مخرج سويسري من أصل عراقي يحقق نجاحات سينمائية، سمير جمال الدين : تلفزيون بغداد والأفلام المصرية وراء شهرتي

السبت 28 رجب 1423 هـ الموافق 5 أكتوبر 2002 عرف في الوسط السينمائي السويسري باسمه الأول فقط «سمير».. اسمه الكامل سمير جمال الدين.. حقق وجودا ونجاحا كمصور ومخرج ومنتج في السينما السويسرية.. يفخر بأصله العراقي ورغم أنه ترك بغداد مع أسرته وعمره لا يتجاوز السابعة، الا أنه يتذكر بوضوح طفولته ببغداد.. تخلل حديثنا كثير من الكلمات بالعربية، وكثير من الضحكات مع الذكريات! ـ ماذا بقى في ذاكرتك من أيام الطفولة في بغداد؟ ـ ولدت في بغداد 1955 من أم سويسرية ووالد عراقي.. وعندما هاجرت أسرتي الى سويسرا 1967 لم أكن أعرف أي كلمه باللغة الألمانية حيث لم تكن والدتي تتكلم معي بالألمانية. ولم أكن أعرف شيئا عن هذا البلد المدعو سويسرا كل ما كنت أعرفه أنها في مكان ما على الخريطة لست أدري أين.. وأن فيها جبالاً شاهقة تغطيها الثلوج.. كنت أتصور هذه الجبال شيئا مروعا يمكن أن تسقط من السماء. كانت طفولتي ببغداد هادئة بل مرفهة الى حد كبير..والدي كان يتقن اللغة الانجليزية التي كانت سائدة بسبب نفوذ الانجليز.. وكان والدي ناشطا في الحركة اليسارية ولهذا تعرض لتعنت وكان جدي قاضيا درس في النجف، وكان عضوا في الحزب الوطني الديمقراطي وكذلك كان أعمامي ـ كان لهم نشاط سياسي أيام الاستعمار البريطاني وفي ذاكرتي بعض قصص عن السياسة والمظاهرات الوطنية، وعندما قامت الثورة ضد الملك كنت في الرابعة من عمري. أحمل في ذاكرتي من تلك الأيام البعيدة حفلات الأسرة، وأغاني أم كلثوم وكانت العراق من أول الدول العربية التي أدخلت التلفزيون.وطبعا كان أهم ما نشاهده في التلفزيون هو الافلام المصرية أتذكر السوق في المدينة القديمة والجامع حيث تجري الطقوس الشعبية وكانت جدتي سيدة متدينة. كل هذا تركناه وراءنا بسبب هجرة والدي للضغوط السياسية عليه وقتئذ. ـ كيف وجدت نفسك في الوطن الجديد.. سويسرا؟ ـ في البداية. وجدت نفسي في وسط غريب لا أعرف أي كلمة من لغة الأولاد الذين ألاقيهم.. كانوا يطلقون على «نينجرو». وكنت قادما من حر الصيف وأبدو أسمر كل شيء وجدته هنا كان يبدو لي غريبا الطعام والعادات والتقاليد بين يوم وليلة كل شئ تغير.. بل ان أختى الكبرى أصيبت بمرض عصبي بسبب هذه الصدمة وصعوبة التأقلم.. قد يبدو غريبا أنني أحمل ذكريات أكثر وأعمق عن بغداد أكثر من سويسرا رغم أنني جئت هنا عمرا نضجا، ولم يكن هناك أطفال من أسر مهاجرة في مثل عمري كان هناك مهاجرون عمال ـ غريبون عنا.. لم يكن لي أصدقاء.. صديقي الوحيد كان التلفزيون طوال اليوم أمام التلفزيون يقولون ان المشاهدة الطويلة للتلفزيون ضارة للأطفال ولكن التلفزيون كان وسيلتي لحب السينما وكان في ذاكرتي الأفلام المصرية في تلفزيون بغداد ولم يكن متاحا دراسة السينما في ذلك الوقت في سويسرا فانني التحقت بمدرسة للفنون حيث درست التصوير فيما درست وكنت سعيد الحظ بالحصول على وظيفة في شركة انتاج سويسرية حيث أتيح لي أن أتعرف، على تفاصيل العملية السينمائية في نفس الوقت قرأت كل ما يمكنني من الكتب عن السينما وأشاهد أكبر عدد من الأفلام وعملت في الاستوديو بكل الأقسام. وأصبحت في النهاية مصورا سينمائيا قبل عملي كمخرج مع مجموعات أميركية جاءت تصور في سويسرا.. كما صورت أفلاماً لمخرجين ناشئين وكنت أساعدهم بخبرتي، ولعل هذا دعاني الى أن أقوم بالاخراج بنفسي ـ كما صورت وأخرجت بالفيديو ـ لكني كنت في البداية أكره الفيديو. ـ كنت في البداية تكره الفيديو.. لماذا؟ ـ الصورة لم تكن جيدة مثل كاميرا 35 ملم.. ولكني أجريت بعد هذا تجارب على الفيديو ليكون أفضل حتى أصبحت متخصصا في الفيديو.. صورت وأخرجت شرائط لا تصلح الا بالفيديو.. خاصة باستخدام التجهيزات الالكترونية الحديثة.. وهناك تطورات حديثة في هذا المجال. ـ ماذا حققت من خلال تقنية الفيديو الالكتروني هذه؟ ـ فيلمي «مولرو » 1986 يدور في صالة بلياردو. كرتان تتحاوران أحدهما تمثل أينشتين والأخرى أيزنبيرج. يراقبها رجل شرطة سري غبي.. لك أن تقول أنه فيلم تجريبي سيريالي. وقد سرت في هذا الاتجاه التجريبي.. ولم تكن هذه الافلام تعرض الا في نوادي السينما أو متاحف الفنون وليس لها جمهور كبير، ومن هنا اتجهت الى شركة الانتاج التي كنت قد بدأت العمل فيها واقترحت اخراج أفلام تلفزيونية ذات صفة جماهيرية.. ولما لم يوافقوا أسست شركتي الخاصة مع بعض الزملاء.كما طلبني التلفزيون الألماني.. وأخرجت له حتى الآن خمسة عشر فيلما. ـ نتذكر فيلمك « بابيلون2» أوائل التسعينيات؟ ـ انه فيلم عن قضية الهجرة أو بمعنى أخر أطفال الجيل الثاني من المهاجرين الذي استقر في سويسرا. وكيف يحاولون تأسيس نوع جديد من الثقافة عن طريق الوسائل الالكترونية الحديثة بالأصوات والايقاعات والصور الجديدة تعبر عن رؤيتهم وعن المستقبل الذي سيوفر مزيدا من الوسائط الحديثة انك تجد النشء الصغير يستخدم الكمبيوتر كأمر عادي. ـ ما سياستك كمنتج خاص؟ ـ ننتج أفلاما صغيرة للمواهب الشابة والأمر ليس سهلا فالاعداد لفيلم صغير مثل الاعداد لفيلم كبير حتى مع الميزانية الصغيرة. وقد حققت بعض الأفلام نجاحا وجوائز في أكثر من مهرجان ولكن العملية الانتاجية مرهقة. وبعد سبع سنوات وصعوبات بل ومخاطر عديدة. لم يأت مردود حقيقي الا متأخرا. ـ ولكن المعروف ان في سويسرا يوجد دعم من قبل الدولة؟ ـ لم نتلق دعما من الدولة. ولكن من بلدية زيورخ ومن التلفزيون. ـ فيلمك الأخير الذي عرض بأسبوع النقاد بمهرجان لوكارنو ونال جائزتهم يهود وعرب، حالة عراقية.. ماذا عنه؟ ـ جاءتني فكرة الفيلم عام 1997 خلال حرب الخليج، صدمت حينما كنت أشاهد قصف بغداد ظللت أمام التلفزيون 24 ساعة، ومرة شاهدت صورة لأسرة اسرائيلية تضع أقنعة ضد الغاز لأنهم كانوا يتوقعون هجوم صواريخ من بغداد وفي منزل الاسرة جهاز تلفزيون يظهر قصف بغداد وسمعت الجدة تتحدث ببعض كلمات عربية، بما قد يعني أنها أسرة يهودية من أصل عربي جاءت من بغداد وتجلس الآن تشهد على شاشة التلفزيون قصف مدينتهم الأصلية بغداد موقف غريب يمثل أحد الأمور المجنونة في عصرنا هذا، ومن هنا أخذت أبحث عن اليهود في الحزب الشيوعي العراقي الذي كان يضم أيضا مسيحيين وشيعة كان هدفهم جميعا محاربة القوى الامبريالية، كما تذكرت وضعي الخاص عندما جئت مع أسرتي الى سويسرا مقطوعا عن جذوري وكان علي أن أبني شخصيتي من جديد، وكان هذا داعيا لي الى البحث لمشروع فيلم روائي وكلفت البعض أن يقدم بهذا البحث لأنني لم أشأ أن أذهب الى اسرائيل وقتئذ ووصلت الي معلومات عن أربعين شيوعيا عراقيا يهوديا هاجروا الى اسرائيل وعندما اتصلت بهم رحبوا بي كثيرا باللغة العربية مما أكد متانة جذورهم العربية، ووجدت أن هناك عددا كبيرا من أصل عربي في اسرائيل وليس لديهم القوة على أن يغيروا السياسة، ومن بحثي وجدت أنهم خاضعون للأيديولوجية الصهيونية.. لأن العرب قالوا لهم انكم في دولة الاعداء، في حين قالوا لهم في اسرائيل اذا ارتبطتم بالعرب فأنتم أعداء.. وقد تصورت أنه اذا كان العرب اليهود قد بقوا في بلادهم الأصلية فان اسرائيل ستواجه مشكلة ضخمة، انما ما حدث أن الدول العربية طردتهم وأعطت اسرائيل الذريعة أنها أنقذت اليهود وهذا يعني أننا يجب أن نستفيد من أخطائنا وفيلمي هو عن الماضي ما حدث في الماضي واذا أستوعبنا الماضي يمكن أن نفهم ونعي المستقبل. ـ هل من مشروعات قريبة؟ ـ أفكر في فيلم روائي عن أسرتي.. العنوان جاهز «أدويسه عراقية».. فإن أسرتي توزعت بين سويسرا وألمانيا وأميركا وانجلترا. وغيرها من بلاد العالم. القاهرة ـ فوزي سليمان:

طباعة Email
تعليقات

تعليقات