فيلمه «جنين جنين» نال جائزة مهرجان الاسماعيلية، المخرج محمد بكري : قدمت شهادات غير تقليدية في لحظة تحد حقيقية

الاحد 14 شعبان 1423 هـ الموافق 20 أكتوبر 2002 شارك الفيلم الفلسطيني (جنين جنين) اخراج وانتاج الفنان الفلسطيني محمد بكري بمهرجان الاسماعيلية الأخير للأفلام التسجيلية والقصيرة، وفاز بجائزة خاصة من محافظة الاسماعيلية، في هذا الحوار نناقش محمد بكري حول فيلمه الأخير قضايا هامة تتعلق بالأوضاع القائمة في فلسطين، وموقف عرب 48.. والمسرح العربي في اسرائيل.. وقد نتفق أو نختلف معه لكن من حقه ان تستمع اليه.. عن فيلمه (جنين جنين) يقول محمد بكري: جنين جنين يمثل احدى لحظات التحدي في حياتي، ذلك لأنه أيام الحصار كنا جميعا جالسين أمام التليفزيون.. أنا وزوجتي وأولادي وملايين العرب كانوا يشاهدون التليفزيون ويشعرون بالعجز لأنهم لا يستطيعون تقديم أي مساعدة لهؤلاء المحاصرين أمام أكبر الآلات العسكرية، وانتظرت حتى خرج الإسرائيليون من هناك في 19 إبريل 2002 ودخلت جنين مع ثلاثة أصدقاء أحدهم مصور والثاني مختص في الصوت والثالث سائق ومازال غبار المعركة في الهواء والجرحى تحت الانقاض وقفنا مشدوهين مصدومين لم نستطع أن نفكر أو نوجه الكاميرا.. كنا مصدومين ولكن - شيئا فشيئا - قام أحد الأصدقاء وهو اياد شاب عمره 24 سنة من أهالي اليامون - وهي قرية قرب جنين- كان هو المنتج المنفذ للفيلم والدليل الأول لنا، وكانت الفكرة الأساسية أن أتحدث الى فتاة صغيرة بين الثامنة والحادية عشرة أخت أحد الاستشهاديين، لأن الاسرائيليين كانوا قد أدعوا ان عملية اجتياح جنين أو كما سموها (عملية السور الواقي) هي انتقام لما حدث في مطعم في حيفا من عملية استشهادية قام بها شاب من قرية وادي برقين في جنين، وقد أردت في البداية أن أطرح ماحدث من خلال عيون فتاة صغيرة هي أخت الشاب الذي استشهد في العملية، ولكن الفتاة خشيت من الموقف ولم تستطع ان تتكلم معي، فقررت أن أغير في اتجاهي في الفيلم فوجدت فتاة أخرى في الثانية عشرة من العمر رأيت أنها على قدر من الوعي، ومن خلالها أخرجت الفيلم. ـ كم من الوقت استغرق التصوير في جنين؟ ـ صورته في ستة أيام متواصلة.. حوالي 25 ساعة تصوير، بعد المونتاج تصل مدة الفيلم الى 53 دقيقة وقد بدأت المونتاج في الناصرة، ثم انتقلت الى روما بستوديوهات أوربيت. ـ هذه المذبحة المروعة حاول الإسرائيليون طمس معالمها.. فهل تحاول في فيلمك تقديم. شهادة ادانة لهم امام العالم؟ - هي ليست مذبحة بالمعنى المادى ولكنها مذبحة بالمعنى الروحي فقد كان الدمار شاملا، وقد خسر الاسرائيليون ثلاثين جنديا وكانت هناك مقاومة من قبل الشباب.. لذلك أقدم في فيلمي شهادات انسانية غير تقليدية. ـ هل عرضه بمهرجان الاسماعيلية هو الأول عالميا.. وهل سيعرض في الخارج؟ - هذا هو عرضه العالمي الاول.. وأنا عملت هذاالفيلم للعالم وليس للعرب وسيعرض مترجما الى ثلاث لغات حتى الآن. انجليزي وايطالي وعبري.. وسيترجم الى الاسبانية والألمانية. ـ هذا هو فيلمك الثاني كمخرج بعد فيلم 1948 - الذي عرض عام 1998.. ونذكر انه اثار جدلا بين النقاد والمثقفين حينما عرض عليهم بالقاهرة.. هل كانت لك وجهة نظر خاصة..؟! - قدمت في الفيلم وجهة نظري من خلال رسالة هامة يوجهها احدى شخصيات الفيلم، يروي صاحبها عن شجار في بلدة فاخوري اسمه مصطفى كان يصنع مايشبه سلما من الخشب يوضع عليه القش في أيام الحصاد ويسمى «الكادم» وهي كلمة تحمل معنى اخر هو القادم اليهودي الجديد من أوروبا الى اسرائيل.. أحد فلاحي عرب 1948 نظر الى القوادم التي كان يصنعها قائلا: تسلم ايدك ياأبو مصطفى).. وامام القرية كان في هذه الجلسة فقال.. صرح مصدر رسمي ان القوادم قد وصلوا إلي ميناء حيفا. ضرب أبومصطفى اخماسا في اسداس وقال يخرب بيتك ياأبومصطفى.. ألف قادم وصلوا الى ميناء حيفا،، وسينافسونني ويفسدون علي صعنتي! هذا الرجل - أبومصطفى - الفقير البسيط الذي لا يعرف كيف يفرق بين القادم الجديد والقادم الذي يصنعه دخل معركة وهمية لا تتعلق بنضال أو حرب. هذا هو ن شأن الدول العربية والاسلامية.. والشعب الفلسطيني وأبومصطفى، لا يعرف أي حرب يدخلون وماذا سيحدث لهم. ـ هل ترى ان هناك عناصر تقدمية داخل اسرائيل تقف مع السلام وتناصر حقوق الفلسطينيين؟ - هناك قوى سلام اسرائيلية.. ولكن.. وكانت هناك مظاهرات من أجل السلام بالالاف تمثل بعض القوى الشعبية.. ويقوم صراع الآن بين من يقول أن شارون سيؤمن حياتهم.. وبين معارضين يشيرون الى انه خلال العامين الاخيرين سقط 350 قتيلاً اسرائيلياً و1080 قتيل فلسطيني.. كمية ضحايا كبيرة من الطرفين.. ولكن هناك نوع من الاعتقاد السيكلوجي بأن شارون رجل حرب ودخل معركة السويس ودمر الجيش المصري الذي كان يتقدم نحو تل أبيب.. فهو بالنسبة لهؤلاء بطل.. وهذا وهم كبير سيعرفه الاسرائيليون. ـ عملت في بعض الأفلام الأجنبية والاسرائيلية فما تقييمك لها؟ ـ يختلف الامر بين فيلم واخر.. وهناك فيلم اسرائيلي (ماوراء القضبان) لأورى باراباشي، وقد رشح للأوسكار 1998.. هذا فيلم اعتز بدوري فيه.. وهناك فيلم آخر ايطالي بعنوان (حكاية كنيسة المهد) حول الحصار الاسرائيلي للكنيسة الذي استمر عدة شهور.. وأمثل فيه دور أبونا الخوري عمر وهو كاهن مصري الأصل وكان له دور فعال في صمود الفلسطينيين المحاصرين وتزويدهم بالمواد الطبية والغذائية. ـ هل ترى تطورا في تفهم العالم للقضية الفلسطينية من خلال الأفلام وأقرب مثال بمهرجان الاسماعيلية الدولي للأفلام التسجيلية والقصيرة؟ - أصبح العالم يعرف اليوم ما كان لا يعرفه من قبل.. الانتفاضة الأولى كانت مشرفة جدا ثم صمود أهلنا في الانتفاضة الثانية.. في نظري ان الكفاح المسلح قد دمرنا.. وارى انه كان أكبر خطأ تاريخي في حياتنا.. أنا ضد استخدام الأسلحة امام دولة عسكرية.. كيف يمكنم هذا؟ أنا مع الكفاح ولكن بعقلانية وأنا ضد قتل الأبرياء المدنيين.. أما العسكريون فنحاربهم في أي مكان.. الجيش الاسرائيلي بصفته محتل أحاربه بكل الوسائل. لكن لا أذهب وأقتل طفلا يهوديا في تل أبيب.. أي نوع من البطولة هذا؟.. يقتلون أطفالنا ونساءنا، انسانيتي لا تسمح لي بأن اعاملهم بنفس مايعاملونني به. لن أسمح لهم باغتيال انسانيتي.. أنا لست مسالما أو مستسلما.. أنا أتوق للسلام ولكن ليس بأي ثمن لا أحد منا يريد أن يقتل الأطفال. تحدث عمليات استشهادية يقتل فيها أبرياء. هذه العمليات تضرنا ولا تفيدنا. تضرنا على الصعيد السياسي والاعلامي وتضر انسانيتنا. أنا مع العمليات الاستشهادية اذا كان هذا هو الطريق الوحيد ولا غيره. ـ سؤال أخير.. قد يعود بنا الى مسرحية (المتشائل) لاميل حبيبي التي قمت ببطولتها.. هل أنت متشائم. أم متفائل؟ - متفائل متفائل متفائل. وسوف نهزم شارون بإنسانيتنا. القاهرة ـ فوزي سليمان:

طباعة Email
تعليقات

تعليقات