسكوب عارض أسماه الزو أبراكسيسكوب.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات