أسرار تهدم البيوت

الخصوصية... منطقة حرة في الشراكة الزوجية

  • الصورة :
  • الصورة :
  • الصورة :
  • الصورة :
صورة
ت + ت - الحجم الطبيعي

«أصارحه بكل شيء أم أخفي عنه كل شيء؟» سؤال معقد يطرحه كل طرف من طرفي العلاقة الزوجية على نفسه، يبحث عن إجابة تفك طلاسم حيرته وتقوده إلى حل سحري لصداع مزمن يؤرق عقله وقلبه، «هل أخبر شريك حياتي بكل تفاصيل حياتي أم أجعل لي عالمي الخاص الذي لا يشاركني فيه سواي؟!» .

وبالطبع فالحيرة القاتلة هي التي تحكم سيطرتها على مفهوم الخصوصية بين الزوجين، فالبعض يرى أن الخصوصية مثل الماء والهواء يجب أن تتاح لكل إنسان، والبعض الآخر يرى أنها كلمة يجب إلغاؤها من قاموس الحياة الزوجية بأي شكل من الأشكال ، وما بين الاختلاف والاتفاق يظهر رأي ثالث هو الأقرب إلى الصواب يرى أن التطرف في الخصوصية يدمر العلاقة الزوجية، كما يدمرها أيضا التدخل الزائد في شؤون الآخرين.فإلى أي حد يجب أن تصل الخصوصية بين الزوجين؟

الصراحة جميلة... تقول منى عبد العزيز الجاسم: من الجميل جدا أن يتصف الزوجان منذ بداية حياتهما الزوجية بالصراحة فلا يخفي أحد منهما أمرا ما على الآخر أيا كان، صغيرا أم كبيرا ،خاصا أم عاما. فالصراحة راحة كما يقولون، وفي الحقيقة هناك أزواج يرون أن في إطلاعهم زوجاتهم على أمورهم الخاصة سواء ما يتعلق بالحياة العملية أو العلاقة بالأهل أمر يعد من باب الثرثرة والكلام غير المفيد، لذلك يغلقون هذا الباب أمام زوجاتهم، الأمر الذي يصيب الزوجة بالتالي بالغضب والعصبية، ويزيد شحنات الفضول لديها لكشف المستور، ومعرفة الأمر الذي يخفيه الزوج عنها، سالكة في ذلك مختلف الطرق والوسائل.

وتضيف : إنه في أحيان كثيرة قد يصل الأمر إلى درجة الشك، وهنا تحدث مشكلة كان بإمكان الزوج تفاديها بمجرد مصارحته لزوجته، والتي هي عادة تشك بزوجها الهادئ الغامض الذي لا يتحدث كثيرا، وتحاول البحث في هاتفه النقال أو أوراقه الخاصة عن أي شيء قد ينهي هذا الغموض ويشبع الفضول لديه ويكشف المستور وسر هذا التكتم المبالغ فيه أحيانا من قبل الزوج.

أساس سليم ومبدأ قويم

أما عبير حسين الملا فتقول: في بداية حياتي الزوجية كنت مقتنعة تماما أن أي حياة زوجية ناجحة بين رجل وامرأة يجب أن تبنى وتقوم على الصراحة وانعدام الأسرار بين الطرفين، وبدأت حياتي مع زوجي على هذا الأساس السليم والمبدأ القويم من وجهة نظري، لكن بعد فترة من زواجنا اكتشفت خطأ قناعتي هذه وذلك حين لاحظت زوجي يخفي عني أمورا كثيرة تتعلق بأسرته وعلاقته بهم ومساعداته المادية لهم من وقت لآخر، فأخفى عني هذا الأمر لأنه يرى أن مثل هذه الأمور قد تحدث المشاكل وتسبب الخلافات بيني وبينه، ففضل عدم إخباري بهذا الأمر، وهذا خطأ كبير ارتكبه في حقي.

وتتابع الملا: حينها فقط بدأت أنهج أسلوبه ذاته في إخفاء أسرار ومشاكل أسرتي عنه وخروجي من المنزل لزيارة صديقاتي، حتى إنني لا أخبره برصيدي في البنك كما كان الأمر في السابق، فالثقة المتبادلة بيننا والقائمة على الصراحة بدأت تقل شيئا فشيئا، ليصبح لكل منا خصوصيته.

مساحة الخصوصية

وتؤكد سكينة أحمد أن طبيعة العلاقة بين الزوجين هي التي تمثل مؤشرا لحجم ومساحة الخصوصية بين الزوجين، وبالتأكيد فإن العلاقة المرنة بين الزوجين ودرجة التفاهم هي التي تجعل مساحة الخصوصية أجمل وأرقى،والعكس تماما.

لا مانع من بعض الخصوصية

»إن الخصوصية هي منطقة حرة أسبح فيها بحرية بعيدا عن زوجي. دون أن أرتكب شيئا خطأ أو مخجلا. هذا ما تعبر عنه وتوضح نجلاء قاسم عبد الله، قائلة: من الطبيعي أن أسمح لزوجي ببعض الخصوصية، ما دام لا يسيء إلي ولا يجرحني، وهو أيضا بدوره يمنحني ذات المساحة؛ وذلك بناء على الثقة القائمة بيننا.

وتضيف: منذ اللحظة الأولى لزواجي تفاهمت وزوجي على أن يظل لكلينا مساحة خاصة في الحياة، صحيح أننا زوجان والحياة بيننا قوامها الثقة الكاملة، ولكن علاقتي بصديقاتي وأسرارهن وأسرار أسرتي لا دخل لزوجي بها، كما أنه لا يتدخل فيها أصلا، والأمر ذاته ينطبق عليَّ؛ فعلاقة زوجي بأصدقائه ومشكلاتهم لا أتدخل فيها، وهذا يدخل في نطاق أسراره وخصوصياته.وتستطرد: في تصوري أن المكاشفة التامة بين الزوجين غير مطلوبة؛ لأنها قد تؤدي لعواقب غير محمودة، لذلك فإن الخصوصية طالما أنها لا تُسيء إلى الزوج أو الزوجة فلا بأس بها.

تنشئة اجتماعية

وتشير أروى أحمد علي قائلة: إن طبيعة التنشئة الاجتماعية تلعب دورا بارزا في تأصيل مسألة «الخصوصية» . فهي وهم كبير ربما تتداوله وسائل الإعلام والصحف والمجلات، ولكن الواقع أمر مختلف تماما؛ ذلك لأن أصول التنشئة الاجتماعية في المجتمعات الشرقية تعتمد أساسا على التفرقة العنصرية بين الذكر والأنثى. وهذا أمر متعارف عليه، فالفتاة مطالبة بأن تكون كتابا مفتوحا ولا أسرار في حياتها ولا خصوصيات، في حين أن الذكور يُمنحون كل الحريات والخصوصيات والأسرار، ولا يسألون أين كانوا ولا أين هم ذاهبون؟

وتضيف: وللأسف هذا واقع تربينا عليه وترسخ داخلنا، وبالتالي عندما تنتقل الفتاة من بيت والدها إلى بيت زوجها فإنها تحمل داخلها ذات الخضوع والخنوع، وأن تجلس دائما على كرسي الاعتراف حين تُسأل من زوجها، في حين من غير المقبول أن تسأل هي زوجها عن خصوصياته . فأية ازدواجية تلك؟

تجربة فاشلة

تقول »مريم.ح « - موظفة: سأتحدث عن نفسي لأن كل حالة تختلف عن الأخرى حتى لو كان يجمعها شيء مشترك كونها امرأة أو رجلاً مثلاً.أنا أجد أنه كلما كانت المرأة متساهلة مع الرجل ومحبة له ومقبلة عليه تلاشت خطوطها الحمراء وتحولت إلى خطوط محظورة في منطقته محرم على المرأة تجاوزها.

لذا يجب أن تكون للمرأة شخصية مستقلة وآراء تعبر عنها بحرية بعيداً عن سلطة الرجل التي تسحق شخصيتها »باسم الزواج«. فقد كانت لي تجربة زواج فاشلة بسبب عدم احترام الخصوصية والملكية، فكان يأخذ بطاقة الصراف الخاص بي ويصرف راتبي كما يشاء، وإن منعته منها كال لي أنواع السباب والإهانة®.في حين أنني كنت لا أعرف رقم بطاقته السري ولا أجرؤ على سؤاله !

»حقيبة سوداء« تشاركني زوجي

أما »أم عبد الرحمن« فتقول : لا أتخيل أني أجرؤ يوماً وأفتح تلك الحقيبة التي يخفيها زوجي في خزانة ملابسه، فهي بالنسبة له صندوق الذكريات ومكان للأسرار، ولمعرفتي لأهمية تلك الحقيبة أتمنى أن يهديه الله يوماً ويفتحها أمامي، حيث إنه يتحين الفرصة التي أغادر فيها المنزل أو أكون مشغولة بأمر معين ليخلو فيها مع تلك الحبيبة؛ أقصد الحقيبة التي غدت تشاطرني زوجي ووقتي.

ولكي يريحني مرة قال إنها تحتوي على وصية وأوراق للبنك وخلافه وليس أكثر، ولكنني أعلم أن بين الأوراق ما يزعجني، لذلك لا يود أن أطلع عليه! أما أنا فلا يوجد شيء بالنسبة لي أخفيه عن زوجي، حتى أنه ليس لدي خصوصية في مالي لأنه يدير كل شيء بمعرفته وأنا سلمت له (الخيط والمخيط) راضية غير مكرهة، وسعيدة بأنه يحمل همي ويسعى للحفاظ على مصالحي.

للرجال رأي

من وجهة نظر عبد الرزاق الحجي أن ما يطلق عليه «خصوصية» بين الزوج والزوجة هو أحد أبرز الأخطاء التي قد تدمر الزواج؛ لأن الأمر يبدأ ببعض الأسرار والخصوصيات لكل من الزوج والزوجة، وقد يتطور الأمر مسببا كوارث لا تُحمد عقباها، والمبرر لذلك كما يردد البعض الخصوصية التي منحني إياها زوجي، «الخصوصية» التي منحتني إياها زوجتي.

ويقول الإعلامي الشاب معاذ الزرعوني: إن الصراحة مهمة في معظم الأمور بين الزوجين، طالما أن الخصوصية ليس فيها أي خطأ أو تجاوزات، فليحتفظ كلا الزوجين بخصوصياتهما في إطار المسموح، وإذا كان من حق الزوج أن يحتفظ بخصوصية خاصة به، فلا بد أن يكون للمرأة مساحة من الخصوصية أيضا مع أسرتها وعائلتها وصديقاتها.

ويرى خليل محسن العلي أن إخفاء الزوج عن زوجته شيئا ما عن عمد من شأنه أن يُعطي مؤشرا على مشكلة ما، ولكن إذا كان الأمر طبيعيا ولا يذكره الزوج من قبيل عدم الثرثرة، فإن الأمر يمكن تجاوزه.

وفي ما عدا ذلك فإن الزوج يمكن أن يترك زوجته فريسة للشك والارتباك والحيرة، وقد يكون ذلك بلا داع.

ويضيف: إن السرية التي لا ترقى لدرجة الخيانة ولا تحمل أي تعدٍّ على خصوصية الزوج المعنوية من الممكن أن يسمح بها البعض، ولكن شريطة ألا تحمل أي تجاوز مرفوض. وبما أن المرأة هي الطرف المعني بالأمر أيضا باعتبارها طرفا شريكا في العلاقة الزوجية، فكان لزاما أن نتوقف عند رأيها في مسألة الخصوصية.

ويرى جمال حسن الزرعوني أن سبب أغلب المشاكل بين الزوجين هي عدم احترام الخصوصية، لذا يقول: أنا من أشد المؤيدين لأن يكون لكلا الزوجين خط أحمر يحترمه الطرف الآخر من دون تعصب، بشرط ألا يكون هذا الخط ذريعة لتجاوز حق كل من الزوجين للآخر.

فكثير من الأزواج ينكرون على زوجاتهم مسألة الخصوصية، بينما يتمسكون بها من جهتهم، وهذا مدعاة إلى عدم الإنصاف، وإثارة كثير من المشكلات والزوابع التي كان يمكن تجاوزها لو أدرك الزوجان أنهما شريكان متساويان في الحقوق والواجبات، ولو زاد الرجل على المرأة بشيء فليس في ظلمه وتسلطه عليها، بل بما أوتي من قدرة على الحماية وسعة الرحمة والعطاء.

مشكلات

يرى المتخصصون في مجال علم النفس والاجتماع أن أهمية هذا الموضوع تكمن في عدم معرفة بعض الأزواج والزوجات حقوقهم وواجباتهم تجاه بعضهم البعض في ما يتعلق بحق المعرفة والاطلاع على الأمور الشخصية. فأغلب المشاكل الزوجية تنبع من عدم احترام الأزواج لخصوصية بعضهم البعض بما ينتج عنه أمران كلاهما خاسر.

فعندما تبحث الزوجة وتفتش وراء زوجها في أموره الخاصة كملابسه وأوراقه وهاتفه المحمول فهي لا تعلم أنها ربما تجاوزت خطاً أحمر ينذر بوقوع خطر يهدد حياتها الزوجية، فإما أن تكتشف شيئاً يضايقها ويزعجها وبالتالي تتخذ موقفاً وتثير مشكلة. وإما ألا تجد شيئاً ويكتشف زوجها أمرها ويفقد ثقته فيها. وفي النهاية تخسره بسبب شكوك لا داعي لها!

فإصرار الزوجة على معرفة كافة تفاصيل زوجها تقلقها أكثر مما تريحها، ومن جانب آخر فإن الهاتف النقال ساهم بشكل أو بآخر في خراب بيوت كثيرة بسب أن الزوج يعطي نفسه الحق في تفتيش جهاز زوجته والبحث في محتواه من رسائل ومكالمات، وفي المقابل يشعرها بعدم الثقة ويثير شكوكها أيضاً نحوه.

كما أن تشديد الزوج على زوجته وإلغاءه شخصيتها وإنكار حقها في الخصوصية يجعلها دائمة البحث عن مخرج تتنفس من خلاله. لذا كان الاعتدال في التعامل والاحترام المتبادل أهم من الحب الذي تبرر كثير من التصرفات باسمه.

ولكي يصل الزوجان إلى حياة زوجية ناجحة عليهما أولاً باحترام الطرف الآخر وإعطاؤه حقه في الخصوصية والتعامل معه وفق الحدود المشروعة، من غير إفراط ولا تفريط .

كما أن عملية تعرية النفس والكشف عن كل التفاصيل الصغيرة وغير المهمة - وربما المهمة أيضاً والمحرجة أحيانا- تقلق الطرف الآخر وتثير شكوكه، ما يجعل هناك مساحة مناسبة لظهور مشكلات زوجية سريعاً ما تكبر وتؤدي إلى رسم علاقة متوترة بأسلوب خاطئ يصعب التعامل معها مع مرور الزمن؛ حيث تصبح جزءاً من العادات و الشخصيات.

دبي - جميلة إسماعيل

طباعة Email