تراث

«الندبة الشحية» نداء الأفراح وايقونة الانتصار

صورة

تراثنا كنزنا. الجذر الذي مهما علت شجرة الأيام وتزينت واختلفت ألوان اوراقها، يظل يشدنا الى التربة والأصل. التراث ليس حديثا مضجرا، انه حكايات لا تزال تنبض بالحياة، تماما كما الجذور تنبض بماء الحياة. وكثيرة هي التقارير التي تتحدث عن تراث الامارات، وقليلة هي المقاربات التي لا تقع في فخ الاطالة او الضجر، في زمن انصرف فيه الشباب عن كتب التاريخ، الى محادثات «التويتر» و«الفيس بوك» والـ«يوتيوب».

«الحواس الخمس» اراد في رمضان أن ينبش في خزانة تراث الامارات، أن يذهب في زيارات خاصة تستقصي وتسأل وتتذكر، مع المعنيين. جلنا في جبال، وتمشينا على شواطئ. استمعنا الى نغمات كادت أن تندثر لولا حرص مجموعة من المتحمسين الى التراث، وجهدهم في الحفاظ عليها ونقلها من جيل الى آخر. جالسنا صيادين وحرفيين وشعراء، وتوغلنا في ذاكرتهم الفردية والجماعية، في ذاكرة الحنين. في رمضان نفتح كتاب الحنين الى الماضي الجميل. محطة جديدة مع الفنون الشعبية والرقصات التراثية عند«الشحوح» حيث نجد لديهم فن الندبة والرزييف، و كان «للحواس الخمس» مع القراء وقفة مع فن (الندبة الشحية)، فهو مظهر من مظاهر العزوة أي النخوة والاعتزاز والفخر ، فهي نداء خاص يبعث الحمية والحماس والإعراب عن الفرح في المناسبات المفرحة ، كما يعبرون به عن شكرهم وعرفانهم بالجميل وهو أيضاً نداء الحرب والقتال عند الشحوح .

عادات مكتسبة ... يشرح علي الشحي المسؤول عن فن النديب في جمعية الشحوح في رأس الخيمة فيقول: كون مجتمع قبيلة الشحوح مجتمع جبلي فإن ذلك ورث عندنا عادات مختلفة وتقاليد مميزة ومن أهم هذه العادات والتقاليد تأتي في المرتبة الأولى وهي (الندبة) إذا اجتمع مجموعة من الشحوح للندبة اختاروا (النديب) وهو رجل له صوت قوى ثاقب يستطيع أن يرفعه ويخفضه حسب الصوت الذي سيطلقه ، ثم يلتف حوله عدد من الرجال ما بين عشرة إلى عشرين رجلاً يسمونهم (كبكوب) وهذا اللفظ فصيح أيضاً ويحيط هؤلاء الرجال بالنديب على شكل دائرة ويسمونهم حين ذاك بـ (الرديدة).

وهنا يغطي النديب فمه بكفه الأيسر ويرفع ساعده الأيمن وكفه مقبوض ثم يطلق صوت الندبة صائحاً (شو .. حو .. الشحي المهيوب واهو .. شو .. حو .. حو واو .. هي) ويكرر هذا الصوت عدة مرات فيما يردد الرديدة صوتاً ونداءً آخر وهو (هو هو هو هو) والنديب الماهر من يستطيع أن يتلاعب بصوته عالياً واطياً وله نفس أطول ونسق صوتي أفضل. ويضيف: تؤدى الندبة على ثلاث مراحل بينها استراحة لمدة أقل من نصف دقيقة ، وتسمى الندبة الثالثة (كسرة) وبها يختتم النديب بقوله (شو حو) ثلاث مرات . بينما في المرحلتين الأولى والثانية مرتين ، وعلى كل حال فإن المدة التي تستغرقها الندبة بصورة عامة حوالي عشرة دقائق . والجدير بالذكر أن لفظ الهتاف بالندبة وهو (هو هو هو هو) أصله لفظ الجلالة (الله) مكرراً وقد مدوا ومطوا الضمة الموجودة عليها فصار اللفظ يسمع (اللهو اللهو) ثم اختصر إلى (هو هو) وهكذا .

فإذا دعى داع ضيوفاً إلى مادبة غداء أو عشاء حيث جرت العادة أن يكون في الصحن الرئيسي ذبيحة كاملة برأسها مع الأرز أو ذبيحتان أو أكثر حسب عدد المدعوين ، كما جرت العادة أيضاً أن يكسر رأس الذبيحة ويقدم المخ للآكلين بعد أن يشبعوا من أكل اللحم ، فيتناول لقماً منه ، فإذا قاموا عن السفرة خرجوا وقبل أن يغسلوا أيديهم من بقايا الطعام تجمعوا على شكل (كبكوب) وينطلق النديب بندبته.

وإذا صادف إن لم يكن هناك نديباً بين المدعوين اعتذروا للمضيف عن ذلك وقالوا (أرخصنا نديب ماشي وخلنا نرمي) فيرمي واحد منهم طلقتين أو ثلاث طلقات من بندقيته في الهواء الطلق. ومن البديهي أن هذه المظاهر ما هي إلا تعبير عن مشاعر الشكر والتقدير وعن الإعلان عن كرم المضيف .

الفعاليات التراثية

عبر محمد عبدالله - طالب- عن مدى إعجابه بالفنون الشعبية بشكل عام وفن الندبة بشكل خاص فيقول: أنا من محبي التراث والفنون القديمة فأنتظر بفارغ الصبر افتتاح أي قرية تراثية أو ابتداء أي فعالية تراثية مثل أيام الشارقة التراثية أو قرية التراث في دبي وغيرها من الفعاليات في شتى أنحاء الدولة إلا وأكون أنا وأصدقائي أول الموجودين.

ويضيف راشد سعيد- موظف: في يوم من الأيام دعاني أحد أصدقائي لزيارته في إمارة رأس الخيمة، فكان عدد الضيوف كبيرا جدا وكانت (الصواني) مليئة بالرز بالإضافة إلى الذبائح، فهذا ليس بالغريب وهو يدل على كرم أهل الإمارات، وبعد الانتهاء من مأدبة الغداء قام أحدهم وبدأ بالندبة فكان ذلك اليوم من أجمل الأيام التي عشتها لا يمكنني نسيانه ما حييت.

ويؤكد مصبح سالم- متقاعد- على مدى أهمية التراث والحفاظ عليه، فهذا النوع من أنواع الفنون يعتبر من العادات والتقاليد التي يمتاز بها الشحوح وهي قائمة حتى وقتنا هذا.

دبي - مريم إسحاق

طباعة Email
تعليقات

تعليقات